أهالي سيناء والصمود النفسي في مواجهة الإرهاب

الجمعة 02/نوفمبر/2018 - 02:03 م
طباعة أهالي سيناء والصمود
 
د. شريف درويش اللبان

من المؤكد أن ظاهرة الإرهاب تحظى باهتمام الشعوب والحكومات في شتى أنحاء العالم، وذلك نتيجة لآثارها الخطيرة على أمن الدول واستقرارها، بعد أن اتضح أننا أمام ظاهرة إجرامية منظمة ومخططة تهدف إلى خلق جو عام من الخوف والرعب والتهديد باستخدام العنف ضد الأفراد والممتلكات، ما يعنى أن هذه الظاهرة تهدف إلى زعزعة استقرار المجتمعات والتأثير في أوضاعها السياسية وضرب اقتصادياتها الوطنية عن طريق قتل الأبرياء وخلق حالة من الفوضى العامة، بهدف تضخيم الأعمال الإرهابية وآثارها التدميرية في المجتمع.

وشكلت الأحداث الإرهابية في الآونة الأخيرة أحد أهم الموضوعات التى تحرص الصحافة الإلكترونية على نشرها وعرضها لجمهور القراء، ومن المؤكد أنه لا توجد أحداث تثير اهتمام الصحافة والصحفيين أكثر من الأحداث الإرهابية، ويعود ذلك إلى ارتفاع درجة اهتمام مختلف الشرائح الاجتماعية بالعمليات الإرهابية، وجسامة الخطر الذى تمثله على حياة الوطن والمواطن، وتزايد رغبة الجمهور لمعرفة مصدر هذا الخطر وكيفية تجنبه، والطابع المثير للحدث الإرهابى ذاته، بما يتضمنه من خصائص الفجائية والضخامة والخروج عن المألوف، فتتسابق الصحف المحلية والعالمية في تغطية هذه الأحداث.

أهالي سيناء على خط النار

ويعانى سكان شمال سيناء بحكم الموقع الجغرافي الذى جعلهم على خط النار بلغة الحروب فهم يعيشون حالة حرب منظمة، وتقوم الصحف الإلكترونية بعرض ومعالجة هذه الأحداث لحظةً بلحظة، وذلك نظرًا للتقنية الإلكترونية العالية التى تتميز بها، وقد يكون للصحف تأثير نفسى من خلال معالجتها لهذه الأحداث.

وأصبح البحث في مفاهيم علم النفس، خصوصًا الإيجابية مطلبًا إنسانيًا ملحًا، بعد ما خاض البحث العلمى السيكولوجى في المفاهيم السلبية والأمراض النفسية التى أرقت المجتمع الإنسانى طويلًا وعظمت من آثارها، لذا فإن الاهتمام بعلم النفس الإيجابى في محاولة لمعرفة العلاقة بين معالجة الصحف الإلكترونية للأحداث الإرهابية والصمود النفسي لسكان محافظة شمال سيناء يُعد أمرًا جديدًا ومهمًا في آنٍ واحد.

في هذا الإطار، يأتى البحث المهم الذى أجراه د. أحمد عبدالكافي عبدالفتاح مدرس الصحافة بقسم الإعلام التربوى بكلية التربية النوعية جامعة المنيا، بعنوان: "تعرض سكان شمال سيناء للمواد المنشورة حول الأحداث الإرهابية في الصحافة الإلكترونية وعلاقته بالصمود النفسي".

الدراسة الإعلامية الأولى التي توظف مفهوم الصمود النفسي

ومن خلال متابعتى الدقيقة والمتفحصة لبحوث الإعلام في مصر والمنطقة العربية بل ومعظم الإنتاج العلمى في المدرسة الغربية، يمكننى أن أقول إن هذه هى الدراسة الأولى في مجال الإعلام التى توظف مفهوم «الصمود النفسي»، الذى يُعرفه البعض بأنه هو العمليات التى تشير إلى السمات النفسية التى تصف سلوك الفرد كالمرونة والمثابرة والتحلى بالصبر والإيمان، والصلابة النفسية، والتوقعات المستقبلية الإيجابية، وتكوين علاقات اجتماعية تغير من التفاعل المتبادل بين البيئة وما تحمله من أزمات ومحن وتهديدات وشدائد ومخاطر وصدمات يدعمها خبرات وتجارب الفرد وإدراكه للمساندة الاجتماعية

ويرى البعض أن الصمود النفسي هو قدرة الفرد على التكيف بنجاح مع أحداث الحياة السلبية والمؤلمة، وأنه التكيف الناجح في مهام الحياة في مواجهة الحرمان الاجتماعى أو الظروف المعاكسة للغاية، وهو عملية ديناميكية تشير إلى قدرة الشخص على التعامل بفاعلية مع المحن والشدائد والسيطرة عليها، فضلًا عن إمكانية استعادة الثقة والتعافي بعد التعرض للأحداث شديدة الوطأة، وأنه القدرة الإيجابية على تكيف الفرد مع الضغوط النفسية، وتمكنه من أداء وظائفه بشكل جيد، والصمود هو عملية ديناميكية يمكن أن يتعلمها الفرد في أى مكان في الحياة.

مستويات قياس الصمود النفسي

ولكى نقيس الصمود النفسي لا بد أن ندرك أن هناك ثلاثة مستويات للعوامل التى تساعد في قياسه، وأول هذه العوامل هى على المستوى الأصغر، وأخرى على المستوى المتوسط، وثالثة على المستوى الأكبر، هذا من ناحية العوامل التى تدخل في صياغة الصمود. وبناءً على ذلك، فإن الصمود منتج أو مخرج وليس سمة، مخرج للتفاعل بين عوامل الخطر المتمثلة فيما تحمله العوامل الشخصية أو البيئية للفرد، ويتم التفاعل من خلال الاستراتيجيات الوسيطة أو الاستراتيجيات المعدلة، ويُقاس الصمود بمدى تحقيق الفرد لنواتج إيجابية مصاحبة أو لاحقة للتعرض للصعوبات، ونتيجة لهذه التركيبة الشبكية يُقاس الصمود بصورة غير مباشرة من خلال التغيرات الأكثر ارتباطًا به، وهي عوامل الوقاية أو التعويض من ناحية، وحجم المشكلات التى يُعانى منها الفرد كدالة للنواتج الإيجابية أو السلبية من ناحية أخري.

وتتمثل مشكلة هذه الدراسة المهمة في أن الإرهاب أصبح ظاهرة عالمية، وهو من أكبر التحديات التى يشهدها القرن الحادى والعشرون، ويمثل الشُغل الشاغل لجميع دول العالم، وبخاصة دول الشرق الأوسط، التى تتعرض لأعلى معدل من العمليات الإرهابية من قبل ميليشيات وجماعات مسلحة تستخدم أحدث فنون القتال وأحدث الأسلحة الفتاكة، وتتابع الصحف الإلكترونية عن كثب لحظةً بلحظة هذه الأحداث الإرهابية، وتعمل كمراقب لها ولدور القوات المسلحة المصرية والشرطة في المقاومة.

العلاقة بين التعرض للأحداث الإرهابية والصمود النفسي

ولأن بحوث علم النفس في الفترة الأخيرة تميل إلى الناحية الإيجابية في التطبيق على الأفراد، ويطلق عليه (علم النفس الإيجابي)، انطلقت فكرة هذه الدراسة لمحاولة معرفة العلاقة بين تعرض سكان محافظة شمال سيناء للمواد المنشورة عن الأحداث الإرهابية والصمود النفسي الناتج عنه.

وتبرز أهمية الدراسة في تزامنها مع استمرار القوات المسلحة المصرية منذ يناير الماضى في العملية «سيناء 2018»، لاجتثاث جذور الإرهاب، كما تقدم الدراسة رؤيةً موضوعية لقياس درجة تعرض عينة الدراسة من أهالى سيناء للمواد المنشورة عن الأحداث الإرهابية والعلاقة بين التعرض والصمود النفسي.

ومن هنا، فقد استهدفت دراسة د. أحمد عبدالكافي رصد العلاقة بين تعرض سكان محافظة شمال سيناء للمواد المنشورة عن الأحداث الإرهابية في مواقع الصحف الإلكترونية المصرية، والصمود النفسي الناتج عنه، وطبق الباحث دراسته على عينة عمدية متاحة قوامها (١٣٢) مبحوثًا من سكان المحافظة من مستخدمى الإنترنت، واستخدم الباحث موقع «فيسبوك» في إرسال الاستمارات على المجموعات الموجودة على الموقع.

وقد اختار الباحث سكان شمال سيناء نظرًا لما يعكسه الواقع الذى تعيشه المحافظة، وأيضًا لموقع المحافظة المتاخم للحدود الجبلية الشرقية والبحرية الشمالية، والتى تستخدمها العناصر الإرهابية للتسلل إلى داخل الحدود المصرية بشمال سيناء.

نتائج الدراسة

اتضح من الدراسة أنه بالنسبة لعينة الذكور، تصدر سبب متابعة الصحف الإلكترونية (تتابع الأحداث بشكل سريع وفوري) الترتيب بنسبة بتكرار ٣٨ ونسبة مئوية ٥٥.٩٪، بينما جاءت (للحصول على المعلومات) في الترتيب الثانى بتكرار ٣٢ وبنسبة ٤٧.١٪، واحتلت (لتميزها بالمصداقية). وبالنسبة لعينة الإناث جاء أيضًا سبب المتابعة (تتابع الأحداث بشكل سريع وفوري) في الترتيب الأول بتكرار ١٠ وبنسبة ٣٧٪، وفي الترتيب الثانى جاء السبب (للحصول على المعلومات) بتكرار ٨ ونسبة مئوية ٢٩.٦٪. ويفسر الباحث حصول سبب المتابعة (تتابع الأحداث بشكل سريع وفوري) على الترتيب الأول لما تتميز به الصحف الإلكترونية من المتابعة والتحديث الفورى المستمر وسهولة نشر الأحداث لحظة بلحظة.

وقد حازت (شبكات التواصل الاجتماعي) كوسيلة للوصول إلى الصحيفة الإلكترونية على الترتيب الأول بتكرار ٥٩ وبنسبة ٦٢.١٪، بينما احتلت (محركات البحث) الترتيب الثانى بتكرار ٤١ وبنسبة ٤٣.٢٪، وفي الترتيب الأخير جاء الوصول المباشر للموقع بتكرار ٢٤ ونسبة ٢٥.٣٪. ويرى الباحث حصول طريقة الوصول للصحف الإلكترونية (عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي) يرجع لانتشار مواقع التواصل بين كل الفئات والأعمار، ولكونها مصدرًا أساسيًا للحصول على المعلومات في شمال سيناء.

كما تصدرت (الهواتف الذكية) قائمة الأجهزة التى يستخدمها المبحوثون في متابعة الصحف الإلكترونية بتكرار ٥٧ وبنسبة ٦٠٪، وجاء الكمبيوتر الشخصى في الترتيب الثانى بتكرار ٢٨ وبنسبة ٢٩.٥٪، وفي الترتيب الأخير جاء جهاز (الآيباد) بتكرار ٨ وبنسبة ٨.٤٪. ويرى الباحث أن حصول الهواتف الذكية على الترتيب الأول نظرًا لانتشارها الواسع بين أفراد المجتمع بكل فئاته لسهولة حمله، وأنها تعمل بتقنية عالية تمكنها من الوصول إلى مواقع الإنترنت.

وقد تصدرت درجة اهتمام المبحوثين بمتابعة المواد المنشورة عن الأحداث الإرهابية (بدرجة كبيرة جدًا)، وجاءت في الترتيب الأول بتكرار ٣١ وبنسبة ٣٢.٦٪، وفي الترتيب الثانى جاءت (أهتم بدرجة كبيرة) بتكرار ٣٠ وبنسبة ٣١.٦٪، بينما جاء الترتيب الأخير من نصيب أولئك الذين يهتمون بمتابعتها (بدرجة ضعيفة) بواقع ٤.٢٪. ويرى الباحث حصول درجة الاهتمام بمتابعة المواد المنشورة عن الأحداث الإرهابية بالنسبة لكل من الذكور والإناث (العينة الكلية) (بدرجة كبيرة) على الترتيب الأول، وحصول (أهتم بدرجة ضعيفة) و(نادرًا ما أهتم) على الترتيب الأخير، لما تشغله الأحداث الإرهابية من تفكير مجتمع شمال سيناء وسيطرة هذه الأحداث على مجريات الأمور بالنسبة لهم.

وبالنسبة لرؤية المبحوثين لطريقة عرض المواد المتعلقة بالحوادث الإرهابية في الصحف الإلكترونية، احتلت عبارة (تركز على طابع الإثارة في عرضها للأحداث) الترتيب الأول بنسبة ٢٧.٦٪، وتليها (تتسم بالجرأة في عرض الأحداث) في الترتيب الثانى بنسبة ٢٦.٣٪، ثم جاءت (الأحداث الإرهابية لا تأخذ مساحة كافية في هذه الصحف) في الترتيب الثالث بنسبة ٢٥.٩٪، بينما جاءت عبارة (تمتاز بالوضوح في عرض الأحداث) في الترتيب الأخير ٢٠.٩٪. ويرى الباحث حصول رؤية المبحوثين أن الصحف تركز على طابع الإثارة في عرضها للأحداث على الترتيب الأول، قد يرجع إلى أن الصحف الإلكترونية تركز بدرجة كبيرة على طابع الإثارة سواء بالصور أو الفيديوهات المصاحبة للمواد المنشورة عن الأحداث الإرهابية.

وبالنسبة لشعور المبحوثين عقب تعرضهم للأحداث الإرهابية بالصحف الإلكترونية، فقد حصلت عبارة (أشعر بالخوف الشديد من المستقبل) على الترتيب الأول بالنسبة للعينة الكلية للذكور والإناث بتكرار ٣٨ وبنسبة ٤٠٪، واحتلت (أشعر أنى عرفت ما أريد) الترتيب الثانى للعينة الكلية «ذكور وإناث» بتكرار٢٧ بنسبة ٢٨.٤٪. ويرى الباحث حصول العبارة (أشعر بالخوف الشديد من المستقبل) على الترتيب الأول للذكور والإناث عينة البحث، نظرًا لما تحمله الأحداث الإرهابية من مخاوف تتمثل في صور للضحايا وانفجارات مدوية ويتم تغطيتها في الصحف الإلكترونية.

مقياس الصمود النفسي لأهالي سيناء في مواجهة الإرهاب

وبالنسبة لمقياس الصمود النفسي الذى تم تطبيقه على المبحوثين، حيث جاءت عبارة (متابعتى للأحداث بالصحف تزيدنى كراهية للإرهاب) في الترتيب الأول بنسبة ٨١.٤٪، واحتلت عبارة (متابعتى للأحداث الإرهابية يجعلنى أشعر بمسئولية كبيرة تجاه مجتمعي) الترتيب الثانى بنسبة ٨١.٣٪، وفي الترتيب الثالث جاءت (متابعتى للأحداث الإرهابية في الصحف الإلكترونية تجعلنى أقدم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية) بنسبة ٨١.٢٪، تليها عبارة (أشعر بالراحة النفسية كلما قرأت أخبار القبض على الإرهابيين) في الترتيب الرابع بنسبة ٨١٪، وتليها عبارة (طريقة عرض الصحف للأحداث الإرهابية تزيد من مسئوليتى نحو الوطن) في الترتيب الخامس بنسبة ٨٠.٢٪، بينما احتلت عبارة (تزداد آمالى في حل القضية كلما قرأت عن هزائم الإرهابيين) الترتيب الأخير.

ويرى الباحث من خلال قراءة نتائج مقياس الصمود النفسي أن متابعة المبحوثين للأحداث بالصحف تزيدهم كراهية للإرهاب، وحازت على الترتيب الأول، يؤكد أن الصحف الإلكترونية ترصد وتنشر الأحداث بطريقة واقعية تجعل أفراد العينة يشعرون بكراهية للإرهاب كلما قاموا بمتابعتها، وأيضًا (متابعتى للأحداث الإرهابية تجعلنى أشعر بمسئولية كبيرة تجاه مجتمعي) في الترتيب الثانى، وهو ما يؤكد أن عرض الصحف للأحداث يوضح المسئولية الكبيرة على كل أفراد المجتمع لمشاركة الوطن في الأوقات العصيبة، وفي الترتيب الثالث جاءت (متابعتى للأحداث الإرهابية في الصحف الإلكترونية تجعلنى أقدم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية)؛ لأن طريقة عرض الصحف للأحداث الإرهابية تُشعر أهالى سيناء بضرورة تقديم مصلحة الوطن على مصالحهم الشخصية. وفي الترتيب الأخير جاءت عبارة (تزداد آمالي في حل القضية كلما قرأت عن هزائم الإرهابيين)، وهي نتيجة طبيعية، فكلما تنشر الصحف أخبار وصور القبض والقتل للإرهابيين، يشعر أهالى سيناء بأن القضية في سبيلها للحل، وأنهم في سبيلهم للخلاص من هذه الأحداث.

شارك