كيف يتعاطى الساسة الأمريكيون مع ملف الهجرة في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس؟!

الأربعاء 07/نوفمبر/2018 - 06:54 م
طباعة كيف يتعاطى الساسة
 
محمود جمال عبد العال

تتسارع الحملات الانتخابية الأمريكية للتجديد النصفي للكونجرس بين الديمقراطيين والجمهوريين. وتركز حملة الحزب الجمهوري على ملف الهجرة؛ حيث أعلن الرئيس "ترامب" في كثير من جولاته الانتخابية لدعم مرشحي حزبه أنه سيتخذ العديد من القرارات الحاسمة التي تتعلق بقضية التجنيس والهجرة مثل عزمه إصدار أمر تنفيذي يمنع حق التجنيس بمجرد الولادة وفق قانون الهجرة والتجنيس المُعدل عام 1968 بالإضافة إلى الحملة الشرسة التي يقودها على الهجرة غير القانونية القادمة من المكسيك. على الناحية الأخرى، انتقد الرئيس السابق "باراك أوباما" في تجمع انتخابي في ميامي سياسات الإدارة الأمريكية الحالية تجاه ملفات الهجرة خاصة بعد عزم "ترامب" مواجهة قافلة الهجرة القادمة من أمريكا الوسطى عبر المكسيك بالقوة العسكرية. واعتبر "أوباما" أن ما يقوم به الحزب الجمهوري ما هو إلا محاولة لصرف الأنظار عن أخطاء الإدارة الجمهورية خلال العامين الماضيين.

انطلاقًا مما سبق، سيطرح هذا التحليل تساؤلات تتعلق بكيفية تعاطي الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي مع ملف الهجرة، وأهمية انتخابات التجديد النصفي للكونجرس بالنسبة لتطورات السياسة الأمريكية.

انتخابات التجديد النصفي: الأهمية ودلالات التوقيت

تكتسي انتخابات التجديد النصفي أهميتها في ظل التغيرات الهيكلية التي طرأت على النظام السياسي الأمريكي ككل خلال العامين الماضيين؛ حيث ظهر "ترامب" بنمط الرئيس الشعبوي الذي يُمكن أن يهدد النموذج الليبرالي الذي حرصت الولايات المتحدة على تقديمه للعالم.

علاوة على ما تقدم، يسعى "ترامب" للفوز بهذه الانتخابات لتأكيد شعبيته؛ إذ يعتبر هذه الانتخابات حملة انتخابية مبكرة لترشحه للانتخابات الرئاسية 2020. من ناحية أخرى، يرى "ترامب" أن هذه الانتخابات تمثل اختبار حقيقي لسياساته الشعبوية خلال العامين الماضيين خاصة في ظل استطلاعات الرأي التي تقلل من إنجازاته بل وتعتبره الأسوأ تقييمًا بين الرؤساء الأمريكيين لذا تعتبر هذه الانتخابات استفتاءً على سياساته في الفترة السابقة.

في السياق ذاته، يخشى "ترامب" من نتائج هذه الانتخابات خاصة في ضوء انتظار تحقيقات لجنة "مولر" التي تنظر في المخالفات التي ارتكبتها حملة "ترامب" الرئاسية لا سيما أن المحللين السياسيين يتوقعون تمكن الحزب الديمقراطي بالفوز بأغلبية مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي التي بدأت في 6 نوفمبر/تشرين الثاني. ويُمكن للديمقراطيين في حال فوزهم بأغلبية مجلس النواب اتخاذ إجراءات العزل التي تتطلب أغلبية بسيطة (50%+1)، ومن ثم إحالته لمجلس الشيوخ الذي يلزمه موافقة الثلثين.

محاولة لجذب الأصوات

بدا جليًا الخلاف الجمهوري الديمقراطي في العديد من الملفات في ختام أنشطة الحملات الانتخابية لانتخابات التجديد النصفي، وهو ما بدا في خطابي "ترامب" و"أوباما" الانتخابيين في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2018؛ حيث أظهرا رؤيتين متناقضتين تمامًا لمستقبل الولايات المتحدة خلال الفترة المقبلة خاصة فيما يتصل بالتعاطي مع قضايا الهجرة.

ويرى كثير من المحللين والمتابعين أن هذه الخطابات تعبر عن حالة مؤقتة من أجل جذب أعداد كبيرة من الأصوات في الانتخابات التي يهدف الحزب الجمهوري إلى الاحتفاظ بحصته من المقاعد التي تضمن له الأغلبية داخل مجلسي الكونجرس. ويتأكد ذلك بكثير من التعهدات والتصريحات التي أدلى بها "ترامب" في حملته الانتخابية عام 2015، ولكنه وجد صعوبة في تنفيذها بعد الدخول إلى المكتب البيضاوي مثل ما حدث في حالات إقامة جدار على الحدود الأمريكية المكسيكية، أو منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة.

سياسات ترامب تجاه ملف الهجرة

حدد "ترامب" سياسة قاسية حيال الهجرة في كثير من التجمعات السياسية، ويرى معارضيه أنه قد رسم بذلك صورة قاتمة لدى الساعين للهجرة إلى الولايات المتحدة التي اعتمدت منذ تأسيسها على المهاجرين. واعتبر "أوباما" في أحد جولاته الانتخابية أن خطاب "ترامب" حول الهجرة يثير الانقسام بين فئات الشعب الأمريكي. وسنحاول فيما يلي الإشارة إلى مواقف "ترامب" المختلفة فيما يتعلق بسياسات الهجرة منذ سطوع نجمه السياسي أثناء حملته للانتخابات الرئاسية عام 2015.

1-     منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة: استخدم "ترامب" لغة مختلفة تمامًا عن سابقيه مع العرقيات والقوميات المختلفة. بدا ذلك منذ خطابه الأول تجاه مسلمي الولايات المتحدة الذين تعامل معهم كمهدد لأمن الولايات المتحدة خلال خطابه في حملته الرئاسية 2015. وفي هذا الإطار، أعلن قرارًا تنفيذيًا، تصدت له المحاكم فيما بعد، يقضي بحظر دخول 8 جنسيات من الدول الإسلامية للولايات المتحدة الأمريكية.

2-     خطابه الدعائي ضد المهاجرين المكسيك: دعا "ترامب" خلال حملته للانتخابات الرئاسية 2015 إلى إقامة جدار عازل على طول الحدود بين بلاده والمكسيك. وتصدر الحديث عن هذا الجدار زيارة "ترامب" للمكسيك فيما بعد. وهدف "ترامب" من وراء هذا الجدار إنهاء الهجرة السرية من المكسيك إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث دائمًا ما كان يتهم "ترامب" المكسيكيون الذين يتسللون عبر الحدود الأمريكية المكسيكية باللصوص.

3-     فصل أطفال المهاجرين عن ذويهم: أثارت الخطوة التي أقدم عليها "ترامب" بفصل أطفال المهاجرين غير النظاميين عن ذويهم عند الحدود الأميركية المكسيكية حفيظة حملة من الانتقادات الحادة على المستويين المحلي والدولي (1)، وانتقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذه الخطوة مما تبعه قرار واشنطن بالانسحاب من عضويته. وعلى المستوى الداخلي، رفض الديمقراطيون سياسة "عدم التسامح" التي أعلنت عنها إدارة ترامب تجاه المهاجرين غير الشرعيين، ونجح ضغط الرأي العام فيما بعد إجبار "ترامب" على إصدار أمرًا تنفيذيًا يقضي بإعادة الشمل بين أبناء المهاجرين غير الشرعيين وذويهم. (2)

4-     التعهدات بتعديل قانون التجنيس والهجرة: أثارت تصريحات "ترامب" حول قانون التجنيس والهجرة وتعديلاته عام 1968 في أحد حملاته الترويجية لأعضاء حزبه في انتخابات التجديد النصفي حالة من الارتباك؛ حيث أعلن "ترامب" أنه سيعمل على إصدار أمر تنفيذي يقضي بمنع حق حصول الأطفال المولودين في الولايات المتحدة لأبوين غير أمريكيين أو مهاجرين بطريقة غير شرعية على الجنسية الأمريكية. وقال ترامب في أحد تصريحاته لوكالات الأنباء إن مستشاريه أكدوا له أن اتخاذ هذا القرار من بين سلطاته كرئيس للولايات المتحدة. على صعيدٍ آخر، يرى الخبراء القانونيون أن المواد الدستورية المتعلقة بحق منح الجنسية للمولودين على الأراضي الأمريكية لا يمكن إلغاؤها بدون موافقة الكونجرس. (3) جدير بالذكر أن التعديل الرابع عشر من الدستور الأميركي ينص على اعتبار "جميع الأشخاص المولودين في الولايات المتحدة أو الحاملين لجنسيتها والخاضعين لسلطتها القضائية، مواطنين للولايات المتحدة ومواطنين للولاية التي يقيمون فيها". ويُمكن أن تثير أي خطوة يُقدم عليها "ترامب" في هذا الشأن تحركات قانونية من المحاكم الأمريكية خاصة محاكم الولايات (4).

5-     تهديداته لقافلة الهجرة القادمة من أمريكا الوسطى: تشهد انتخابات التجديد النصفي اختبارًا جديدًا يتعلق بقافلة المهاجرين التي انطلقت من أمريكا الوسطى؛ حيث تجمع أكثر من 3500 شخصًا في هندوراس وقرروا عبور الحدود المكسيكية للوصول إلى الحدود الأمريكية. استغل "ترامب" هذه الواقعة لاتهام الديمقراطيين برفض تعديلاته على قانون الهجرة. ورفض "ترامب" القافلة وأهدافها، وقام بمضاعفة القوات المرابطة على الحدود، وطلب من جنوده المنتشرين على هذه الحدود إطلاق النار على المهاجرين من أمريكا الوسطى، الذين قد يرشقونهم بالحجارة خلال محاولتهم دخول الولايات المتحدة بطريقة غير شرعية، ولكنه تراجع عن هذا التهديد فيما بعد خاصة بعد حملة الانتقادات والرفض التي تعرض لها.(5)

6-     التعهد بتعديل قوانين اللجوء: تعهد "ترامب" بالنظر في قوانين اللجوء الأمريكية، وذلك من خلال إدخال تعديلات تسمح للسلطات الأمريكية بوضع طالبي اللجوء في معسكرات وخيام على الحدود إلى أن يتم البت في أمرهم سواءً بالترحيل أو الموافقة على الطلب. (6)

ختامًا؛ يعتبر البعض أن السياسات التي يتبناها "ترامب" تمثل عودة سريعة للحقبة الانعزالية التي تبنتها واشنطن قبل الحرب العالمية الثانية؛ حيث مثَّل تطبيق نظام منح الجنسية للمولودين في الأراضي الأمريكية عام 1968 بداية لعصر القوة الأمريكي، وتلاشي للنفوذ الفرنسي والبريطاني. وتتأكد الانعزالية بالسياسات المتبعة في عهد "ترامب" مثل تعهداته بإدخال تعديلات على قوانين التجنيس والهجرة، واللجوء. ومن المؤكد أن رؤية الجمهوريين المتشددة تجاه قوانين الهجرة ستفقدهم دعم الناخبين اللاتينيين الذين سيتجهون صوب الحزب الديمقراطي الذي يبدوا أكثر تسامحًا مع قضاياهم.

الهوامش

1.       قاض أمريكي يأمر إدارة ترامب بلم شمل أسر المهاجرين خلال 30 يومًا (25/6/2018)، BBC عربي، على الرابط:

                                                                                                           http://www.bbc.com/arabic/world-44626389

2.       محمود جمال عبد العال، الارتداد للخلف: دوافع ومآلات انسحاب الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان (26/6/2018)، المركز العربي للبحوث والدراسات، على الرابط:                                http://www.acrseg.org/40797  

3.       ترامب ينوي منع حصول أطفال المهاجرين المولودين في أمريكا على الجنسية (30/10/2018)، BBC عربي، على الرابط:                                                                                        http://www.bbc.com/arabic/world-46035669

4.       علياء عصام، قرار إلغاء منح الجنسية.. هل يعود ترامب بأميركا للحقبة الانعزالية بتكرار تجربة تاتشر؟ (1/11/2018)، المواطن، على الرابط:                                                                                         https://goo.gl/ajevSN

5.       ترامب وأوباما يقودان الحملات الانتخابية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس (2/11/2018)، رويترز، على الرابط:                                                                   https://ara.reuters.com/article/worldNews/idARAKCN1N729I

6.       ترامب يهدد بإطلاق النار على المهاجرين إذا رشقوا الجنود بالحجارة (2/11/2018)، DW عربي، على الرابط:

                                                                                                                                                     https://goo.gl/8NQixx

شارك