حرب أكتوبر ... التحولات في بنية العلاقات المصرية بالقوى الدولية

الإثنين 15/أكتوبر/2018 - 05:43 م
طباعة حرب أكتوبر ... التحولات
 
مصطفى صلاح

شهدت العلاقات المصرية بالأقطاب الدولية العديد من الأنماط ما بين التقارب والتباعد سواء فيما يتعلق بمواقف القوى الدولية بحرب أكتوبر أو نتائجها أو موقفها من السياسات المصرية بعد انتهاء الحرب، خاصة في ظل تباين التوجهات الخارجية المصرية مع اختلاف أنماط العلاقات الدولية فيما يتعلق بهيكلية النظام الدولي والتحولات الجذرية التي شهدها خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وتغير القطبية الدولية للنمط الأحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة، وتداعيات ذلك على التوجهات السياسية المصرية في ظل هذه التغيرات.

مصر وعلاقاتها الدولية في حرب أكتوبر

تختلف خريطة العلاقات الدولية أثناء الحرب المصرية الإسرائيلية عن ما هي عليه الآن، حيث أصبحت حرب أكتوبر 73 وستظل نقطة مضيئة في التاريخ المصري بل إنها شكلت أحد أهم محاور العلاقات الخارجية المصرية وعلاقاتها بالدول الإقليمية والدولية.

وتأتي أهمية تلك الحرب في أنها جاءت بعد سلسلة من الهزائم المصرية وخاصة هزيمة 1967، التي شكلت حجر الزاوية في إعادة الحسابات الخارجية المصرية من جديد وإعادة النظر في خريطة التفاعلات الدولية المحيطة بها، خاصة بعد أن أثبتت مصر أنها قادرة على تغيير سياساتها وفق مصالحها وأمنها القومي، برغم كل الظروف الدولية المحيطة سياسيًا وعسكريًا.

إن الظروف التي احاطت بحرب اكتوبر 73 كانت شديده الصعوبة وبالغه التعقيد أمام مصر وقواتها المسلحة، وقد نجح المصريون في تخطي كثير من هذه الصعوبات وجانبهم التوفيق في مواقف عده، وسنعرض هنا لهذه العوامل والظروف الدولية السياسية والعسكرية حتي نوضح ما قامت به مصر وقواتها المسلحة، بعد أن حفرت مصر وقواتها المسلحة بتلك الحرب اسمها في سجل الشرف العسكري ضاربه للعالم كله مثال الشعب العريق الذي استطاع بسواعد ابنائه وعرق ودماء شهدائه أو يحول الهزيمه إلى نصر عظيم يضع مصر وشعبها العريق في المكانة التي تستحقها بين الامم.

 

مصر وتوازن القوى إبان الحرب

شهدت العلاقات الدولية أثناء حرب أكتوبر 73 استقطابًا حادًا بين الدول فيما يتعلق بالانضمام إلى أحدى المعسكرين إما الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة والآخر المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق،  وعلى ذلك توجهت السياسة الخارجية المصرية حينذاك لحماية توازن علاقاتها وفق المعطيات الداخلية والخارجية، بإيجاز عمل الرئيس الراحل محمد أنور السادات وفق هذه المعطيات على الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية بما يسمح بإدارة العلاقات مع القطبين الدوليين في هذا الوقت؛ حيث أدار العلاقات مع الاتحاد السوفيتي بما يقلص مخاطر وفاقه مع الولايات المتحدة علي توازن القوي وقرار الحرب‏، واستنفاد جميع فرص الحل السلمي عبر الوساطة الأمريكية‏، وتوسيع فرص العمل العربي المشترك خاصة مع السعودية‏، وذلك وفق اعتبارات متعلقة بأن الطريق إلى السلام لا يمكن أن يتم إلا من خلال الحرب مع إسرائيل.

وعلى خلاف الرئيس جمال عبدالناصر الذي كان يرى خياراته الخارجية أقرب للاتحاد السوفيتي في الشراكة والاستراتيجية وإن ظهر حرصه على أن تبقى العلاقات الثنائية بينهم مرتكزة على الندية والشراكة والاختلاف، إلا أن وفي المقابل أوضحت سياسة مصر الخارجية في عهد الرئيس السادات أنها مرتكزة على أن الاتحاد السوفيتي صديقًا تكتيكيًا مؤقتًا تفرضه ضروريات الحرب على إسرائيل، خاصة في ظل الدعم الأمريكي لإسرائيل سياسيًا وعسكريًا، يأتي ذلك على خلفية رؤية السادات في سياق توجهه الاستراتيجي لإنهاء الصراع مع الولايات المتحدة‏، ‏وإعلاء المصلحة الوطنية المصرية، والانفتاح علي خصوم سلفه اجتماعيا وأيديولوجيًا وسياسيًا‏.‏

وعلى خلفية هذا التوجه واجه السادات تعنتًا في وفاء الاتحاد السوفيتي بتعهداته بتوريد الاحتياجات العسكرية الضرورية لخوض حرب التحرير‏،‏ مع قبوله بما سمي‏" الاسترخاء العسكري‏"‏ في الشرق الأوسط في سياق مساومات سياسة ‏الانفراج‏ مع الولايات المتحدة‏، وشكوكه في توجهات السادات‏، ‏وهواجسه بشأن قدرة القوات المسلحة المصرية علي النصر في الحرب‏.‏ ورغم وجاهة النقد بأن السادات لم يساوم بقرار اخراجه للخبراء العسكريين السوفيت‏، فقد كان القرار منطقيًا بعد انتهاء تدريب القوات المسلحة المصرية علي الأسلحة الجديدة‏،‏ وضمانًا لاستقلال القرار المصري بالحرب‏,‏ وتهدئة للرأي العام بالقوات المسلحة الغاضب من تقاعس الاتحاد السوفيتي وسلوك عديد من خبرائه‏.‏

وعلى الرغم من ذلك استمر تدفق الأسلحة السوفيتية بعد طرد خبرائه‏، بل إنه تزايد وأقدم السادات علي إبرام معاهدة تكتيكية للصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفيتي‏,، من أجل قطع الطريق علي المزيد من تدهور العلاقات المصرية السوفيتية‏ ‏ وكان السادات مدركًا لمخاطر شن حرب التحرير دون توفير الحد الأدنى من الأسلحة اللازمة لخوضها‏، وكامتداد لتوجهات الرئيس الراحل عبدالناصر في هذا الشأن أدرك السادات أنه لا بديل من العون العسكري السوفيتي لإعادة بناء القوات المسلحة وخوض معركة التحرير‏.

وكان السوفيت مع الزعيمين يدركان أن سقوط مصر خسارة استراتيجية سوفيتية في صراع الحرب الباردة المستمر رغم الوفاق بينهم في العديد من التوجهات الخارجية‏.‏ ورغم التردد والتباطؤ والضغوط والقصور، فإن إمدادات الأسلحة السوفيتية لم يكن لها بديل‏، نوعًا وسعرًا ونظامًا للتسليح‏‏ في مواجهة إمداد أمريكا لإسرائيل بأحدث ما في ترسانتها من الأسلحة وكانت هي التي مكنت مصر من خوض حرب الاستنزاف من قبل بعد هزيمة 1967 ثم حرب أكتوبر‏.‏(1)

في حين استهدف طرد الخبراء السوفيت ضمن ما استهدف توجيه رسالة إيجابية للولايات المتحدة تحقق هدفًا استراتيجيًا لها كي تتحرك بجدية نحو تسوية سلمية للأزمة‏ بعد الحرب، عن طريق الوساطة الأمريكية التي ترعاها واشنطن بين القاهرة وتل أبيب فيما بعد في معاهدة كامب ديفيد.

               تبعت تلك السياسات اتصالات مصر المباشرة مع الولايات المتحدة‏.‏ لكن إعلان السادات في فبراير‏1971‏ استعداده لفتح قناة السويس مقابل تراجع قوات الاحتلال كخطوة نحو التسوية الشاملة‏،‏ لم يجد صدي لدي الولايات المتحدة واسرائيل؛ حيث واصلت الولايات المتحدة انحيازها المطلق لإسرائيل‏، وربطت تحركها للتسوية السلمية بتنازلات مصرية كان من المستحيل علي الرئيس السادات شأن أي زعيم وطني أن يقبل بها قبل تغيير توازن القوي الإقليمي بعمل عسكري يزعزع نظرية الأمن الإسرائيلي‏، وهو ما تحقق بعبور أكتوبر والضربة الجوية‏، وإثباتهما أن التوسع لا يحقق أمن إسرائيل‏،‏ وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها‏.

واشنطن تل أبيب والجسر الجوي

بلغ الدعم الامريكي منتهاه خلال مجريات حرب أكتوبر 73، فقد فوجئت الولايات المتحدة كما فوجئت إسرائيل باندلاع الحرب يوم السادس من أكتوبر، لكن الغرور والثقة المفرطة من جانب واشنطن بجيش الدفاع الإسرائيلي، مع الاستهانة الكاملة بمصر وقواتها المسلحة جعلت واشنطن تنظر للحرب في بداية أيامها بالقليل من الاهتمام، لكن بعد أن لاحت بوادر الهزيمة الإسرائيلية بنجاح مصر في عبور قناه السويس والتمركز علي الضفة الشرقية بقوة لا يستهان بها.

ومن ثم طالبت إسرائيل من واشنطن تقديم الدعم السياسي والعسكري في مواجهة النجاحات المصرية في الحرب؛ وعمل وزير الخارجية الأمريكي في هذا الوقت هنري كيسنجر على إقناع الإدارة الأمريكية بأن تقف مع إسرائيل بكل ما يمكن أن تقدمه لها، وعلي الفور فتحت مخازن الجيش الامريكي وبدأ شحن الأسلحة والمعدات إلى إسرائيل بطائرات أمريكية من طراز سي 5، وسي 130.

وبعد تقديم المساعدات الأمريكية تمكنت إسرائيل بشكل نسبي من تقليل حجم الخسائر التي تعرضت لها خلال الأيام الأولى من الحرب التي شنتها القوات المسلحة المصرية وسلاح الجو؛ حيث قدمت واشنطن لإسرائيل طائرات أمريكية من طراز فانتوم جاءت بطيارين أمريكان من القاعدة الأمريكية في ألمانيا .وبهذا استعادت القوات الجوية الإسرائيلية عافيها وكفاءتها مرة اخري في الوقت الذي كانت القوات الجوية المصرية تخسر طائرات وطيارين بدون استعواض، بجانب ذلك زودت الولايات المتحدة تل أبيب بطائرات استطلاعية مكنت إسرائيل من كشف خطوط الجيش المصري لتجنب العمليات العسكرية ضدها.(2)

على الجانب الآخر حاول الاتحاد السوفيتي السابق وهو الند الطبيعي للولايات المتحدة أن يقدم الدعم لمصر في ظل التوترات بين الجانبين على خلفية طر السادات الخبراء الروس؛ حيث جاء الجسر الجوي السوفيتي لمصر كرد فعل عن على إعلان الولايات المتحدة جسرها الجوي إلى إسرائيل، وعلى الرغم من الدعم السوفيتي لمصر إلا أنه جاء هائلًا في حجمه هزيلًا في محتواه، فلم تصل مصر طوال فترة الحرب طائرة قتال واحدة استعواضًا للخسائر  اليومية من الطائرات المصرية، إنما كان الامداد كله يتركز في مهمات ومعدات غير حيوية بل ووصل الأمر إلى أن يشمل أجهزة ومعدات طبيه .

يذكر أن الاتحاد السوفيتي السابق وجد الفرصة سانحة أمامه للتوغل في المنطقة، وخلال الحرب وجد السوفيت أنفسهم أمام خيارين؛ إما تترك مصر تواجه إسرائيل وأمريكا بمفردها وهو في غير صالح السوفيت، أو تساند مصر في مواجهتها هذه لكن بحذر ومراوغه حتي تخضع مصر تحت الحاجه إلى التخطيط السوفيتي للمنطقة في توزيع نفوذها.

ومع ادراك الاتحاد السوفيتي بأن الموقف المصري سيزداد سوءًا بسبب الدعم الامريكي الغير محدود لإسرائيل، فقد أصدر الاتحاد السوفيتي قرار بتجهيز فرقه جويه سوفيتية للتحرك سريعًا لمساعدة الموقف في مصر، مما جعل الولايات المتحدة تقوم بتصرف مماثل، فلم يكن هناك بد من فرض وقف إطلاق النار علي إسرائيل مرة أخرى؛ حيث كان التواجد السوفيتي يزداد كلما ازداد الدعم الأمريكي للاحتلال العسكري الإسرائيلي .

إن الاتحاد السوفيتي لم يكن الصديق المثالي ولكنه كان أفضل صديق في الساحة العالمية في ذلك الوقت، أن سياسة الاتحاد السوفيتي في تأييده للدول العربية واضحة تمامًا وهى مبنية على أساس مساعدة الدول العربية في استعادة أأراضيها التي احتلت بعد عام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية . ولكنه لا يوافق مطلقًا على تدمير دولة إسرائيل، كما أن الاتحاد السوفيتي دولة غير غنية إذا ما قورنت بالولايات المتحدة وبالتالي فإنه لا يستطيع ان يغدق العطاء على مصر بالقدر نفسه الذي تغدق به أمريكا على إسرائيل .

وكما أشرنا فإن قرار الحرب وتأكيد العسكرية المصرية لذاتها قد أعطى السادات تفويضًا لكي ينفذ رؤيته حول مستقبل اتجاهات السياسة الخارجية المصرية وبشكل خاص تجاه النزاع العربي الإسرائيلي. في هذا الشأن فقد كان السادات مدفوعا بثلاثة مفاهيم أساسية، الأول هو اعتقاده بأن الحرب كوسيلة لإنهاء هذا النزاع قد استنفدت نفسها، وأن أيا من طرفيه لن يعد قادرًا على فرض إرادته على الآخر بالقوة، أما المفهوم الثاني فهو اقتناعه بأن الولايات المتحدة الأمريكية، بالتزاماتها وارتباطاتها مع إسرائيل هي القوة الدولية الوحيدة القادرة على تسوية سياسة وتمتلك 90% من أوراق اللعبة، وكذلك بدا السادات مقتنعًا بأن دور مصر ومكانتها بين العرب يجعل منها القائد الطبيعي لهم، وأنه أينما كانت ستتجه مصر فإن الآخرين سوف يتبعونها. وفي هذا الإطار من التفكير ظل السادات صارمًا حول قضيتين، الأولى هي السيادة المصرية وتكاملها الإقليمي، والثانية هي تأكيده على الحقوق الفلسطينية المشروعة، وهو التفكير الذي انعكس بوضوح في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي في 20 نوفمبر 1977. وقد تطورت حملة السلام التي شنها السادات إلى توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، بشقيها المصري والفلسطيني وقد أثارت هذه الاتفاقية وخاصة بعد التوصل إلى معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية عام 1979، انعكاسات بالغة الأثر بالنسبة لمصر وبشكل خاص على علاقاتها العربية وعلاقاتها بالاتحاد السوفيتي.

انهيار الاتحاد السوفيتي والقطبية الأحادية

شكل انهيار الاتحاد السوفيتي الأثر الأكبر في بنية النظام الدولي وتحول هيكليته إلى نظام القطبية الواحدة بتفرد الولايات المتحدة على الساحة الدولية، ومن ثم كان على مصر التعامل مع تلك المتغيرات الدولية وفق الطريقة التي تتناسب مع مصالحها الخارجية، والتي اختلفت الظروف الدولية لسياسة مصر الخارجية كما كانت من قبل في حرب أكتوبر 73 والفترة التي أعقبتها التي كان أبرز ملامحها انقسام العالم إلى معسكرين بحكم توازن القوى.

وعليه تغيرت دوائر السياسة الخارجية المصرية عما كانت عليه من قبل أثناء حرب أكتوبر 73، وفترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، والتي عرفت بسياسة الانفتاح على الغرب وخاصة الولايات المتحدة التي أرسى ملامحها الرئيس السادات وسار عليها خلفاءه.

وبعد تولي الرئيس مبارك حاول إدخال بعض التعديلات على سياسة مصر الخارجية فيما يتعلق بعلاقاتها مع واشنطن، خاصة في ظل العلاقة غير المتوازنة بين القاهرة وواشنطن، حيث أن سياسة السادات كانت تدور حول رؤية تتعلق بأن واشنطن هي المتحكم الأساسي في ملفات المنطقة والقادرة وحدها على تمرير السياسات، ولعل هذه الرؤية أظهرت مصر بمظهر الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، وذلك في ظل الصورة السلبية التي تتمتع بها واشنطن في المنطقة، مما دفع القاهرة إلى إعادة النظر في العلاقات مع الولايات المتحدة لمحاولة تحقيق قدر من الاستقلالية، ومن بعدها شهدت العلاقات الثنائية محطات من الخلافات والأزمات المتعلقة برفض المناورات العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة بالإضافة إلى المطالبات المصرية لواشنطن بإعادة النظر في سياساتها تجاه المنطقة بما يحفظ السلام الإقليمي.

وفضلاً عن البعد السياسي للعلاقات المصرية الأمريكية هناك بعد آخر يتعلق بالمساعدات العسكرية والاقتصادية، منذ توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية (كامب ديفيد) عام 1979، وهو ما يدل على اهتمام الإدارة الأمريكية بالدور الحيوي لمصر في المنطقة وضرورة مساندة هذا الدور.

الدائرة الأوروبية

مثلت الدائرة الأوروبية أحد أهم أهداف السياسة الخارجية المصرية وذلك في إطار إعادة التوازن لمسار العلاقات مع الدول الأوروبية، وذلك لامتلاك أوراق المناورة مع واشنطن، والضغط عليها إن لزم الأمر، وعلى الرغم من هذا التوجه إلا أنه لا يمثل بديل استراتيجي عن الولايات المتحدة، بل أن السياسة الخارجية المصرية ترى أن أوروبا يمكن أن تمارس نوعًا من الضغوط على الكيان الصهيوني لدفع عملية السلام مع الفلسطينيين.

وعلى ذلك سعت الحكومات المصرية على تكوين شبكة من علاقات التعاون الاقتصادي والعسكري مع مختلف الدول الأوروبية، وذلك وفق رؤية مصر المتعلقة بضرورة بذل الجهود الدبلوماسية لإدخال الدول الأوروبية كشريك فاعل يساهم في حلحلة الأزمة الفلسطينية الإسرائيلية بشكل خاص والعربية بشكل عام.

ويذكر أن لهذه السياسات الأثر الأكبر في خروج مصر من عباءة الاستراتيجية الأمريكية وتوسيع دائرة علاقاتها، وفي كل الأحول وكما ذكرنا لم تكن أوروبا البديل للدور الأمريكي بل كان رؤية مصر تتمثل في استثمار العلاقات الجيدة مع أوروبا للضغط على الجانب الإسرائيلي وواشنطن، عوضًا عن المنافع الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وفي كل الأحوال استمرت العلاقات المصرية الأوروبية من أجل تحقيق التوازن في العديد من الملفات الإقليمية والدولية.

دوائر العلاقات المصرية بعد الثورة

جاءت ثورة 25 يناير لتسقط النظام السياسي الأقرب لواشنطن ولكن بعد وصول الإخوان إلى السلطة تم إعادة ربط المصالح المصرية مع المشروع الأمريكي الجديد للشرق الأوسط، وبعد إسقاط الشعب لحكم الإخوان وجدت الإدارة الأمريكية للرئيس باراك أوباما نفسها في مفترق طرق، لذلك بدأوا ضغوطهم الاقتصادية والعسكرية تجاه مصر، من خلال تحفيز صندوق النقد الدولي للتوقف عن تقديم أية قروض لمصر، ومن خلال تعمد ضرب السياحة المصرية، والتوقف عن بيع الأسلحة المطلوبة لقطاع الأمن الداخلي وتجميد المعونات العسكرية للجيش المصري.

ولعل هذه السياسات الأمريكية جاءت وفق الرؤية المتعلقة بإعادة فرض الهيمنة السياسية والاقتصادية، إلا أن مصر عملت على إعادة التوازن من جديد سواء فيما يتعلق بعلاقات مصر مع الولايات المتحدة أو روسيا أو غيرها من الفاعلين من الدول الكبرى.

ومن ثم يبقى القرار المصري هو العامل الحاكم في هذا كله لسد أبواب الاختراق الأمريكي القادم عبر مسارين، أولهما: تأسيس نظام سياسي وطني حريص على استقلال الإرادة الوطنية وصد كل محاولة للهيمنة من جانب القوى الدولية، وامتلاك نظام اقتصادي وطني قادر على الاعتماد على الذات وتحقيق التقدم الاقتصادي مع العدالة الاجتماعية لتشمل القطاع الأوسع من المواطنين الذين هم عماد الاستقرار الوطني.

ثانيهما، إقامة سياسة خارجية متوازنة مع جميع القوى الدولية وخاصة مع روسيا والصين وعدم تمكين بعض القوى الدولية والإقليمية من اختراق مصر من الداخل عبر وسائل التخريب السياسي والاقتصادي والاستخباراتي مع قوى الإرهاب الداخلي في مصر.(3)

من خبرتها مع علاقات القوى الدولية وطبيعة النظام الدولي الذي يسود فإنها ومنطقتها من العالم من الأكثر تأثرًا بطبيعة هذا النظام والقوى التي تتحكم فيه، فعندما كان يسود النظام الدولي نظام القطبية الثنائية: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وتنافسهما على المكانة والنفوذ في مناطق العالم المختلفة وكان من أهم مسارح الحرب الباردة بينهما منطقة الشرق الأوسط. وكان هذا أيضا بعد اختفاء نظام القطبية الثنائية وظهور نظام القطب الواحد متمثلًا في الولايات المتحدة، غير أنه بعد عقد من القطبية الأمريكية الأحادية ورغم اختلاف التصورات والافتراضات حول طبيعة النظام الدولي المقبل، إلا أن الاتجاه الغالب هو أن العالم مقبل على نظام تتعدد فيه القوى والمراكز ولا تنفرد فيه قوة واحدة بقرارات الحرب والسلام.

ولا شك أن السياسة الخارجية المصرية كانت تتابع هذا التطور وتعمل على التكييف معه، ولهذا بدأت تتحرك نحو دعم علاقاتها مع الشعوب الجديدة المتوقعة وبشكل خاص في آسيا وقواها الصاعدة وفي مقدمتها الصين، والهند والقوى التي عرفت بالنمور الآسيوية: كوريا الجنوبية، ماليزيا، سنغافورة، وإندونيسيا. ولهذا لم يكن غريبًا تعدد الزيارات الرئاسية والوزارية لهذه الدول. غير أن الحاجة مازالت قائمة لتفعيل ما تم التوصل إليه من اتفاقات مع هذه الدول وبشكل خاص مع قوة صاعدة مثل الصين، كما عززت دوائر سياستها الخارجية مع الدول الأوروبية وروسيا وباتت تتحرك وفق ما تمليه المصالح الوطنية عليها.

نخلص من هذا إلى أهمية مشاركة مصر في بروز النظام الدولي المتعدد الأقطاب والإسهام في إرساء قواعد وأسس علاقاته ومؤسساته، ذلك أن مثل هذا النظام إنما يلتقي خاصة مع مصالح الدول الصغيرة والمتوسطة مثل مصر ويقدم لها مجالًا أوسع لحرية الحركة والمناورة ولا يجعلها أسيرة قوة واحدة تريد أن تعرض مصالحها ورؤيتها للعالم.      

الهوامش:

(1) محمد عكاشة، تحليل موجز لحرب أكتوبر، على الرابط:

http://group73historians.com/%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A3%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%A8%D8%B1/228-%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84-%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%B2-%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%A8%D8%B1

(2) السياسة الخارجية المصرية بين جمال عبد الناصر وأنور السادات ومحمد حسني مبارك، سلسلة اوراق رقم 11 يونيو 2010، موقع المركز المصري للشئون الخارجية، على الرابط:

https://sites.google.com/site/misraffairs/readings/egypt_fp

(3) محمد السعيد إدريس، بين ثورتين: العلاقات المصرية الأمريكية ( 1971- 2014)، المركز العربي للبحوث والدراسات، بتاريخ 20 أبريل 2014، على الرابط: http://www.acrseg.org/4767

شارك