العملية المعقدة لإعادة الإعمار في العراق

الأحد 04/نوفمبر/2018 - 05:57 م
طباعة العملية المعقدة لإعادة
 
ترجمة: محمود جمال عبد العال

شهدت العراق في السابق عمليات متعددة لإعادة الإعمار للبنية التحتية مثل ما تبع الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينيات، وكذلك ما تبع الغزو الأمريكي للعراق 2003. وعلى الرغم مما تتكلفه عمليات إعادة الإعمار من جهود ومقدرات مالية واقتصادية كبيرة إلا أن العراق دائمًا ما يتعرض لتدمير بنيته التحتية؛ حيث تعرض خلال ربع قرن إلى 3 عمليات تدمير شاملة استهدفت بنيته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

تحديات عملية إعادة الإعمار

1-     هشاشة البنية السياسية: يعاني النظام السياسي في العراق من هشاشة البنية السياسية وغياب عامل الرشادة السياسية؛ إذ يُعد ذلك من أهم العوامل المحفزة لتدمير البلاد. ويبقى أمام العراقيين مجموعة من التحديات واجبة الحل قبل البدء في عملية إعادة الإعمار، وأهم هذه التحديات حسم هشاشة النظام السياسي العراقي لأنه الضامن الأكثر نجاعة للحفاظ على مكتسبات عمليات إعادة الإعمار. في السياق نفسه، مثلت الميليشيات المدعومة إيرانيًا في الانتخابات الأخيرة تحديًا يتعلق بطبيعة العلاقة بين السلاح والسياسة في مستقبل العراق، وهل يُمكن أن يتحول العراق إلى لبنان جديد في ظل احتفاظ قوات الحشد الشعبي بسلاحها.

2-     انتشار الفساد: تعاني العراق من سوء في استغلال الموارد في ظل تصاعد معدلات الفساد. واعتبر رئيس الوزراء العراقي السابق"حيدر العبادي" أن الحرب على الفساد في العراق أصعب من الحرب على الإرهاب، وهو ما عكسته تقارير منظمة الشفافية الدولية لقياس معدلات الفساد، والتي تزيل العراق تقاريرها. ورغم أن العراق هو ثاني أكبر منتج للبترول في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) إلا أن الحكومات العراقية المتعاقبة لا تزال عاجزة عن توفير الخدمات الأساسية للسكان. من ناحيةٍ أخرى، يثبط الفساد من عزيمة الشركات العالمية الخاصة للدخول في المساهمة في عمليات إعادة الإعمار.

3-     سوء الأداء الأمني: على الرغم من حرص العالم على تحقيق الاستقرار الأمني في العراق منذ 2003، وهو ما بدا فيما تكلفته عمليات إعادة تسليح الأجهزة الأمنية والعسكرية إلا أن هذه الأجهزة لم تثبت الكفاءة المطلوبة في التحديات والاختبارات التي واجهتها مثل العمليات الإرهابية التي كانت تستهدف المدنيين منذ عام 2003، والفشل كذلك في صد الهجوم الذي تعرض له العراق من ميليشيات تنظيم داعش الإرهابي.

4-     مواجهة سياسات تعزيز الطائفية: يشهد العراق حاليًا تحديًا أكثر إلحاحًا، وهو مستقبل الوجود السني في العراق، ويتصل ذلك مباشرة بنفوذ القوى الإقليمية المحيطة للعراق مثل إيران التي تدعم التيار الشيعي، وتركيا والمملكة العربية السعودية التي تدعم بطرق متفاوتة المناطق السنية التي تدمرت كليًا نتيجة الحرب مع تنظيم الدولة الإسلامية. ويبقى أمام الحكومة العراقية تحديًا يتعلق بإعادة تأهيل المناطق السنية المتضررة من الحرب خاصة أنها تعاني من نقصٍ كبير في متطلبات الحياة الأساسية مثل الكهرباء والماء.

مؤتمر المانحين بالكويت

تعمل دول الخليج لإعادة الارتباط بالعراق مرة أخرى للتغلب على النفوذ الإيراني هناك، وهو ما بدا في مؤتمر إعادة الإعمار الذي نظمته دولة الكويت مؤخرًا. وتناول المؤتمر النقاش حول 157 مشروع تنموي متنوع مثل إنشاء شبكة مترو الأنفاق في بغداد، وتنمية واستصلاح الحقول الزراعية في محافظة نينوى، والمساهمة في إنشاء البنية التحتية اللازمة لقطاعات النفط والغاز في مدينة البصرة الغنية بالنفط. واشتملت المشاريع التي تم مناقشتها في مؤتمر المانحين بالكويت مشاريع مد الطرق السريعة، والخدمات اللوجستية، والمياه، والصحة.

ووصلت تعهدات الدول المانحة في ختام مؤتمر إعادة الإعمار بالكويت إلى نحو 30 مليار دولار. وقال وزير الخارجية العراقي "إبراهيم الجعفري" في ختام المؤتمر أنه كان يأمل ان تتجاوز المنح هذا المبلغ؛ حيث يحتاج العراق إلى اكثر من 88 مليار دولار لتغطية مشاريع بنيته التحتية المتهالكة نتيجة الحرب التي خاضها ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) منذ عام 2014. وشارك في مؤتمر إعادة الإعمار حوالي 76 دولة وأكثر من 107 منظمة محلية وإقليمية ودولية من المنظمات غير الحكومية.

ويعاني العراق من مشكلة كبيرة تتمثل في اعتماد اقتصاده على الريع النفطي في ظل غياب التنوع الاقتصادي؛ حيث تمثل العوائد النفطية حوالي 60% من إجمالي الناتج المحلي العراقي، لذلك عمل مؤتمر إعادة الإعمار على ضرورة العمل في مشاريع البنية التحتية للنفط والغاز الطبيعي باعتبارهم من أهم مصادر الناتج المحلي العراقي، لذلك تبدو أن هناك حاجة عاجلة للاستثمار الدولي في هذين القطاعين لإعادتهم للعمل بكامل طاقتهم في أقرب فرصة لتغطية النفقات الحكومية اللازمة لإعادة الإعمار.

منافسات الهيمنة الإقليمية على العراق

أتاح الوضع الجيوسياسي الضعيف نسبيًا في العراق سهولة للدول الإقليمية للاستفادة والتدخل في الشئون الداخلية له؛ إذ تعتبر كل من إيران وتركيا منذ فترة طويلة أجزاء من الأراضي العراقية، وشرائح من سكانهم ينتمون إلى التاريخ والإرث العراقي. وتمتد شبكات تجارية عميقة بين تركيا والعراق وإيران. وتتواجد إيران في مناطق جنوب العراق، فيما تنتشر تركيا في مناطق الشمال. من ناحية أخرى، تمثل العراق أهمية خاصة لدول مجلس التعاون الخليجي الذين يجمعهم بالعراقيين العرق العربي، كما أن العراق تمثل أهمية خاصة لهم باعتبارها حاجز بينهم وبين إيران. ويُعتبر اهتمام الكويت بعقد مؤتمر إعادة الإعمار تجاوزًا لأحداث الماضي، وانعكاسًا لتعزيز الروابط التاريخية العميقة بين العراقيين والكويتيين؛ إذ تُظهر دول مجلس التعاون رغبتها في توظيف الاقتصاد و المشاركة السياسية في العراق كوسيلة لمواجهة الهيمنة الإيرانية هناك، كما تتشارك تركيا معهم في نفس المصلحة من خلال استخدام روابطها الاقتصادية مع الشركات العراقية لزيادة نفوذها على حساب إيران.

ختامًا؛ تخشى الولايات المتحدة من التمدد الإيراني في العراق لذا تعمل على دفع حلفائها من السنة في مجلس التعاون الخليجي وتركيا للاستثمار بكثافة في العراق، وهو ما بدا جليًا في مشاركتهم ودعمهم لمؤتمر إعادة الإعمار؛ حيث تحرص دول الخليج على زيادة مشاركتها في إعادة إعمار العراق للمساعدة تحقيق الاستقرار إضافة إلى مزاحمة إيران المنافسة. ويبقى الفساد وسوء الأمن أهم التحديات أمام بدء مشروعات إعادة الإعمار.


The Tricky Business of Rebuilding Iraq, Stratfor, February 2018, Accessed at:

شارك