الصين وقوات مكافحة الإرهاب في الخارج.. خطوة لتعزيز النفوذ أم تأمين الجبهة الداخلية

السبت 13/أكتوبر/2018 - 06:37 م
طباعة الصين وقوات مكافحة
 
محمد عمر

في خطوة جديدة لتعزيز انتشار الصين خارج حدودها أمنياً وعسكرياً وليس فقط اقتصادياً وسياسياً، أعلن الجيش الصيني في سبتمبر 2018، عن تشكيل ما أسماها "قوات خاصة لمكافحة الإرهاب"، محدداً مهامها بتنفيذ عمليات اقتحام عسكرية داخل البلاد وخارجها لحماية مصالح بكين فيما "وراء البحار". جاءت هذه الخطوة التنفيذية من قبل الجيش الصيني، تنفيذا لقانون سابق صدر منذ عام 2015، وذلك مع تنامي انتشار التنظيمات الإرهابية خاصة في منطقة الشرق الأوسط مثل "داعش" وانضمام صينيين إلى هذه الجماعات مما يمثل خطرا أمنيا على بكين بعد عودتهم إلى بلادهم مجددا، بجانب رغبة بكين في استغلال موجة التدخلات الدولية بزعم مكافحة الإرهاب وتوسيع وجودها العسكري والأمني خارجيا من أجل حماية مصالحها.

تفاصيل قوات مكافحة الإرهاب

       أصدرت الصين في عام 2015 قانونا لمكافحة الإرهاب يسمح لجيشها بتنفيذ عمليات لمكافحة الإرهاب فيما وراء البحار أي خارج البلاد وذلك خلافا لسياسة بكين المتبعة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ورفض انخراطها في أي صراعات خارجية، مكتفية بتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي. ووقت صدور القانون شكك الكثيرون في مدى جدية الأمر نظرا لوجود اعتراضات قوية من قبل القوى الكبرى، التي سترفض مثل هذا الإجراء بخلاف الدول التي قد تشهد أنشطة إرهابية، وعلى أي أساس سيتم التدخل وتحت أي غطاء(1).

      رغم أهمية الحدث لم تعلن بكين الكثر من التفاصيل عن القوات الجديدة، فقد كشف رئيس المخابرات في الشرطة المسلحة الصينية تشانغ شياو تشي، عن أن تشكيل قوات خاصة بشان الإرهاب جاء ضمن خطط التحديث الشامل للجيش الصيني، مشيرا إلى أن نطاق مهمة القوات الخاصة يمتد من الأرض إلى البحر ومن الوطن إلى خارجه، وأن استعدادات الحرب ضد الإرهاب يجب أن تشمل حماية المصالح الاستراتيجية الوطنية للصين في أي مكان حول العالم. هذا هو الأمر المقلق، الذي قد يدفع بالصين إلى الاصطدام بشكل مباشر مع بعض القوى الدولية بخلاف الدول التي قد يحدث فيها التدخل.

       وبالنظر إلى مهام القوة الصينية الجديدة لمكافحة الإرهاب، نجد أنها تصب في خانة تعزيز وتوسيع النفوذ الصيني حول العالم، ففي البداية بدأت بكين باختراق العالم اقتصاديا، خاصة في الدول النامية، وهذا الاختراق جاء على حساب ومصالح آخرين، بالتالي تتطلب حماية هذه المشروعات التي تقوض نظام عالمي قائم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية،  تشكيلات واستراتيجية امنية وعسكرية جديدة لحماية الوجود الاقتصادي الذي قد يتعرض لاستهداف من قبل قوى منافسة كما جرى للاستثمارات الصينية في ليبيا ومثلها الروسية عقب التدخل الغربي في ليبيا عام 2011.

       كانت بداية التحركات العسكرية الفعلية من قبل بكين للانتشار عسكريا في الخارج، بافتتاح أول قاعدة عسكرية لها بالخارج في جيبوتي، لتزاحم القواعد الأمريكية والفرنسية وغيرها في هذه المنطقة المهمة من العالم، فن خلالها يمكن لها حماية استثماراتها في القارة الأفريقية التي تفوقت فيها على منافسيها، فوفقا للتقارير الدولية سجل حجم التجارة الصينية في أفريقيا نمواً كبيرا منذ عام 2000 وحتى عام 2017، فخلال 17 عاما  فقط ارتفع إجمالي حجم التجارة بين الجانبين حوالي 17 مرة، لتكون الصين أكبر شريك تجاري لقارة أفريقيا لـ9 سنوات متتالية، ففي عام 2017، وصل حجم هذه التجارة إلى 170 مليار دولار، كما ارتفعت استثمارات الصين بالقارة السمراء إلى أكثر من 100 مرة منذ عام 2000 وحتى نهاية عام 2017(2).

      وبخلاف استخدام الصين قاعدة جيبوتي في حماية استثماراتها ومصالحها الاقتصادية بالقارة الأفريقية، تستخدمها أيضا لتأمين عمليات استيراد النفط من دول الشرق الأوسط ومن القارة الأفريقية، فهي أصبحت الدولة الأكثر نموا في استهلاك النفط على مستوى العالم منافسة الولايات المتحدة التي تحتل المرتبة الأولى فخلال عام 2016 كانت تستهلك حوالي 20 مليون برميل نفط يوميا بينما بكين حوالي 13 مليون برميل نفط يوميا، وإلى جانب تأمين صادرات النفط تريد بكين أيضا مستقبلا حماية الأنظمة السياسية الموالية لها في أفريقيا مثلما تفعل الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين.

لماذا تتستر الصين بمكافحة الإرهاب في الخارج

       استغلت الصين موجة التصعيد الدولي ضد الجماعات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص وحول العالم بشكل عام، للضغط أولا على الأقلية المسلمة في إقليم شينجانج وفرض إجراءات قاسية، بزعم مواجهة التطرف، فقد أعربت الأمم المتحدة عن قلقها وانزعاجها من عمليات الاعتقال الجماعي للإيغور المسلمين، والمحتجزين في معتقلات تعرف باسم معسكرات "مكافحة الإرهاب"، ويوجد بها حوالي مليون شخص وفقا لتقديرات اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة(3).

       ويوجد في إقليم شينجيانغ حوالي 70 مليون مسلم من أصل 120 مليون منتشرين في الصين. يحاول هذا الإقليم نيل استقلاله أو حتى الحصول على حكم ذاتي، وسبق أن حقق هذا بالفعل في السابق لكن سيطرت عليه الحكومة الشيوعية في عام 1949، وتتخوف بكين من عودة هذه الأجواء مجددا أو استغلال الجماعات المتطرفة لما يعانيه سكان الإقليم من قبل الحكومة المركزية، من تضييق عليهم بسبب العرق والدين، فمعظم سكان الإقليم من أقلية الإيغور وأكثرهم يدين بالإسلام.

      لم تكتف الصين بالتضييق على المسلمين لديها وملاحقة المتطرفين على أراضيها، إنما أرادت أن تحذو حذو الدول الأوروبية التي شاركت في العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا، لمنع انتقال خطر التنظيم إليهم، بخلاف تحقيق المصالح السياسية والاقتصادية لبلادهم، فبكين أدركت متأخرا أنها غابت عن هذا الميدان، مما كلفها كثيرا مثلما جرى في ليبيا، فالتدخل الغربي في عام 2011 للإطاحة بالزعيم الليبي الراحل معمر القذافين تسبب في خسائر اقتصادية كبيرة لها والقضاء على استثماراتها هناك خاصة في مجال النفط، بالتالي تريد بكين تشكيل القوة الخاصة لمكافحة الإرهاب في الخارج لتكون على استعداد للانتشار لحماية مصالح الصين سواء لحمايتها فعليا من تهديدات الجماعات الإرهابية أو حجز مكان لها في الخارج وحماية مصالحها في ظل اشتداد المنافسة مع الولايات المتحدة.

       وكشفت صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية في تقرير لها إلى أن الصين تريد أن تلعب قواتها في مكافحة الإرهاب دورا أكبر في الخارج وذلك لحماية مصالحها الدولية المتنامية في المقام الأول، ففي ظل سياسة الرئيس شي جين بينج لخلق نفوذ خارجي أكثر قوة، في ظل التنافس مع الولايات المتحدة، خاصة على المستوى العسكري، فقد اعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الصين وروسيا أكبر خطر يواجه الولايات المتحدة وذلك في استراتيجية الأمن القومي التي أقرتها إدارته بجانب استراتيجية الدفاع التي أقرها البنتاجون، وعلى هذا الأساس تم زيادة مخصصات الإنفاق العسكري سواء لتطوير الأسلحة التقليدية والقدرات الفضائية أو الأسلحة النووية.

       وفي تقرير صادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، كشف عن أن القانون  الذي أقرته الصين عام 2015 لمحاربة الإرهاب في الخارج "لديه القدرة على إحداث تغيير كبير في استخدام القوة العسكرية الصينية في الخارج "، وهوما حدث بالفعل الشهر  الماضي ببدء الصين في تشكيل قوة خاصة عسكرية في هذا الشأن لتعمل على نطاق أوسع وذات مهام أكبر، فسبق أن نشرت بكين وحدات قوات خاصة في أفغانستان والعراق لحماية البعثات الدبلوماسية هناك في ظل الاضطرابات التي يشهدها البلدان.

احتمالات الاصطدام العسكري بين الصين وخصومها في الخارج

     تدرك بكين أن عليها تعزيز قوتها العسكرية ليس فقط على المستوى الداخلي وإنما خارجيا، من اجل الحفاظ على المكاسب الاقتصادية التي حققتها وتطلعها للمزيد عبر طريق الحرير البري والبحري، وفي هذا الإطار أعلنت بكين عن رفع ميزانيتها العسكرية بنسبة 8.1 % لعام 2018، لتصل إلى 1.11 تريليون يوان (175 مليار دولار)، إلا أنها صغير لا تقارن بنظيرتها الأمريكية التي أقرها ترامب لعام 2018 لتصل إلى حوالي 700 مليار دولار، ومع هذا يعتبر هذا الرقم مهما بالنسبة للصين في ظل زيادتها المستمرة لميزانية الدفاع من اجل مواكبة التحديثات الأمريكية والروسية وباقي منافسيها(4).

      وفي أغسطس 2018 أقر ترامب ميزانية جديدة للدفاع لعام 2019 وصلت إلى حوالي 716 مليار دولار، خصص منها حوالي 69 مليار دولار لعمليات ما وراء البحار المحتملة، مع تعزيز القدرات النووية والفضائية، وهذا يؤكد أن ترامب متمسك بالتدخلات العسكرية وتوسيع النفوذ الأمريكي في الخارج رغم انتقاده للإدارات السابقة وتكلفة انخراطها في العمليات العسكرية، فقد كشف ترامب عن انفاق واشنطن منذ عام 2011 وحتى 2017 حوالي 7 تريليون دولار في منطقة الشرق الأوسط فقط وبالمقابل لم تحصل بلاده على أية مكاسب مقابل هذه التدخلات(5).

     وفي إطار الصدامات المحتملة بين الصين وخصومها خاصة الولايات المتحدة وحلفائها في آسيا، تستعد بكين جيدا في منطقة بحر الصين الجنوبي التي تسيطر عليها بكين وسط استمرار النزاع مع خصومها حول المنطقة مثل كوريا الجنوبية واليابان حلفاء واشنطن، اللذين زودتهم مؤخرا بأسلحة متقدمة خاصة الدفاعات الجوية مثل منظومات ثاد المتطورة التي اعتبرتها بكين انها موجهة ضدها بالأساس وليس لمواجهة خطر كوريا الشمالية كما تزعم واشنطن، وفي هذه النقطة تزيد بكين من قدراتها العسكرية سواء التقليدية أو أسلحة الدمار الشامل، من أجل تحقيق قدر كافي من الردع للولايات المتحدة.

     ورغم لجوء بكين إلى تشكيل قوة خاصة من أجل المهمات الخارجية بزعم مكافحة الإرهاب إلا من المستبعد حاليا الاصطدام بشكل مباشر مع خصومها أو التورط عسكريا، فهل لم تتدخل في سوريا عسكريا ونفت ذلك مرارا رغم ميلها للموقف الروسي ودعمها للنظام السوري سياسيا كما يجري في مجلس الأمن الدولي، لكن تشكيل هذه القوة مؤشر على الاستعدادات الصينية لعمليات التدخل العسكري في الخارج، فهي ليس لديها أي خبرات سابقة في هذا المجال، وبالتالي تلجأ إلى الاعتماد على وحدات صغيرة ومدربة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب لأنها غير قادرة على نشر قوات عسكرية كاملة في الخارج مثلما فعلت الولايات المتحدة وروسيا.

المصادر

1- الصين تبحث إنشاء قوة لمكافحة الإرهاب لحماية مصالحها في الخارج، رويترز، 29/9/2018، الرابط:

https://ara.reuters.com/article/worldNews/idARAKCN1M90DB.

2- 170 مليار دولار استثمارات الصين في أفريقيا.. شراكة استراتيجية شاملة، بوابة العين، 3/9/2018، الرابط:

 https://al-ain.com/article/china-africa-cooperation-facts-figures

3- ما هي أقلية الإيغور المسلمة في الصين التي انزعجت الأمم المتحدة من أجلها؟، هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، 31/8/2018، الرابط:

 http://www.bbc.com/arabic/world-41453093.

4- الصين تزيد ميزانية الدفاع 8.1% في عام 2018، 5/3/2018، شينخوا، الرابط:

 http://arabic.news.cn/2018-03/05/c_137016844.htm.

5- ترامب يوقع أكبر ميزانية عسكرية للولايات المتحدة، روسيا اليوم، 12/12/2017، الرابط:

 https://bit.ly/2yotAGH. 

شارك