تصدير الثورة .. الدعم الإيراني للجماعات الإسلامية في الصومال

الأحد 21/أكتوبر/2018 - 05:51 م
طباعة تصدير الثورة  ..
 
مرفت زكريا

باتت إيران مولعة بالنجاح الذي حققته بعد سقوط الشاه وقيام الثورة الإسلامية عام 1979، وواثقة من قدرتها على تشكيل العالم وفق الصورة التي ترتئيها. في السياق ذاته، رفضت الدبلوماسية التقليدية، الاقتصاد التقليدي، انطلاقاً من السعي وراء رؤيتها الخاصة للحكم الإسلامي العالمي؛ حيث دعمت الجماعات الإرهابية، استولت على الرهائن الأمريكيين، رفضت أي إشارة تبعية للشرق أو الغرب واكتسبت سمعة دولية باعتبارها دولة مستقلة.

وعليه، سعت طهران بكافة الطرق لنشر المذهب الشيعي في العديد من دول أفريقيا جنوب الصحراء، كما تصاعد نشاطها السياسي و الاقتصادي في منطقة القرن الإفريقي. في السياق ذاته، كشف خبراء لجنة العقوبات المفروضة من قبل الأمم المتحدة على الصومال عن تزايد صادرات الفحم المحظورة بموجب قرارات مجلس الأمن، وتدر هذه الشحنات ملايين الدولارات سنوياً على متطرفي الجماعات الجهادية ولاسيما "شباب المجاهدين" المرتبطة بتنظيم القاعدة، بمساعدة إيرانية من خلال إخفاء أصول أفراد هذه الجماعات، عن طريق وضع شهادات منشأ مزورة مما يعد انتهاكاً لقواعد القانون الدولي.(1)

أولاً- نبذة عن نظرية تصدير الثورة الإسلامية

تكتسب الظاهرة الثورية أهمية خاصة في محيط دول العالم الثالث، ففي ظل ظروف معينة يصبح الحل الراديكالي هو الأنسب، ومن هنا يظهر اتجاه قوى يرى فيه الكفاءة والفعالية المطلوبة للتعامل مع مشكلات الدول النامية. من ناحية أخرى، تستمد الظاهرة الثورية جدواها ومدى ما انتجته من خلال التعرض لتاريخ الحركات الثورية.(2)

وبالتطبيق على إيران، نجد أنها مازالت تعمل على اخضاع العالمية للقومية بسرعة كبيرة سبقت بها بعض المجتمعات الثورية الأخرى، ففي السنوات الأولى للثورة، كان يمكن لأى شخص لديه أوراق اعتماد ثورية أو دينية أن يُنشأ منظمة ويدير سياسته الخارجية الخاصة؛ حيث قام أبن "أية الله منتظري" نائب الخميني في ذلك الوقت بتنظيم حرب عصابات بغرض التدخل المسلح لدعم الثورة الإسلامية في لبنان و أماكن أخرى، فضلاً عن محاولة بعض التيارات السياسية داخل إيران تهريب أسلحة إلى المملكة العربية السعودية لتدمير موسم الحج السنوي.

استكمالاً لما سبق، حاولت الجمهورية الإسلامية مأسسة فكرة تصدير الثورة، من خلال نص الدستور الإيراني على أن تكون أحدى مهام "الحرس الثوري" المؤسسة الثورية التي توازى الجيش النظامي داخل إيران، القتال بغرض توسيع حكم الشريعة الإسلامية في العالم(3).

ثانياً- استراتيجية نشر المذهب الشيعي في أفريقيا (الصومال نموذجاً)

تعتبر  القارة السمراء أرضاً خصبة لكافة الأنشطة الدعائية والدينية، نظراً للطبيعة الجغرافية و التركيبة السهلة المنفتحة للشخصية الأفريقية، مما يجعلها سهلة التأثر بالمتغيرات الخارجية. ومن هنا، استخدمت طهران وسائل عدة من أجل نشر التشيع في كثير من الدول الأفريقية ومنها؛ المغتربون اللبنانيون، التجار العراقيون، البعثات الدبلوماسية والعلمية.  

               و عادة ما تستخدم الجمهورية الإسلامية المتغير الثقافي كزريعة للتدخل في شئون الدول الأخرى، وهو ما حدث مع مقديشو؛ حيث افتتحت إيران سفارتها عام 2012، بعد قطيعة دامت لأكثر من عقدين من الزمان. وباشرت إيران انشطتها الاغاثية و الثقافية من خلال مكتبين تابعين لها احدهما لجمعية الهلال الأحمر، والأخر لمؤسسة "الإمام الخميني" الخيرية بغرض الاشراف على المستشفيات والمرضى القادمين من مختلف مناطق الصومال.(4)

ثالثاً- مُحفزات التوغل الإيراني في "مقديشو"

شهدت فترة الرئيس الإيراني الأسبق "هاشمي رفسنجاني" انفتاحاً على القارة السمراء، وذلك بعد زيارته للسودان عام 1991، وكانت هذه الزيارة إيذاناً بعصر جديد في علاقتها مع أفريقيا، وتمدد هذا التوسع ليشمل دولاً أخرى مثل جنوب أفريقيا، كينيا، تنزانيا، أوغندا، السنغال و جزر القمر . ثم جاءت زيارات "محمد خاتمي" لعدد من هذه الدول، التي أعطت دفعة جديدة لنمو العلاقات من خلال تأسيس لجان مشتركة لمتابعة الاتفاقيات بين طهران وهذه الدول.  

في السياق ذاته، اتسمت زيارات "أحمدي نجاد" بطابع أيديولوجي، ثم جاءت زيارات وزير خارجية الرئيس الحالي "حسن روحاني" لشرق أفريقيا في شتاء عام 2014، وشمالها في صيف 2015، وفي غربها يوليو 2016 ، لتعكس رغبة النظام الإيراني في المضي قدماً  نحو تطوير مستوى العلاقة بين طهران و أكبر عدد من الدول الأفريقية.(5)

ومن ناحية أخرى، تستفيد طهران من الفضاء التجاري المفتوح في الصومال، في ظل غياب واضح للأنظمة والقوانين التي تنظم هذه العملية. وبالتالي، تصبح التجارة في "مقديشو" ميسرة للاستثمار الإيراني. وتحظى إيران بوضع متميز في مقديشو  لعدة عوامل منها؛ الفقر والجهل وحاجة المجتمع إلى الدعم التعليمي والإغاثي ورغبة المجتمع في الترحيب بكل من يقدم هذه الخدمات دون النظر إلى خلفياتهم، غياب الإدراك الحكومي لحجم التهديد الذي يمكن أن يمثله نفوذ طهران في المستقبل،  وجود الطرق الصوفية التي من الممكن أن تكون مدخلاً مهماً لتوثيق العلاقة فيما بينهما.(6)

رابعاً- الدعم الإيراني للجماعات الإرهابية في "مقديشو"    

يعود اهتمام طهران بالصومال إلى التعاون مع منظمة اتحاد المحاكم الإسلامية التي انبثقت عنها فيما بعد ما يعرف باسم "حركة شباب المجاهدين" الصومالية؛ حيث رصدت تقارير الأمم المتحدة في عام 2006  ثلاثة شحنات أسلحة إيرانية موجهة إلى هذه الحركات، و كانت واحدة منهم تحمل مدافع رشاشة، قاذفات قنابل و صواريخ أرض –جو.

                ومن هنا، يرتكز النشاط الإيراني في الصومال على دعم الجماعات الإسلامية المسلحة بغرض الاستفادة منها في خدمة المصالح الإيرانية في المنطقة. وفي هذا السياق، تستخدم إيران طرقاً كثيرة للتهرب من الكشف عن تسليحها لمثل هذه الجماعات، وتعد إريتريا التي تتمتع فيها الجمهورية الإسلامية بنفوذ كبير هي إحدى هذه الوسائل.

فكلما ازدادت الفوضى في مقديشو، ازدادت قدرة طهران على استغلال الوضع و كسب النفوذ. مما يؤدى لتمتع حلفاء "حزب الله" اللبناني بنفوذ كبير في الصومال، فضلاً عن أنها وسيلة جيدة لنقل الأسلحة إلى الحليف الشيعي في اليمن (الحوثيون) نظراً لقرب الحدود الجغرافية. وذكرت تقارير الأمم المتحدة أنه عُرض على المقاتلين الصوماليين حوافز مختلفة للانضمام لقوات "حزب الله"، حوالى 2000 دولار للمقاتل،  و ما بين 25.000 و 30.000  دولار لعائلة المقاتل إذا  ما قُتل في الحرب.(7)

في السياق ذاته، أقر عدد من المحللين مساعدة جماعة الشباب الصومالية في تهريب اليورانيوم إلى إيران. و أفادت وكالة "أسيوشيتد برس" بتزايد عمليات تهريب الفحم من مقديشو إلى طهران، و تعتبر الموانئ الإيرانية هي الوجهة الرئيسية لهذه الشحنات؛ حيث يتم استلام الفحم النباتي وكأنه قادم من جزر القمر ، غانا أو ساحل العاج، على أن يتم نقله من أكياس خضراء إلى أخرى بيضاء تحمل أسم "منتج إيراني"، ثم تصدير هذه الشحنات إلى دول الخليج مع شهادات تزعم أنها إيرانية المنشأ.  

من ناحية أخرى، ادانت مقديشو هذه العمليات، وطلبوا مزيداً من التعاون الدولي لوقفها، على خلفية تأجيج انعدام الأمن من خلال توجيه الأموال الناتجة عنها إلى المتطرفين، وتدهور الوضع البيئي مع قطع الأشجار في بلد معرض أصلاً للجفاف، الفيضانات والمجاعة.(8)

ختاماً، مازالت الجمهورية الإسلامية تعمل منذ عام 1979 على فكرة تصدير الثورة الإسلامية التي تهدف إلى نشر المذهب الشيعي في كافة أنحاء العالم، لتصل إلى ما يسمى بالـ "الحكومة العالمية". وفي هذا السياق تتخذ إيران من نشر المذهب الشيعي زريعة لزيادة تدخلها في شئون الدول الأخرى بما يخدم مصالحها الخارجية. ومن هنا، تستمر طهران في دعم الجماعات الإرهابية، خاصةً في أفريقيا التي تعد بيئة خصبة لظهور مثل هذه الحركات، بغرض تحقيق أهداف سياستها الخارجية في الشرق الأوسط وخارجه.

 الهوامش   

1.       خبراء الأمم المتحدة يكشفون تورط إيران في عمليات تهريب وتزوير: تشترى الفحم الصومالي المحظور من حركة الشباب المتطرفة بأوراق مزورة، 14/10/2018 ، الشرق الأوسط، متاح على الرابط التالي:

 http://cutt.us/An6rX . 

2.       باكينام رشاد الشرقاوي، الظاهرة الثورية والثورة الإيرانية، ماجستير، (جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1993 )، ص 1

3.             Shmuel Bar, Iranian Terrorist Policy and  Export of Revolution, working paper, Interdisciplinary Center (IDC) Herzliya, Lauder School of Government, Diplomacy and Strategy Institute for Policy and Strategy, 4/2/2009, available at :

http://www.herzliyaconference.org/_Uploads/2903Iranian.pdf .

4.       رضا بوداع الحسيني، التمدد الإيراني في أفريقيا،14/4/2017 ، مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية،  متاح على الرابط التالي:                                                      http://www.umayya.org/studies-ar/11886 .

5.       معتصم صديق عبد الله، الوجود الإيراني في أفريقيا: الدوافع و الأهداف، 28/9/2018، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، متاح على الرابط التالي:                                                         http://cutt.us/xutzF . 

6.       فهد ياسين، الدور الإيراني في الصومال: البحث عن موطئ قدم، 18/8/2015 ، الجزيرة .نت، متاح على الرابط التالي:

 http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2015/08/2015818103039934112.html.

7.             Alex McAnenny, Iran in Africa: A Tutorial Overview of Iran’s Strategic Influence In Africa, 2014, Cente for Security Policy, available at :

https://www.centerforsecuritypolicy.org/wp-content/uploads/2015/01/Iran-in-Africa.pdf . 

8.             Jennifer Peltz, UN report: Banned Somali charcoal exports pass through Iran, 13/10/2018, The Washington Post, available at :                       http://cutt.us/NZVrA .

شارك