إعدام القاصرين في إيران... بين مطرقة الدولة وسندان القانون

الأحد 04/نوفمبر/2018 - 06:09 م
طباعة  إعدام القاصرين في
 
مرﭬت زكريا

ينص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في المادة السادسة على أن الحق في الحياة هو حق ملازم لكل إنسان، و لا يجوز حرمان أي شخص من حياته تعسفاً. و جاء تعريف الطفل في الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل على أنه؛ كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه. وتتخذ الدول الأطراف في هذه الاتفاقية التدابير المناسبة لتكفل له الحماية من جميع أشكال التمييز أو العقاب، مع ضرورة عدم تعرض أي طفل للتعذيب أو لغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية والمهنية، ولا تفرض عقوبة الإعدام أو السجن مدى الحياة بسبب جرائم يرتكبها أشخاص تقل أعمارهم عن ثماني عشر سنة.(1)

فعلى الرغم من عضوية إيران في العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية و الاتفاقية الدولية لحماية حقوق الطفل إلا أنها تنتهك ذلك من خلال فرض عقوبة الإعدام على القاصرين، فضلاً عن المرأة، بجرائم فضفاضة؛ حيث تم تصنيفها في المرتبة الثانية بعد الصين بشأن هذه العقوبة. وعليه،  فقد حض مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في إيران "جويد رحمن" على ضرورة الغاء عقوبة الإعدام ضد القاصرين (الأحداث)، معبراً عن قلقه في الوقت ذاته على مصير المعتقلين خلال الاحتجاجات الكبيرة التي شهدتها إيران منذ نهاية عام 2017. (2)

لذا، سنتناول في هذا التقرير ، نبذة عن الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، وضع القاصرين في إيران في ظل الجرائم الفضفاضة المنصوص عليها في القانون الإيراني(مثل الافساد في الأرض و معادة الله)، فضلاً عن أبرز الجرائم  التي توجه لهم.

أولاً- نبذة عن الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل 

تقر الاتفاقية بأن الطفل يحتاج إلى إجراءات وقائية ورعاية خاصة، بما في ذلك حماية قانونية مناسبة قبل الولادة وبعدها، وتتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتكفل له الحماية من جميع أشكال التمييز  أو العقاب القائمة على أساس مركز أسرته، أو أنشتطهم، أراءهم، معتقداتهم المُعبر عنها.

               ولا يجوز أن يجرى أي تصرف تعسفي أو غير قانوني ضد الطفل في حياته الخاصة( أسرته، منزله، أو مراسلاته)، فضلاً عن ضرورة اعتراف الدول الأطراف بحق كل طفل في مستوى معيشي ملائم لنموه البدني، العقلي، المعنوي، الروحي و الاجتماعي.

في السياق ذاته، تتضمن هذه الاتفاقية ضرورة حماية أطفال الأقليات الأثنية، الدينية أو اللغوية أو أشخاص من السكان الأصليين، ولا يجوز حرمان الطفل المنتمي لتلك الأقليات من الحق في أن يتمتع مع بقية أفراد المجموعة بثقافته أو الاجهار بدينه وممارسة شعائره أو  استعمال لغته(3).

ثانياً- وضع القاصرين و الافراط في استخدام عقوبة الإعدام  

تعد الجمهورية الإسلامية واحدة من الدول القليلة التي تصدر أحكاماً بالإعدام ضد القاصرين. فوفقاً لتقارير اللوائح الصحية الدولية أعدمت إيران ما لا يقل عن 55 طفل خلال الفترة ما بين 2008 و 2018 ، فضلاً عن 80 أخرين ينتظرون حكم الإعدام داخل السجون الإيرانية. ومع ذلك لا توجد معلومات حقيقية عن العدد الفعلي لضحايا الإعدام في طهران، بسبب عدم وجود شفافية حكومية فيما يتعلق بهذه الموضوعات.  

               و تواصل إيران انتهاك القوانين الدولية فيما يتعلق بإعدام القاصرين فبحسب منظمة Human Rights Watch  أعدمت طهران حوالى 5 من القُصَر  في عام 2017 ؛ حالة واحدة بسبب المخدرات و أربعة أخرين بالقصاص، فضلاً عن تنفيذ 31 عملية إعدام علنية، بما فيهم أطفال. و يركز التقرير أيضاً على دور المحاكم الثورية باعتبارها المصدر الرئيسي للتعسف وانتهاك الحقوق داخل إيران، فضلاً عن الاعترافات التي يتم انتزاعها تحت التعذيب.

و يحدد قانون العقوبات الإسلامي الجديد الذى تم اعتماده في عام 2013، المسئولية القانونية للأطفال كعمر النضج في ظل الشريعة الإسلامية؛ حيث حدد عمر الفتيات فوق التاسعة و الفتيان فوق الخامسة عشر. و على الرغم من اقرار المادة 91 من القانون الجديد بأنه لا يجوز الحكم  بالإعدام على كل المتهمين من القاصرين تحت عمر الثامنة عشر  بجريمة الافساد في الأرض إلا بعد التأكد من القدرة العقلية والقدرة على التفكير بأدلة من الطب الشرعي، لكن لم يتم العمل بها في كثير من الحالات، وبالتالي، لم تؤد إلى تخفيض عدد القاصرين من المحكوم عليهم بالإعدام(4).

ثالثاً- أبرز الجرائم المقررة لإعدام القاصرين

       تُوقع غالبية عمليات الإعدام في إيران على جرائم متعلقة بالمخدرات، الاغتصاب والقتل، فضلاً عن الجرائم التي تمس الأمن القومي (الافساد في الأرض و الردة)، ولكن أشارت المنظمات الدولية أن كثير من هذه الجرائم لا تعد الأكثر خطورة و لا تستحق عقوبة الإعدام، ويمكن تفصيلها على النحو التالي:-

1-     الحدود

تشير الحدود إلى الجرائم التي لها تعريفات وعقوبات محددة بموجب الشريعة الإسلامية، حيث يتم استدعاء عقوبة الإعدام لجرائم شرب الكحول، الاغتصاب، فضلاً عن الفساد في الأرض و  العداء ضد الإله، على الرغم من اقرار القانون الإسلامي على حق القاضي في اختيار العقوبة المناسبة.

في السياق ذاته، لا يميز قانون العقوبات الإسلامي القديم بين جرائم العداء ضد الله و الفساد في الأرض، ولكن نصت المادة 138 منه على أن أي شخص يلجأ إلى الأسلحة لإحداث الرعب و الخوف أو خرق الأمن العام يعتبر عدو الله، ومفسد في الأرض. لكن ذلك ينتهك التزام إيران بقواعد القانون الدولي لعدم تقييد استخدام عقوبة الإعدام التي لا يتم فرضها إلا في أشد الجرائم خطورة.

من ناحية أخرى، يقر  قانون العقوبات الإسلامي الجديد إلى أن جريمة الفساد في الأرض تُفرض على من يرتكبون جرائم ضد الأمن القومي، تعطيل الاقتصاد، الاحتجاجات و أعمال الحرق والتدمير ، تعطيل النظام العام، أو التسبب في أضرار واسعة النطاق على الأفراد فضلاً عن الممتلكات العامة والخاصة. فعلى الرغم من أن تهمة الفساد في الأرض تحتوى على عدد من الجرائم المعترف بها على المستوى الدولي، إلا أنه يشوبها قدر من الغموض يحتاج إلى التوضيح لاسيما في حالة إيران(5).

2-     القصاص   

يشير القصاص في ظل الشريعة الإسلامية إلى فكرة الانتقام المكافئ في حالة القتل، أو الجرائم الأخرى التي يتم ارتكابها ضد السلامة الجسدية للإنسان، وتطلب العقوبة في أغلب الأحيان من أقارب المجنى عليه، ويمكن أن يتم العفو عن الجاني في مقابل تعويض يعرف باسم "الدية". من الجدير بالذكر أن تقارير المنظمات الدولية تؤكد على وجود مخاوف كثيرة بشأن حقوق الإنسان في استمر ار العمل بمبدأ القصاص داخل الجمهورية الإسلامية.

وتثير فكرة "الدية" كثير من الشكوك فيما يتعلق بحجم الثروة؛ حيث أن الاغنياء سيكونون قادرين على الدفع بعكس الفقراء. وتؤكد التقارير الدولية على أن القانون الإيراني يُزيد من المبلغ المالي للدية في حالة الذكور عن الإناث، فضلاً عن أن القوانين الإيرانية تنتهك ضمانات المحاكمة العادلة بموجب القانوني الدولي، الذي ينص على حق المتهم في طلب العفو أو  التخفيف من قدر العقوبة(6).

3-     المعاذير

يُعرف قانون العقوبات الإسلامي لعام 2013 المعاذير على أنها مخالفات لا تشملها الحدود أو القصاص، ومن هنا تنص المادة 18 على تعريف المعاذير، نطاقها و  العقوبات المقررة لها، ومن أمثلة جرائم التعزير؛ الجرائم المالية المتعلقة بالفساد، الرشوة  و غسيل الأموال، فضلاً عن جرائم الأمن القومي مثل العمل مع العمل مع الحكومات المعادية و التظاهر ضد الدولة، وعادة  ما يُعاقب على هذه الجرائم بالسجن تفادياً لعقوبة الإعدام، و لكن تربط الحكومة الإيرانية بين هذه العقوبات وفكرة الإفساد في الأرض.

وتفرض الجمهورية الإسلامية عقوبة الإعدام في إطار المعاذير على الجرائم التي يغطيها قانون مكافحة الإرهاب، الذي تم اقتراحه في عام 1989 وتعديله في 1997 ثم في عام 2011؛ نص بضرورة فرض عقوبة الإعدام على جرائم الإتجار في أكثر من 5 كيلو جرام من المخدرات المكتسبة من الأفيون و المؤثرات العقلية، أو حيازة أكثر من 30 جرام من الهيروين ومشتقاته، فضلاً عن العقاقير الاصطناعية غير الطبية.

لكن خَلص بعض الفقهاء ورجال القانون الإسلامي إلى أن فرض عقوبة الإعدام للجرائم المتعلقة بالمخدرات هي ضد أحكام الشريعة الإسلامية، لأنها تندرج تحت فئة المعاذير وبالتالي، تستحق عقوبة أقل من الموت. في السياق ذاته، شددت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في أكثر من مناسبة على أن جرائم المخدرات لا تدخل في مضمار الجرائم الأكثر خطورة، ومن هنا تعد عقوبة السجن وافية (7)

ختاماً: يجب أن تتطلع الجمهورية الإسلامية إلى الالتزام بقواعد القانون الدولي، ولاسيما الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي تهتم برعاية حقوق القاصرين، و الاهتمام بالتوعية المجتمعية لهم، فضلاً عن الحفاظ على التنشئة السوية.

       على الجانب الأخر، من الأهمية أن تلتزم إيران بالتطبيق الكامل لبنود الاتفاقيات الدولية، حتى تضمن انخفاض معدل الإدانات الدولية و دعم الأوروبيين لها فيما يتعلق ببرنامجها النووي، لاسيما بعد الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي و فرض الحزمة الثانية من العقوبات بحلول الرابع من نوفمبر لعام 2018.    

الهوامش

1.       العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، منظمة  الأمم المتحدة للطفولة(اليونيسيف)، 1976، متاح على الرابط التالي:

                                                        https://www.unicef.org/arabic/why/files/ccpr_arabic.pdf 

2.       الأمم المتحدة تطالب إيران بوقف إعدام الاحداث، الشرق الأوسط، 26/10/2018 ، متاح على الرابط التالي:

http://cutt.us/U00i5  

3.              Convention on the Rights of the Child, the United Nations High Commissioner for Human Rights, 1989, available at:

 https://www.ohchr.org/Documents/ProfessionalInterest/crc.pdf .

4.               Annual Report on the Death Penalty in Iran, Iran Human Rights, 2017, available at:

 http://fileserver.idpc.net/library/ECPM-IHR-%20Iran%20report%202017.pdf  

5.              Growing up on the Death Row: The Death and Juvenile Offenders In Iran, 2016, Amnesty International, available at:

 https://www.amnestyusa.org/reports/growing-up-on-death-row-the-death-penalty-and-juvenile-offenders-in-iran/ .

6.              Annual Report on the Death Penalty in Iran, Iran Human Rights, 2016, available At:

http://fileserver.idpc.net/library/ECPM-IHR-%20Iran%20report%202017.pdf .

7.              Annual Report on the Death Penalty in Iran, Iran Human Rights, 2015, available at:

شارك