ظاهرة الاغتيالات .. بين الدوافع والمواجهة القانونية

السبت 20/أكتوبر/2018 - 03:59 م
طباعة ظاهرة الاغتيالات
 
مصطفى كمال

يشير هذا الكم من عمليات الاغتيالات في العالم، إلى استمرار استخدام القتل خارج إطار القانون كأداة لتصفية الخلافات السياسية بين الدول، ويعبر كذلك عن اقصى درجات التوتر التي تدفع الأطراف لاستخدام أسلحة غير تقليدية لتصفية الحسابات.

كما أن التطورات التكنولوجية المستمرة سوف تؤدي إلى تعقيد طبيعة ونمط عمليات الاغتيال، فمثلما كان لشبكات تكنولوجيا المعلومات دورها في عملية تحول الإرهاب إلى تهديد عالمي أو ما عرف "عولمة الإرهاب".

الأمر الذي سوف ينعكس على عمليات الاغتيال وتصبح عمليات الاغتيال عابرة للحدود القومية وهو ما سوف يعرف بمرحلة "عولمة الاغتيالات"، وتتميز بتطوير كبير من حيث النشاط والخطط والتمويل، الأمر الذي سوف يؤدي إلى مزيد من إرباك الأنظمة الدولية التي تستخدم الإجراءات القانونية والعسكرية كأداة لمكافحة أنماط تلك الجرائم في كافة أشكالها.

أولاً- دوافع عمليات الاغتيالات  

يمكن تقسيم تلك الدوافع التي تدفع الأشخاص إلى القيام بعمليات اغتيال إلى دوافع عسكرية، ودوافع سياسية، ودوافع عقائدية ودينية، ودوافع أيدلوجية وفكرية ودوافع اقتصادية ودوافع شخصية كما يلي:   

1-     دوافع العسكرية

تتمثل في استهداف القادة العسكريين. وتكتسب أهمية كبيرة بما قائد واحد في بعض الأحيان كفيل بكسر جيش عملاق، مثلما حدث في اغتيال القائد العام للقوات البحرية اليابانية أثناء الحرب العالمية الثانية ايسوروكو ياماموتو. والذي كان عاملا سلبيا على معنويات الجيش الياباني في الحرب.(1)

2-     الدوافع السياسية:

مع اختلاف أشكال أنظمة الحكم في الدول المختلفة حول العالم من ملكية وجمهورية إلا أن السمة المشتركة بين كل أنظمة الحكم هو وجود الحكومة والمعارضة. ويمكن للحكومة في النظم الاستبدادية اغتيال رموز المعارضة النشطة التي تشكل خطر على السلطة القائمة. وكذلك يمكن للمعارضة تسلك الطرق الديمقراطية بالحوار والانتخابات وفق للنظم الدستورية المتفق عليها في كل بلد أو تتخذ طريق العنف في التغير ومحاولة فرض الرأي بالقوة.

                وقد تلجأ قوة المعارضة إلى التخطيط لاغتيال القيادات السياسية الحاكمة أو الشخصيات التي لها تأثير على النظام السياسي. وعلى جانب أخر قد يتخذ الاغتيال دوافع سياسية ذات طابع دولي حيث يمكن أن ينتج اغتيال عالم من دولة مناهضة أو منافسة أو معارضة لدولة أخرى، وذلك لإعاقة تقدم هذه الدولة باغتيال العناصر المؤثرة فيها (2).

وفي هذا الإطار هناك حوادث سلطت عليها الأضواء وهناك حوادث لم تلق أي تأثير أو اهتمام. مثل اغتيال نائب السكرتير العام للحزب الاشتراكي اليمنى جار الله عمر في 28 ديسمبر 2002، والذي عرف بالأفكار الماركسية. وتم اغتياله على يد شاب متطرف اسمه على احمد جار الله، وكانت تلك العملية ضمن مخطط واسع لاغتيال التيار القومي والاشتراكي في اليمن(3).

                كما تم اغتيال الدبلوماسي المصري إيهاب الشريف في 3 يوليو 2005، ببغداد على يد جماعة أبو مصعب الزرقاوي(4). وهناك عمليات اغتيال أخرى سلط عليها الضوء بشكل كبير أبرزها جون فيتزجيرالد كنيدي، الرئيس الـ 35 للولايات المتحدة الأمريكية في عام 1963 (5). واغتيال مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين عام 2004، رداً على سلسلة العمليات التي نفذها الجهاز العسكري لحماس أبرزها في ميناء أسدود الإسرائيلي(6).

ومن أبرز عمليات اغتيالات العلماء في مجال الطاقة النووية على يد جهاز الموساد الإسرائيلي الدكتور يحي المشد، الذي يعد أحد أهم عشرة علماء على مستوى العالم في مجال التصميم والتحكم في المفاعلات النووية، والذي تم اغتياله بعد موافقته على المشاركة في تصميم المفاعل النووي العراقي. كذلك الدكتورة سميرة موسي عالمة الذرة المصرية التي اغتيلت في الولايات المتحدة بسبب محاولتها نقل التكنولوجيا النووية إلى مصر والعالم العربي(7).

3-     الدوافع الدينية والإثنية:

تعد الدوافع الدينية والإثنية من بين اقوى الدوافع على الإطلاق للقيام بعمليات اغتيالات للقيادات والشخصيات المهمة. خاصة في المناطق التي يغلب عليها الصراع العرقي والمذهبي. حال وصول أحد أفراد القبائل المتنازعة لمركز مؤثر في صنع القرار في الدولة. حيث يعتقد القائم بعملية الاغتيال هنا بأنه صاحب عقيدة، كذلك يعتقد بأنه يجب عليه أن يضحى بنفسه في سبيل ما يؤمن به، فهو يعتقد بأن الجهاد واجب ديني.

لذلك يكون تأمين القيادات والشخصية المهمة على درجة عالية من الأهمية. خاصة في هذه المجتمعات التي تتسم بالصراعات الدينية. ومن أبرز العمليات بدوافع دينية اغتيال انريدا غاندي رئيسة وزراء الهند عام 1984، لقرارها اقتحام المعبد الذهبي في امريتسار المقدس لدى السيخ(8).

4-     الدوافع الاقتصادية:

عادة ما يكون الربح المادي أو المزايا الاقتصادية هدف من عملية الاغتيال. وقد تدفع سوء الأحوال الاقتصادية، وزيادة معدلات الفقر والبطالة بين فئات الفقراء داخل الدول، إلى تبنى أحد أفراد تلك الفئات منهج الاغتيال للشخصيات المعنية بسوء تلك الأوضاع. وقد تؤدى استمرار سوء الأوضاع الاقتصادية إلى الصراع بين طبقات المجتمع المختلفة، حيث يعتدى الفقراء على رجال الأعمال لطلب الفدية والحصول على أموال.

حيث يتم توظيف أو توكيل شخص أو عدة أشخاص لعملية الاغتيال مقابل استلام مبالغ من الأموال. وتعد عصابات المافيا أشهر من تمارس الاغتيال حال عدم توافر الأموال(9). لذا وجب على جهاز الأمن أن يأخذ التدابير الوقائية الأزمة على المسئولين عن اقتصاد الدولة حال الأزمات الاقتصادية. (10)

 كما تعد عملية تصفية سامي جاسم محمد الجبوري، المشرف على عمليات تمويل تنظيم "داعش" من خلال بيع النفط والغاز عبر عملية إنزال للقوات الأمريكية في منطقة القائم قرب الحدود العراقية-السورية في11 أغسطس 2016(11)، مثال على الأهداف الاقتصادية لعمليات الاغتيال.

5-      الدوافع الشخصية:

قد تكون الدوافع الشخصية بين المعتدى والشخصية المعتدى عليها وراء تبنى منهج الاغتيال. ومن بين تلك الدوافع الغيرة، والكراهية، والحقد أو الغضب الشديد. ودوافع آخري قد تكون شخصية بحته، فقد تكون بسبب الأضرار التي تعرض لها الجاني من الحاكم، أو أحد من المسجونين السياسيين أو ذوي الذين حكم عليهم بالإعدام، أو السجن(12). ويعد اغتيال الرئيس اليمني أحمد حسين الغشمى أحد اهم عمليات الاغتيال بالدافع الشخصي(13).

6-      الدوافع النفسية (الجنون والاضطراب العقلي):

إن الخلل العقلي وعدم التوازن العاطفي هما العاملان المؤثران في غالبية حوادث الاغتيال الفعلية إن لم يكن فيها كلها.

وفي غالبة الأحيان يدل سلوك من يقومون بإطلاق الرصاص علي وجود مشاكل نفسية يعانون منها. حتى إذا كانت الحقيقة للاغتيال أسباب ثورية أو سياسية أو اقتصادية، وقد يسعي هذا المجنون لاغتيال الأشخاص المهمين ليس إلا لمجرد الشهرة(14).

                وتعد حالة اغتيال السفير الروسي في تركيا في 19 ديسمبر 2016، احتجاجاً على مشاركة روسيا في الحرب الأهلية السورية ومعركة حلب(15)، أحد أشهر حالات الاغتيال بالدوافع النفسية.

ثانياً- الضعف الدولي والقانوني في التصدي لعمليات الاغتيال

رغم الآثار البالغة التي تنتج عن عمليات الاغتيال، إلا أنه لا يوجد تعريف محدد أو على الأقل مناقشة جادة في القانون الدولي عن مفهوم الاغتيال، رغم تعدد الاتفاقيات التي تمنع وتجرم التعرض إلى الأشخاص الذين يتمتعون بحماية دولية خاصة الدبلوماسيين.

حيث لم تنص أي من اتفاقية نيويورك أو ميثاق الأمم المتحدة، وغيرها من مواثيق الاتحادات الإقليمية سواء كان الاتحاد الأوروبي أو منظمة الوحدة الأفريقية على مواد صريحة تعرف وتجرم الاغتيالات.

                بل اقتصرت عدد من المواثيق والأعراف الدولية على حظر السلوك الذي يوصف على إنه اغتيال. من بينها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقيات جنيف، والتي تحظر صراحة استهداف وقتل أي شخص خارج نطاق القضاء.

وتسند هذه العهود على عدة قوانين دولية من بينها القانون الدولي الإنساني، الذي يطبق خلال فترات النزاع المسلح سواء كان داخلي أو خارجي. إضافة إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان، المعني بحماية الحقوق الأساسية للجميع في كل الأوقات، بالتنسيق مع معاهدات حقوق الإنسان مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وقوانين الحرب.

المراجع

1.       يوسف حسن يوسف، الملفات السرية للموساد: تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية، (القاهرة: شركة الشريف للنشر ط 1 2009) ص ص 159: 170.

2.       " الدوافع السياسية لاغتيال الحريري لا تسيّس التحقيق الدولي وتقاريره"، موقع المستقبل، 23 مارس 2007:

http://www.almustaqbal.com/v4/Article.aspx?Type=np&Articleid=223938  

3.             " Yemeni politician shot dead", BBC, December 28, 2002:

http://news.bbc.co.uk/2/hi/middle_east/2611071.stm

4.             "Suspected leaders of al Qaeda in Iraq captured", CNN, July 14, 2005:

http://edition.cnn.com/2005/WORLD/meast/07/14/iraq.main/index.html

5.       " أبرز ما جاء في الوثائق السرية عن اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي"، موقع بي بي سي، 27 أكتوبر2017:

http://www.bbc.com/arabic/world-41776619

6.       " هكذا اغتالت إسرائيل الشيخ “أحمد ياسين” مؤسس حركة حماس"، موقع راي اليوم، 23 مارس 2014:

https://www.raialyoum.com/index.php/%D9%87%D9%83%D8%B0%D8%A7-%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D8%A7%D9%84%D8%AA-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%86/

7.       " أشهر 6 عمليات اغتيال لعلماء ورموز مصريين على يد «الموساد» الإسرائيلي"، موقع المصري اليوم، 4 أغسطس 2014:

http://d1y99r0ynoudrd.cloudfront.net/news/details/494814

8.       " الهند تحظر عرض فيلم "يمجد" قتلة انديرا غاندي"، موقع بي بي سي عربي، 22 أغسطس 2014:

http://www.bbc.com/arabic/artandculture/2014/08/140822_indira_film_banned

9.             "ORIGINS OF THE MAFIA",  History:

http://www.history.com/topics/origins-of-the-mafia 

10.   " مقتل مسؤول عن بيع النفط العراقي في تنظيم "داعش" قرب الحدود السورية"، مرجع سبق ذكره.

11.   " مقتل مسؤول عن بيع النفط العراقي في تنظيم "داعش" قرب الحدود السورية"، موقع روسيا اليوم، 11 أغسطس 2016:

https://arabic.rt.com/news/836291-%D9%85%D9%82%D8%AA%D9%84-%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9/

12.   محمد محمود خليل، الاغتيالات السياسية في مصر في عصر الدولة الفاطمية، ( القاهرة: مكتبة مدبولي، 2006)، ص 35.

13.   " زى النهارده.. اغتيال الرئيس اليمني أحمد حسين الغشمى في 24 يونيو 1978"، موقع المصري اليوم، 24 يونيو 2017:

http://d1y99r0ynoudrd.cloudfront.net/news/details/1152547

14.   محمد محمود خليل، مرجع سبق ذكره.

15.   " بالفيديو.. لحظة اغتيال السفير الروسي في أنقرة"، موقع العربية نت، 19 ديسمبر 2016:

https://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/2016/12/19/%D9%82%D9%86%D8%A7%D8%A9-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D8%B5%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%81%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%86%D9%82%D8%B1%D8%A9-%D8%A8%D8%A5%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D9%86%D8%A7%D8%B1.html

شارك