العلاقات المصرية الألمانية .. بين التعاون وتعزيز الانفتاح نحو أفريقيا

الخميس 01/نوفمبر/2018 - 06:29 م
طباعة العلاقات المصرية
 
مرﭬت زكريا

شكلت زيارة الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" إلى المانيا يوم الأحد 28 أكتوبر لعام 2018، محطة جديدة نحو تعزيز التعاون مع الحكومة الألمانية و المشاركة في  مراسم المبادرة الألمانية للشراكة مع أفريقيا، فضلاً عن ترسيخ سبل التعاون مع مجتمع الأعمال الألماني وجذب الاستثمارات، وإقرار استراتيجية وطنية لصناعة السيارات. كما اتفق الطرفان على تدشين اتفاقيات جديدة لمضاعفة الدعم الألماني للتعليم الفني والأساسي بمصر، في السياق ذاته، توافق الطرفان حول انشاء تحالف بين وزارة التعليم العالي و الجامعات التطبيقية الألمانية.(1)

الجدير بالذكر، أن ملف الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب كان أحد الموضوعات المطروحة على أجندة المائدة المستديرة بين الرئيس "السيسي"  ورئيسة الوزراء الألمانية "انجيلا ميركل"، باعتبار جمهورية مصر العربية من القوى الرئيسية والداعمة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. كما أعرب الرئيس الألماني" فرانك-فالتر شتاينماير" عن حرص بلاده على تعزيز التعاون مع مصر في مختلف المجالات، فضلاً عن دعم جهودها في السعي نحو  تحقيق التنمية المستدامة.(2)

ولذا سنتناول في هذا التقرير المبادرة الألمانية للشراكة مع أفريقيا، فضلاً عن أبرز الملفات التي تم طرحها على هامش الزيارة والتي تتمثل في؛ تعزيز التعاون الاقتصادي بين مصر والمانيا، ومكافحة الإرهاب و الهجرة غير الشرعية، والشراكة في مجال التعليم الفني والأساسي.

أولاً- المبادرة الألمانية للشراكة مع أفريقيا في إطار  الـ "G20"

تهدف المبادرة الألمانية للشراكة مع أفريقيا إلى تكثيف التعاون في مجال التنمية  الاقتصادية المستدامة، وتشجيع الاستثمار، زيادة استخدام الطاقة المتجددة، وتوظيف الشباب والمساهمة في التعليم الرقمي للفتيات والسيدات، بالتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي فضلاً عن بنك التنمية الأفريقي.

وتتضمن المبادرة التدابير اللازمة لتحسين البيئة المالية من أجل تشجيع الاستثمار، وضمان توليد إيرادات ضريبية يمكن الاعتماد عليها. وأقر الخبراء بورشة العمل التي عقدت في تنزانيا أكتوبر لعام 2017 انشاء الأكاديمية الأفريقية للتحقيق في الجرائم المالية والضريبية في كينيا، التي تهدف إلى مكافحة التدفقات المالية غير المشروعة.(3)  

            استكمالاً لما سبق، جاءت الدعوة من المستشارة الألمانية "انجيلا ميركل" للرئيس "السيسي" لحضور هذه القمة للمرة الثانية، تقديراً لدور مصر  ومكانتها في أفريقيا؛ حيث سيلقى السيسي كلمة تتناول رؤية مصر في دفع وتعزيز جهود التنمية في أفريقيا، لاسيما وأن مصر سترأس الاتحاد الإفريقي العام القادم 2019.

في السياق ذاته، أكد " السيسي" خلال القمة الحالية للمبادرة في عام 2018،  أنه من المتوقع أن تقدم هذه القمة خطوات عملية وإجراءات فعالة على طريق التنمية في أفريقيا في ظل   العمل على تنامى الشراكات مع المؤسسات الدولية،  و خلق مناخ مواتٍ لجذب الاستثمارات في افريقيا بشكل مستدام، فضلاً عن توفير فرص عمل بما يحقق أمال الشعوب في إيجاد سبل العيش الكريم والحد من المشكلات التي تعانيها القارة.(4)

ثانياً- أبرز الملفات المطروحة على أجندة الزيارة

تم طرح العديد من الملفات على اجندة الحوار بين "السيسي" و"ميركل"، والتي تمحورت حول مجموعة من القضايا تمثل أبرزها في تعزيز التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات، ومكافحة الإرهاب والحد من الهجرة غير الشرعية، والاستفادة من الخبرة الألمانية في مجال التعليم العالي، الأساسي والفني، وهو ما يمكن إيضاحه على النحو التالي:

1-     تكثيف التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات

      أكد وزير التعاون الاقتصادي والإنمائي الألماني "جيرد مولر" حرص بلاده على تعزيز التعاون مع مصر في مجال التنمية، لاسيما في ظل ما تشكله  الأخيرة من ثقل في محيطها القاري والإقليمي، مشدداً على أن النجاحات التي حققتها مصر خلال الفترة الماضية تعد دليل قوى على إرادة التغيير و دفع مسيرة التنمية والإصلاح.

واتفق الطرفان على تعزيز سبل التعاون بين البلدين في أفريقيا، بما يتضمن دفع جهود التنمية في مجتمعات ودول القارة. في السياق ذاته، تعتبر افريقيا قارة الفرص الواعدة لعمل الشركات الألمانية، خاصةً في مجال البنية التحتية، بما يساهم في زيادة معدلات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، فضلاً عن مساعدة شعوبها في التعامل مع التحديات، ويحقق أمالها في الاستقرار  والتنمية.(5)

وتعد مصر بمثابة الشريك التجاري الأهم لألمانيا في شمال أفريقيا، و الثالث في المنطقة العربية؛ حيث تحتاج القاهرة حالياً إلى لتعاون الاقتصادي، فضلاً عن جذب الاستثمارات الألمانية لتمويل مجموعة من المشروعات تتصدر قائمة أولويات القيادة والمجتمع ومنها؛ البنية التحتية، تطوير منطقة قناة السويس، استصلاح الأراضي الزراعية، انتاج وتوزيع الكهرباء، فضلاً عن التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة.(6)

 على جانب أخر، أسفرت المحادثات بين الجانبين عن ضرورة أن يمتد التعاون إلى مجالات  النقل و التصنيع، تدريب العاملين في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، المجالات العسكرية و لاسيما؛ دعم القدرات القتالية والفنية للقوات البحرية المصرية بغرض توفير الملاحة البحرية الأمنة.(7)

و تشير الاحصاءات إلى أن 1048 شركة المانية تعمل في مصر  حتى 31 يوليو 2017؛ حيث بلغ حجم التجارة في عام 2017 حوالى 5.82017 مليار يورو، مقارنة 5.3 مليار يورو في عام 2016 . وبلغ حجم التبادل التجاري 2.78 مليار دولار  خلال السبعة أشهر الأولى من عام 2018، وتخطت الاستثمارات المصرية لألمانيا 46.1 مليون دولار، في حين ترتكز الاستثمارات المصرية في برلين حول مجالات الأدوية، الأثاث، المعدات الطبية والسياحة(8).

2-     مكافحة الإرهاب و الهجرة غير الشرعية

تعاني ألمانيا كثرة المهاجرين إليها، ولاسيما من الشرق الأوسط  والمنطقة العربية؛ حيث تدفق الالاف إلى أوروبا منذ ثورات الربيع العربي لعام 2011، على خلفية فتح المستشار النمساوي ونظيرته الألمانية حدود بلديهما أمام القادمين من سوريا، العراق وافغانستان.

وكان لهذه الإجراءات الانفتاحية تداعيات سلبية على المجتمعات الأوروبية بشكل عام، و المانيا بشكل خاص يتمثل أبرزها في؛ خسارة "انجيلا ميركل"  الانتخابات المحلية مما أدى لضعف موقفها على المستوى الفيدرالي بسبب عدم رضا معارضيها عن هذه السياسات. لذا، بدأت المانيا بالتعاون مع  بعض الدول الأوروبية في وضع هذه القضية على رأس أولوياتها ومعالجتها من خلال السعي لتحسين ظروف المهاجرين في بلدانهم الأصلية لتشجيعهم على البقاء فيها، ومن هنا يكمن حل المشكلة من جذورها.

وظهرت فكرة انضمام الأوروبيين للجماعات الإرهابية و لاسيما "داعش"؛ تدفق المئات منهم على مدى السنوات القليلة الماضية إلى مناطق الصراع المحتدمة في الشرق الأوسط، خاصةً العراق وسوريا للقتال في صفوف الجماعات المتطرفة. و يمثل ما سبق تهديد كبير للدول الأوروبية حال عودة هؤلاء المقاتلين إلى بلدانهم، نظراً لما اكتسبوه من مهارات قتالية متنوعة وغير تقليدية.

      لذا، وضعت المانيا هذه القضية على رأس أولوياتها، ولاعتبار مصر لاعب إقليمي هام في منطقة الشرق الأوسط تناولت الزيارة مباحثات هامة  بشأن التوصل لحلول جذرية فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية(9).

3-     الاستفادة من الخبرة الألمانية في التعليم الفني والأساسي

تسعى مصر للتوسع في إنشاء المدارس الألمانية التي تحظى بسمعة جيدة، نظراً لما تقدمه من مستوى تعليمي متميز؛ حيث توجد بمصر  7 مدارس المانية، تريد الدولة زيادتها إلى 10 ، فضلاً عن رغبتها في انشاء 50 مدرسة جديدة للتعليم الفني. و تفاوض الوفد المصري مع الحكومة الألمانية حول ما ستقدمه مصر لتعزيز هذا التعاون من أراضي لإقامة مدارس جديدة، أو منح مدارس قائمة لتطويرها وإدارتها وفقاً للنظام الألماني.

وأكد وزير التربية والتعليم الدكتور "طارق شوقي" أنه سيتم توقيع اتفاقية مع الحكومة الألمانية لإنشاء أكاديمية لتدريب معلمي التعليم الفني لاعتماد المدارس الفنية المصرية من قبل الجانب الألماني، بحيث تتيح الشهادة للخرجين من هذه المدارس العمل في المانيا، فضلاً عن توقيع وزيري التعليم والصناعة اتفاقية شراكة مع شركة "سيمنز" الألمانية لتجهيز المصانع بمعدات على درجة عالية من الكفاءة و تدريب العاملين فيها.(10)

في السياق ذاته، قال السفير الألماني في القاهرة "يوليوس جيورج لوى"، أن مصر في حاجة ماسة لتغيير النظرة المجتمعية، وتحسين صورة التعليم الفني، الذي تطلق عليه المانيا التعليم المزدوج باعتباره مساوياً للتعليم الجامعي.(11)

ختاماً: أثمرت المحادثات المصرية الألمانية خلال زيارة الرئيس السيسي إلى برلين عدد من الامتيازات تمثل أهمها في الاتفاق على زيادة معدل الاستثمارات الاقتصادية بين البلدين، لاسيما في بعض المجالات الجديدة مثل الطاقة المتجددة، فضلاً عن التعاون مع مصر فيما يتعلق بملفات الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب، وتوقيع عدد من الاتفاقيات للاستفادة من الخبرة الألمانية في مجال التعليم الفني و الأساسي.

  الهوامش:

1.       تفاصيل زيارة الرئيس السيسي لألمانيا، 28/102018، اليوم السابع،  متاح على الرابط التالي:

  http://cutt.us/gmMUG

2.             Sisi visits German Federal Palace, meets German president, 29/10/2018, Egypt independent, available at:

 https://www.egyptindependent.com/sisi-visits-german-federal-palace-meets-german-president/ .

3.             New G20 partnership with Africa, For Economic Cooperation and Development: Germany, available at Federal Ministry

https://www.bmz.de/en/service/feature/g20/partnership_with_africa/index.html.  

4.       وسام عبد العليم، تقرير للهيئة العامة للاستعلامات عن زيارة الرئيس السيسي لألمانيا، 27/10/2018، بوابة الأهرام، متاح على الرابط التالي :                                                  http://gate.ahram.org.eg/News/2028082.aspx

5.       محمد الجالى، السيسي لوزير التعاون الاقتصادي الألماني: نتطلع لزيادة التعاون الاستثمارات الألمانية بمصر، 29/10/2018، اليوم السابع، متاح على الرابط التالي:                                                            http://cutt.us/KQwmu . 

6.       زيارة السيسي لبرلين... فرصة لدعم التعاون الاقتصادي مع المانيا و أفريقيا، 29/10/2018، أخبارك، متاح على الرابط التالي:                                                                                                                                        http://cutt.us/MJyKD 

7.       غادة أبو طالب، أمين لجنة الشئون الخارجية بالنواب: زيارة السيسي لألمانيا  تعزز الشراكة وتجذب الاستثمارات، 27/10/2018 ، بوابة الأهرام، متاح على الرابط التالي:            http://gate.ahram.org.eg/News/2028359.aspx 

8.             Amr Mohamed Kandil, How Egyptian-German relations recovered during Sisi's rule,  28/10/2018, Egypt Today, available at:

 http://www.egypttoday.com/Article/2/59608/How-Egyptian-German-relations-recovered-during-Sisi-s-rule

9.       حصاد ثلاثة أيام من زيارة السيسي إلى المانيا، 31 /10/2018، اليوم السابع، متاح على الرابط التالي:

                                                                                                                                                                  http://cutt.us/cap0L

10.   شوقي: اتفاقيات جديدة لمضاعفة الدعم الألماني للتعليم الأساسي والفني بمصر، 29/10/2018، بوابة أخبار اليوم، متاح على الرابط التالي:                                                                                                          http://cutt.us/AGB8i

11.   سفير المانيا: مصر بحاجة لتغيير النظرة المجتمعية  للتعليم الفني، 20/9/2017 ، اليوم السابع، متاح على الرابط التالي:                                                                                                                                                      http://cutt.us/x51nv

شارك