السلاح مقابل الموارد: الحضور الروسي فى أفريقيا الوسطى

الثلاثاء 16/أكتوبر/2018 - 05:06 م
طباعة   السلاح مقابل الموارد:
 
محمد على حسن

في ذكرى مرور عام  على لقاء رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى فوستين آركانجو ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف 9 أكتوبر 2017 في سوتشي، والتأكيد على أهمية  التعاون المشترك في المجالات “السياسية والتجارية والمجالات الاقتصادية والثقافية”، وهو ما يعتبر بداية التعاون بين الطرفين، يقول السيد مامادو زيفيرين، رئيس أركان القوات المسلحة بأفريقيا الوسطى، "نشكر روسيا على كل ما قدمته لنا"، وذلك في مقابلة مع وكالة "African Daily voice، وذلك في 9-10-2018، إلا أنه في الواقع لا يوجد شيء في السياسة بدون مقابل، حيث استطاعت روسيا تعزيز نفوذها في أفريقيا الوسطى وتحقيق العديد من المزايا ، وهنا نستعرض أهم الأدوات التي استخدمتها روسيا ودوافعها للتواجد في أفريقيا الوسطى وتداعيات ذلك على أفريقيا الوسطى، وذلك للوقوف على مستقبل الدور الروسي في أفريقيا بشكل عام .

أولاً- أدوات تعزيز الحضور الروسي في أفريقيا الوسطى

هناك العديد من الأدوات التي تستخدمها روسيا لتعزيز وجودها في أفريقيا الوسطى؛ منها:

صفقات السلاح

استطاعت روسيا أن تحصل على موافقة أممية بتسليم الأسلحة لأفريقيا الوسطى  والقيام بتدريب الجنود في أفريقيا الوسطى على استخدام الأسلحة، والتي يفرض عليها حظر أممي منذ 2013 بسبب النزاع المسلح بين الطوائف، وذلك في ديسمبر 2017، حيث يأتي ذلك استجابةً لطلب من رئيس أفريقيا الوسطى والذى طالب روسيا بضرورة الحصول على الأسلحة(1)، ولذا قامت روسيا بتسليم أسلحة خفيفة وقوات لتدريب في يناير 2018، وكذلك عقدت صفقة أسلحة أخرى في أغسطس 2018(2).

الاعتماد على الشركات العسكرية للتدريب

لم تكتف روسيا بالأسلحة فقط، حيث أصدرت مجلة أتلانتك الأمريكية تقريرًا  يشير إلى  وصول 170 مستشارا مدنيا واعتبارهم من قوات شركة عسكرية خاصة  "فاغنر"، وذلك لتدريب القوات الحكومية، كما تمت الإشارة إلى ظهور 500 آخرين من مقاتلي "فاغنر" على حدود السودان - جمهورية إفريقيا الوسطى، فضلًا عن توفير قوات خاصة لتأمين السيد فوستين ارشانج تواديرا، رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى، كما تمت الإشارة إلى ظهور  شركة عسكرية آخرى تسمى باتريوت، والتي يبدو أنها تمتلك صلات جيدة بمسؤولي وزارة الدفاع وتقدم أجوراً عالية تصل إلى مليون روبل في الشهر، الأمر الذى يزيد من احتمالية استمرار التواجد في أفريقيا الوسطى والانتشار في مزيد من الدول الأفريقية(3)

تعزيز التعاون في مجال التعليم، والتبرعات الروسية   

لا تتوقف روسيا على الصفقات العسكرية فقط، حيث وصف ألكسندر فومين، نائب وزير الدفاع الروسي، الاتفاق التعاون العسكري  في أغسطس 2018، بأنه اتفاق إطاري للتعاونن وتبادل الوفود بين البلدين والبعثات التعليمية، كما بدأت روسيا في التبرع لبناء مستشفيات وتوفير قوات خاصة لتأمينها ومراقبة توصيل مواد البناء لاستكمال العديد من المستشفيات(4)

تزامن هذا التواجد الروسي مع دراسة البنتاجون لانسحاب القوات الأمريكية من أفريقيا، وهوما يعتبر امتدادا لاستراتيجية الجيش الأمريكي توافقا مع استراتيجية الأمن القومي لإدارة الرئيس دونالد ترامب للتركيز على مواجهة التهديدات المتنامية من روسيا والصين، وتعرض القوات الأمريكية للخطر في أفريقيا وخاصة في النيجر(5)، وهو الأمر ما يعزز من فرص الحضور الروسي، من خلال تقديم نفسها كشريك جديد، وخاصة في ظل وجود صورة ذهنية للاتحاد السوفيتي، الذى تلقى فيه العديد من المسئولين الأفارقة تعليمهم(6).

ثانيًا- دوافع التقارب الروسي في أفريقيا الوسطى

حكمت الاستراتيجية الروسية تجاه أفريقيا عموماً، وأفريقيا الوسطى تحديداً، العديد من العوامل والدوافع، أهمها:

التأكيد على أن روسيا دولة عظمى في النظام الدولي متعدد الأقطاب

يؤمن الرئيس  بوتين  بعالم متعدد الأقطاب، ويريد من الغرب أن يعترف بروسيا كأحد هذه الأقطاب، ولا يؤمن بعالم ثنائي القطبية، حيث تعتبر أوروبا الغربية هي الشريك التجاري والاستثماري الأول لروسيا، وهو ما يدفع روسيا للبحث عن نجاحات تعزز من تواجدها كقوة عالمية في النظام الدولي، ولذا سعت روسيا للتواجد في أفريقيا الوسطى، باعتبارها أرض جديدة تحقق فيها نجاح وتثبت نفسها كقوة دولية في النظام المتعدد الأقطاب، وهو مانجحت فيه بقدر كبير، وذلك من خلال مساعدة الرئيس فوستان اركانج تواديرا  بتوسيع نفوذه، حيث لم يعد تواجد القوات الموالية له قاصرًا على مدينة بانغي وضواحيها فقط، بل تخطى إلى نشر أكثر من 400 جندي في  دكوا (وسط)وسيبوت (وسط) وباوا (شمال) وبنغاسو (جنوب شرق)(7).

كما  أنه على الرغم من تولى الاتحاد الإفريقي المفاوضات رسميا في أفريقيا الوسطى منذ يوليو 2017، إلا أن روسيا قامت بإدارة مفاوضات بين أهم المجموعات المسلحة الرئيسية _الجبهة الشعبية لنهضة أفريقيا الوسطى، الحركة الوطنية لأفريقيا الوسطى، حركة الأنتي بلانكا،  الوحدة من أجل سلام إفريقيا الوسطى، نهضة أفريقيا الوسطى_ للتوقيع على اتفاق سلام في السودان في 27إلى 29 أغسطس 2018، الأمر الذى يعزز من الدور الروسي في الانفتاح على أطراف النزاع في أفريقيا الوسطى، وهو ما قد يعطى  مزيدًا من شرعية التواجد الروسي في أفريقيا الوسطى، وذلك باعتبارها داعمة للسلام في المنطقة .

تكرار تجربة سوريا في أفريقيا الوسطى وتعزيز التواجد في أفريقيا والقرن الأفريقي بشكل خاص.

يعتبر النجاح الروسي في سوريا وتثبيت قدم الرئيس بشار الأسد واستعادة السيطرة على معظم الأراضي دافعًا للتواجد في أفريقيا، وخطوة منطقية لذلك، للبحث عن نجاحات أخرى، تعزز من الحضور الروسي،  كما يعتبر الموقع الجغرافي لأفريقيا الوسطى قد يساعد روسيا في تعزيز تواجدها في أفريقيا، وتحقيق التقارب مع العديد من الدول الأفريقية، وفي هذا السياق انعكست تجربة روسيا في الدعم العسكري ورفع الحظر عن أفريقيا الوسطى، على سعى إريتريا إلى التوافق مع الروس من أجل رفع العقوبات من الأمم المتحدة والحظر على الأسلحة  المفروض منذ عام 2009  بسبب ما تردد عن دعمها لجماعة الشباب المتطرفة في الصومال ونزاعها مع جيبوتي بشأن الحدود في الماضي، في المقابل تم الإعلان عن سعى روسيا لإنشاء مركز للخدمات اللوجستية في ميناء بإريتريا الواقعة شرق أفريقيا، وذلك في تطور مهم يدل على سعي البلدين لتوسيع نطاق العلاقات بينهما، كما يضمن لروسيا العودة للقرن الأفريقي والتواجد بالقرب من البحر الأحمر(8).

الحصول على ثروات وموارد ومبيعات للأسلحة

غالباً لا تحصل روسيا على عائد من مبيعات الأسلحة في شكل أرباح مالية، وإنما تسعى للاستفادة من ذلك في الحصول على الموارد الطبيعية من أفريقيا الوسطى(9). وفي هذا السياق، يعتبر الحصول على الذهب والماس واليورانيوم من أهم الدوافع الرئيسية لروسيا بشأن التواجد في أفريقيا الوسطى، حيث تعتبر الأخيرة دولة غنية بهذه الموارد، وفقًا لمجلة التايم الأمريكية، كما عبرت روسيا عن ذلك بشكل صريح، حيث أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقب لقائه برئيس أفريقيا الوسطى في مايو 2018، عن سعى بلاده لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين(10).

وكخطوة على الطريق نحو تعزيز هذه الأهداف الروسية، أفادت دورية Africa Intelligence بأن روسيا اتفقت على تطوير منجم الذهب Ndassima مع حكومة جمهورية إفريقيا الوسطى، فضلًا عن  تأسيس العديد من الشركات التي تديرها روسيا في بانغي بينها "لوباي انفست" التي حصلت مؤخرا على رخصة التنقيب عن المعادن في أفريقيا الوسطى، كما تم إنشاء ثلاث شركات أخرى من قبل الروس، احداها "المجموعة المالية الدولية" التي "يمكن أن تكون وسيلة استثمار" لشركات أخرى(11).

ثالثًا- تداعيات التواجد الروسي في أفريقيا الوسطى

هناك العديد من التداعيات للتواجد الروسي في آسيا الوسطى؛ أهمها:

التداعيات الإيجابية

يعد تحسين العلاقات مع روسيا أمرا جذاباً للدول الأفريقية، حيث سيساعدها ذلك في استغلال ورقة المنافسة مع أوروبا والصين، من خلال حرص روسيا على تقديم نفسها كورقة جديدة للاستثمارات والتنمية وتقديم المساعدة للدول الأفريقية. وفي هذا السياق، استفادت القوات المسلحة في أفريقيا الوسطى من تدريبات قدمها الاتحاد الأوروبي، وتدريبات أخرى  قدمتها روسيا، وهو ما قد ينعكس على رفع كفاءة القوات المسلحة لأفريقيا الوسطى(12).   

الاستفادة من النجاح الروسي في سوريا وتعزيز نفوذ الرئيس بشار الأسد، والرغبة في تكرار هذا النموذج في مناطق الصراعات المسلحة في أفريقيا، لذا فقد استفاد رئيس أفريقيا الوسطى، بالدعم الروسي بديةً من الاستثناء في الحظر الأممي المفروض على أفريقيا الوسطى، وتسليم الأخيرة لأسلحة وتدريب القوات على استخدامها، وكذلك تأمين الرئيس، انتهاءً بتوسيع نفوذه في أفريقيا الوسطى.

رغبة روسيا في إثبات نفسها في أفريقيا الوسطى، وهو ما انعكس على استضافة مفاوضات لأهم الجماعات المسلحة  والتوصل إلى اتفاق سلام، ومن هنا تسعى روسيا لتقديم نفسها بأنها تدعم السلام وتريد أن تحقق ما عجز الغرب في تحقيقه. 

التداعيات السلبية

حرمان أفريقيا الوسطى من الاستفادة من الموارد الطبيعية، حيث تم تأسيس العديد من الشركات الروسية  التي تحص على التنقيب على المعادن مثل شركة لوباى إنفست، فضلًا عن توقيع عقود لتأمين المعادن من قبل الشركات العسكرية الروسية، مثل شركة فاغنر وباتريوت.

عدم الاكتراث بموضوعات حقوق الإنسان، وتسليم العديد من الأسلحة للفصائل المتنازعة، وخاصة في ظل انتشار الشركات العسكرية التي تسعى إلى تعظيم أرباحها، وفي هذا السياق تقول بعض التقارير أن شركة فاغنر تمول الأطراف المتنازعة في أفريقيا الوسطى، وهو ما قد يؤدى إلى استمرار النزاعات المسلحة لأن هناك استفادة من ذلك(13).

خلق مسارات متوازي في المفاوضات السياسية بين الفصائل المتعارضة قد يقلل من فرص التوصل إلى اتفاق سلام فعال، ففي الوقت الذى تبنت فيه روسيا مفاوضات بين الجماعات المسلحة في 27-29 أغسطس، تبنى الاتحاد الأفريقي جلسة مفاوضات بين جماعات مسلحة أخرى.

الخاتمة

التواجد في أفريقيا الوسطى هو نواه لاحتمالية تعزيز التواجد في أفريقيا بشكل عام، ولذا من المحتمل أن يدفع النجاح الروسي في أفريقيا الوسطى إلى تزايد النشاط الروسي في معظم أنحاء القارة، وخاصة في ظل اتفاقيات التعاون العسكري الأخيرة مع جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وغينيا وموزمبيق والمغرب، والاتفاق مع إريتريا  لبناء قاعدة لوجستية في إريتريا، وهوما سيعطي القوات البحرية الروسية إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر، والاتفاق مع مصر لإنشاء منطقة صناعية روسية و بناء محطة للطاقة النووية، وتزويدها بالمروحيات والطائرات المقاتلة ميغ -29، فضًلا عن تقديم روسيا التدريب العسكري للقوات المسلحة السودانية، فكل هذه التطورات  إلى اهتمام روسيا - وحتى الآن بنجاحها - في  استمرار تعزيز وجودها في إفريقيا.

المراجع

(1) زاخاروفا توضح حقيقة التدخل الروسي في أفريقيا الوسطى، روسيا اليوم، 3أغسطس2018.

(2) روسيا توقع اتفاق مع أفريقيا الوسطى، رويترز، 21 أغسطس 2018.

(3) Neil Haurer, Russia's favorite mercenaries ,The Atlantic Magazine ,The Atlantic Media company , 27-8-2018 available at :

https://www.theatlantic.com/international/archive/2018/08/russian-mercenaries-wagner-africa/568435/

 

(4) Russia set to strengthen its presence in Africa, The Economist Intelligence Unit,11-10-2018.

(5) Thomas Gibbons , After Deadly Raid, Pentagon Weighs Withdrawing Almost All Commandos From Niger, New York Times , 2-9-2018.

(6) روسيا تعود إلى أفريقيا عبر الأسلحة والاستثمارات والتدريب، فرنسا 24، 14-8-2018

(7) تنامي الحضور الروسي في جمهورية افريقيا الوسطى، فرنسا 24، 20-9-2018.

(8) Salem solomon , Russia-Eritrea Relations Grow with Planned Logistics Center, Voice of America, 2-9-2018.

(9) الدفاع الروسية في وسط أفريقيا، روسيا اليوم، 24-8-208.

(10) Russia set to strengthen its presence in Africa, The Economist Intelligence Unit,11-10-2018.

(11) Moscow sets its sights on the gold and diamonds, Africa Intelligence , 18-7-2018.

(12) Cassandra Vinograd, There’s a new battle for influence in Central Africa, and Russia appears to be winning, Washington Post , 31-5-2018.

(13) Peter Beaument , Russia's scramble for influence in Africa catches western officials off-guard, The Guardian , 11-9-2018.

شارك