تهديدات متراجعة .. الولايات المتحدة ومواجهة الإرهاب غير التقليدي

الثلاثاء 06/نوفمبر/2018 - 07:16 م
طباعة تهديدات متراجعة ..
 
بيتر بيرجن وديفيد ستيرمان- ترجمة مرﭬت زكريا

تدور الفكرة الرئيسية للمقال الذي كتبه كل من أستاذ العلوم السياسية والدراسات العالمية بجامعة أريزونا "بيتر بيرجن" والمحلل السياسي في برنامج الأمن العالمي بمنظمة أمريكا الجديدة "ديفيد ستيرمان"، حول التهديدات غير التقليدية التي أصبحت تواجه المجتمع الأمريكي والمتمثلة في صعود اليمين المتطرف والأيديولوجيات العنصرية المناهضة للعرقيات الأخرى، وانضمام العديد من المواطنين الأمريكيين للجماعات الإرهابية مثل "داعش"، فضلاً عن مساعدة وسائل التواصل الاجتماعي على نشر أفكار الجماعات المتطرفة والإيمان بها. ومن هنا، أشار الكاتب إلى ضرورة التنفيذ الفعال للقانون، ونشر الوعي للمساعدة على الحد من نشر العنف، فضلاً عن البحث في الأسباب الأساسية وراء اتجاه السياسة العالمية نحو التطرف. 

أثناء أحداث الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001، ساهم العرب الذين تدربوا في معسكرات القاعدة بأفغانستان قتل ما يقارب 3000 شخص بالولايات المتحدة الأمريكية في بضع ساعات. وكان الهجوم الإرهابي الأكثر دموية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

ولسوء الحظ، بات ذلك لا يتماشي مع الواقع بشكل كبير، فلم تعد المنظمات الجهادية هى التهديد الرئيسي الذي يواجه المجتمع الأمريكي. فمنذ أحداث الحادى عشر  من سبتمبر ، لم تتكرر مثل هذه الحادثة. لكن مشكلة الإرهاب الرئيسية في واشنطن حالياً تتمثل في مجموعة من الأفراد الراديكاليين اللذين يميلوا إلى اعتناق نوعية معينة من الأيديولوجيات.

ومن هنا، بات التهديد المحلي بالغ الأثر، حيث قُتل 11 شخص في أواخر أكتوبر لعام 2018 على يد رجل له باع كبير في التعبير عن وجهات نظر معادية للسامية واللاجئين على وسائل التواصل الاجتماعي. وتُبين هذه الأحداث صعود الاستقطاب السياسي، والعنف المروع للمجتمعات، لاسيما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وسواء تم تصنيفهم في الأيديولوجية اليمينية، اليسارية، الجهادية أو القومية السوداء، فإن أعمال العنف السياسى الموجودة حالياً تشترك في سلسلة من هذا المزيج، ونتج عنها ما يقرب من 200 حالة وفاة منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر؛ يمكن أن يزيد عدد القتلى إذ تم إضافة الهجمات المميتة ذات الدوافع السياسية أو غير التقليدية، وتعد مهمة التصدي لمثل هذه التحديات واسعة النطاق لإعادة المجتمع الأمريكي إلى ما كان عليه سابقاً، أصعب كثيراً من تعطيل القدرة التشغيلية لأي منظمة إرهابية.

أولاً- فشل المنظمات الجهادية

أظهرت جماعات مثل القاعدة، الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وطالبان الباكستانية في السنوات التي تلت أحداث الحادى عشر من سبتمبر قدرة ضئيلة على القيام بعمليات إرهابية في الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث كانت المرة الأخيرة التى قامت فيها أحد هذه الجماعات بإجراء مثل هذه العمليات على الأراضي الأمريكية في مايو/ أيار 2010، عندما حاول أحد قادة جماعة طالبان "فيصل شهرزاد" تفجير سيارة مفخخة في ميدان مدينة نيويورك.

في السياق ذاته، لم ينجح الإرهابيون المدربون من قبل "داعش" في القيام بعمليات إرهابية مميتة في الولايات المتحدة الأمريكية. لكن تواصلت "داعش" على سبيل المثال في بعض الأحيان مع عدد من الأفراد عبر بعض التطبيقات المشفرة لشن هجوم في مدينة غارلاند بولاية "تكساس" عام 2015  بسياق مسابقة الرسوم الكرتونية عن النبي محمد، وكان المنفذين أثنان من الأمريكيين اللذين لم يسافروا قط لأماكن داعش، وقتل الإثنان على يد حارس في مكان المسابقة قبل أن يتمكنوا من تنفيذ العملية.

بطبيعة الحال، لاتزال التهديدات قائمة حول إمكانية قيام منظمة إرهابية أجنبية بتنفيذ هجوم على الأراضي الأمريكية، لكن تتعلق مثل هذه القضايا بمدى نجاح أجهزة  المخابرات ومكافحة الإرهاب داخل واشنطن. فكل هجوم إرهابي في الولايات المتحدة الأمريكية منذ 11 سبتمبر تم ارتكابه بواسطة مواطن أمريكي. ويتعارض ذلك مع تصور ترامب للتهديد، نظراً لتركيزه على ابقاء الإرهابين الأجانب خارج  البلاد، ومن هنا يعمل على حل مشكلة غير موجودة بالأساس.

ثانياً- كيف أختلف التهديد الجديد

لم يعد الجهاد يمثل جزء كبير من التهديد الإرهابي الجديد، ولكن يعتقد "ترامب" والمسئولين المحافظين غير ذلك، ويأتي الخطر إلى حد كبير من الأفراد المدربون من قبل الجماعات الجهادية؛ حيث قتل هؤلاء المهاجمون حوالى 104 شخص في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2011، ووفقاً "لأمريكا الجديدة"، وهي مؤسسة بحثية مهتمة بالعنف السياسي. فإن ثلاثة أرباع هذا العدد قتل بعد أن بدأت "داعش" في تطوير نفسها  من خلال دعوة الأفراد للالتحاق عبر الإنترنت.

في السياق ذاته، أدى ذلك لصعود اليمين المتطرف بدافع من الآراء السياسية العنصرية. لكن التهديد الجديد أصبح لا يقتصر فقط على اقصى اليمين؛ ففي عام 2017 قام " جيمس هودجكينسون" وهو شخص معارض "لترامب" بإطلاق النار على النائب "ستيف سكاليس" أحد أبرز النواب الجمهوريون، فضلاً عن ثلاثة أفراد من العرقية السوداء خلال السنوات الثلاث الماضية.

ثالثاً- مواجهة التحدي

لا يزال الإرهاب أقل شيوعاً اليوم مما كان عليه خلال السبعينات؛ حيث نفذت جماعات وحركات منظمة نسبياً مثل الـWeather Underground  مئات التفجيرات وعمليات الاختطاف، ففي عام 1975 أعلنت عن تنفيذ حوالى 25 عملية تفجير.

وتكمن المشكلة في عدم اعتراف القيادة الأمريكية و المسئولين من الجمهوريين بهذه المخاطر، بل يتم التعويل على نظريات المؤامرة، ومن هنا تتحول السياسة إلى شكل أكثر راديكالية. ولكن لا يمكن معالجة هذا التهديد الإرهابي بالتركيز على الأيديولوجية الجهادية، ولا حظر السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية من قبل مواطني أمريكا اللاتينية، أو الحديث عن القضايا العالمية داخل المنازل الأمريكية. لكن تتطلب مواجهة التهديدات الإرهابية الحالية التركيز أكثر على التطبيق الفعال للقانون، ومناقشة حقيقية للمخاطر الناجمة عن حمل الأسلحة الشخصية، فضلاً عن سياسات لتنظيم الطرق التي يمكن من خلالها مساعدة وسائل الإعلام على الحد من نشر العنف، التشجيع على تقبل الأخر، والنظر في السبل التي دفعت السياسة العالمية نحو التطرف والراديكالية.

فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، نجحت الحكومة الأمريكية في الحد من قدرة المنظمات الإرهابية الأجنبية على القيام بعمليات إرهابية داخل الولايات المتحدة الأمريكية، لكن مهمة مساعدة المجتمع الأمريكي على مواجهة التهديد الإرهابي الجديد قد تكون أكثر صعوبة.

By Peter Bergen and David Sterman, The Real Terrorist Threat In America: It’s No Longer Terrorist :Group, October 30, 2018,  Foreign Affairs, available at https://www.foreignaffairs.com/articles/united-states/2018-10-30/real-terrorist-threat-america


شارك