النظام العالمي الجديد... تراجع أمريكي وتقدم أوروبي أسيوي

الجمعة 09/نوفمبر/2018 - 06:05 م
طباعة النظام العالمي  الجديد...
 
إيفو دالدر ، جيمس ليندسي – ترجمة: مرﭬت زكريا

لقد هُدم نظام السياسة الدولية القائم منذ قيام الحرب العالمية الثانية؛ حيث تريد عدة قوى من بينهم روسيا والصين إعادة تشكيله بما يتوافق مع مصالحهم، في حين تتطلع قوى ناشئة مثل البرازيل والهند إلى أن تصبح قوى عظمى مع تجنب المسئوليات المترتبة على هذه المزايا. وأخرى تتحدى الوضع القائم من خلال رفض أوضاعه ومحاولة تغييرها مثل كوريا الشمالية وإيران، وتحاول المنظمة الأممية جاهدة في مضمار كل هذه التحولات معالجة كل هذه القضايا الشائكة حتى لا تتفاقم.

وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي السابق "هاري ترومان" حظي بالزعامة العالمية على خلفية تعاونه مع حلفاءه الأوروبيين، إلا إنه مع قدوم "دونالد ترامب" تغير كل شيء بما فيها الالتزامات الأمنية لواشنطن تجاه حلفاءها، تحدى أسياسيات نظام التجارة العالمي، التخلي عن الديمقراطية والحرية بوصفها ملامح مميزة للسياسة الخارجية الأمريكية، فضلاً عن عدم الرغبة في تحمل أعباء قيادة العالم.

وظهرت ملامح ذلك خلال انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في 6 نوفمبر/تشرين الثاني لعام 2018، من خلال تعاطى إدارة "ترامب" مع واحد من أهم الملفات الدولية ألا وهو الهجرة والتجنيس؛ حيث أعلن "ترامب" عن رغبته في منع حق التجنيس بمجرد الولادة وفق قانون الهجرة والتجنيس المُعدل عام 1968 بالإضافة إلى الحملة الشرسة التي يقودها على الهجرة غير القانونية القادمة من المكسيك. ومن هنا فقد الحلفاء التقليدين للولايات المتحدة الأمل في قدرتها على قيادة النظام العالمي.

 لكن يُشير بعض المحللين إلى إمكانية استفادة الحلفاء من قدرتهم الاقتصادية والعسكرية الجماعية لإنقاذ النظام الليبرالي العالمي؛ ففرنسا، ألمانيا، إيطاليا، المملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي في أوروبا؛ استراليا واليابان وكوريا الجنوبية في آسيا فضلاً عن كندا في أمريكا الشمالية (مجموعة التسع)، مؤهلين لقيادة العالم، باعتبارهم مجتمعين القوة الاقتصادية الأكبر، التي تتفوق قدراتها العسكرية على الولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى الرغم من أن تعزيز  التعاون الاقتصادي هو نقطة البداية  للتضامن بين هذه الدول، إلا أنها يمكن أن تذهب أبعد من ذلك إلى القيام بدور الولايات المتحدة الأمريكية من زيادة مستوى التعاون والانفاق الدفاعي، فضلاً عن استخدام مجموعة متنوعة من الأدوات المتاحة للقيام بدور الولايات المتحدة الأمريكية كمدافع ومروج للديمقراطية و حقوق الإنسان في العالم.  

أولاً- نبذة عن النظام الدولي الذي صنعته الولايات المتحدة الأمريكية

لم يكن النظام العالمي القائم على القواعد الحالية عشوائي، بل كان نتيجة اختيارات متعمدة، في محاولة لتجنب الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الأولى؛ حيث بنى "ترومان" وحلفاءه نظام دولي يستند على الأمن الجماعي، الأسواق المفتوحة والديمقراطية، فضلاً عن استراتيجية راديكالية تثمن التعاون القائم على المنافسة، وازدهار أوضاع الدول التي تسير على خطى واشنطن، وفيما يلي إبراز لأهم محددات هذا النظام:-

أولاً: على الرغم من أن النظام الذى وضعت واشنطن أسسه لم يكن مثالياً، إلا أنها تجاهلت خطابها المعسول من أجل مصالح ضيقة أو سياسات مضللة، من ناحية أخرى كان نظام ما بعد الحرب الباردة ناجحاً نسبياً؛ حيث أعاد بناء أوروبا و اليابان، اتسع في ظله نطاق الحرية و الديمقراطية و أصبح مفتوحاً للجميع.

ثانياً: خلق نجاح النظام العالمى الذى صاغته واشنطن ضغوطاً جديدة تمثلت في النمو السريع لحركة السلع والأفكار عبر الحدود، ومع انضمام العديد من الدول إلى هذا النظام، أدى ذلك لنشأة مشكلات جديدة تمثلت في تغير المناخ والهجرة غير الشرعية. لكن أدى التعاون فيما بين الدول المتقاربة جغرافياً مثل الاتحاد الأوروبي، إلى تعزيز الجهود الرامية إلى خلق أرضية مشتركة حول قضايا هامة مثل التجارة والإرهاب، وأثار  الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ، الأزمة المالية العالمية في 2008 الشكوك حول جدوى القيادة الأمريكية للعالم و اتجاهاتها.

أبرز وصايا "أوباما"

حث الرئيس الأمريكي الأسبق "باراك أوباما" عند مغادرة البيت الأبيض في عام 2017 خليفته على تبني مبداً لا غنى عنه حتى تستمر القيادة الأمريكية للعالم تمثل في؛ "الأمر سيعود لنا، من خلال الحفاظ على النظام الدولي الموجود منذ نهاية الحرب الباردة، الذي يعتمد عليه أمننا و سلامتنا". لكن اتخذ "ترامب" منهج مخالف معتبراً أن القيادة العالمية هي المصدر الأساسي لمشكلات الولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن تمحور هدف حلفاء واشنطن حول الاستفادة من قوتها العسكرية، و استغلال الاتفاقيات متعددة الأطراف لسرقة الوظائف الأمريكية.

التخلي عن الحلفاء

أظهر اختيار "ترامب" للساسة والمسئولين مثل وزير الدفاع "جميس ماتيس" ووزير الخارجية  "ريكس تيرسلون"، وانسحابه من اتفاقية الشراكة عبر الهادي، اتفاق باريس بشأن تغير المناخ، الاتفاق النووي الإيراني فضلاً عن التشكيك في قيمة " الناتو " أنه لا يرغب في قيادة النظام العالمي القائم على التعاون مع الحلفاء. لكنه في الواقع يخسر المزايا العديدة التي استمدتها الولايات المتحدة الأمريكية من  هذه القيادة مثل؛ القدرة على صياغة القواعد العالمية لصالحها، الاعجاب والثقة التي تأتي من الدفاع عن الحرية، الديمقراطية وحقوق الإنسان.

على صعيد آخر، يوفر استبعاد الحلفاء فرصة أمام الأعداء مثل الصين لإعادة صياغة قواعد النظام العالمي لصالحها؛ حيث وضعت الصين نفسها كمدافع عن نظام التجارة العالمي، البيئة والقانون الدولي، ومن المرجح أن تنجح بكين في ذلك. فعلى الرغم من أنه لدى الصين عدد لا بأس به من التحديات الداخلية مثل المعدل المرتفع من البطالة، عدم المساواة، نظام سياسي هش، لكن وجود نظام عالمي بلا قائد وقائم على المنافسة يطرح مخاطر كبيرة، و بطبيعة الحال لن تدفع واشنطن وحدها ثمن العودة إلى هذا النظام.

ثانياً- سعى أوروبي لتشكيل نظام عالمي جديد

أصبحت هناك عدة عقبات بسبب تخلى الولايات المتحدة الأمريكية عن قيادة العالم، واظهرت سياسات "ترامب" مقدار الجهود التى قدمها الحلفاء من أجل بقاء هذا النظام وما الذي يمكن أن يفقدوه مع انهياره. ومن هنا، سعت هذه الدول لاسترضاء القيادة الأمريكية، على الرغم من الخلافات الجوهرية العميقة، لكن في النهاية لم تنجح كل هذه الجهود الرامية للتوصل إلى حل وسط.

في السياق ذاته، يجب أن يركز حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية على كيفية العمل مع واشنطن و العمل بدونها. وبالفعل فرضت هذه الدول مجموعة من السياسات الحمائية ضد "ترامب" فيما يخص الجانب التجاري، في الوقت الذى تشكل فيه مجموعة الـ 9 حوالى 30% من الواردات و الصادرات العالمية، أي أكثر من ضعف حصة الصين والولايات المتحدة الأمريكية مجتمعين.

ويعد التعاون الاقتصادي هو المفتاح الوحيد لمواجهة سياسات "ترامب". فبعد أن انسحبت واشنطن من اتفاقية الشراكة عبر الهادي( TTP ( قادت استراليا، كندا واليابان الجهود لإنقاذ الصفقة كقوة موازية للصين. وفي أوائل عام 2018 وافق الأعضاء الـ 11 المتبقون على ميثاق منقح أبقى على معظم البنود الخاصة بالاتفاق؛ ستخلق السوق الناشئة منطقة تجارة حرة من حوالى 500 مليون شخص تشكل 15% من حجم التجارة العالمية، كما اعربت عدد من الدول الأخرى مثل كولومبيا، اندونسيا، كوريا الجنوبية وتايلاند عن اهتمامها للانضمام إلى ما يسمى (TTP 11).

                ويعتبر الاتحاد الأوروبي شريكاً أساسياً لهذه المجموعة؛ حيث تم التفاوض على إتفاقيات تجارية منفصلة مع كندا، اليابان و كوريا الجنوبية، وأسست الاتفاقية الأوروبية اليابانية سوقاً من 600 مليون شخص، وبذلك تكون أكبر منطقة اقتصادية مفتوحة حول العالم.

في السياق ذاته، تعمل هذه الاتفاقيات على تكثيف المنافسة بين القوى الصاعدة من أوروبا و أسيا. وعلى الرغم من أن هذه الدول تتفوق على واشنطن في الوصول إلى الأسواق، ولكنهم بحاجة للتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الحاجة إلى إصلاح منظمة التجارة العالمية، لاسيما وأنهم يتشاركون مخاوف مشروعة حول النظام التجاري العالمي، خاصًة عندما يتعلق الأمر  بالصعود الصيني.

ثالثاً- تحدى التمسك بالمبادئ الديمقراطية

تعرضت الديمقراطية الليبرالية للهجوم  بعد عقود طويلة من التقدم في جميع أنحاء العالم. لكن تتحدى الدول الاستبدادية القواعد و الأفكار العالمية المتعلقة بالحرية، وتوضح أن نظمها الاجتماعية و السياسية تسير بطريقة أفضل من الديمقراطية الليبرالية. أدى ما سبق، إلى صعود الحركات الشعوبية حتى داخل الديمقراطيات الراسخة، فضلاً عن تحدى أزمة اللاجئين و الهجرة للمعايير الدولية والليبرالية المتعلقة بالتسامح والتنوع، لكن فقدان الولايات المتحدة كزعيم عالمي قوى ربما يكون التغيير  الأكبر.

فعلى مدى 70 عاماً تقاسم الحلفاء الغربيون الالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان، واعتبروا أن تقدمهم على المستوى الدولي يعد بمثابة اسهام أساسي في السلام و الازدهار العالمي، ومن هنا، باتت مجموعة التسع مُلزمة بالاستمرار في هذا الطريق حتى لو اتجهت واشنطن إلى جانب أخر، خاصًة في سياق المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة و البنك الدولي.

و تحتاج الدول التسع إلى إبراز نفوذها وقوتها من خلال استخدام التفضيلات التجارية والمساعدات الانمائية كوسيلة ضغط؛ ففي عام 2017 انفقت هذه الدول أكثر من 80 مليار دولار  على المساعدات الانمائية الرسمية، أي أكثر من ضعف ما انفقته الولايات المتحدة في هذا العام. وينبغي أن تنفق هذه المساعدات للدفاع عن قيم مثل الديمقراطية، الحرية وحقوق الإنسان.

وسيتعين على مجموعة الـ 9 استخدام القوة العسكرية المستقلة عن واشنطن؛ حيث قادت فرنسا والمملكة المتحدة تدخلات عسكرية لأغراض إنسانية، خاصةً في شمال وغرب أفريقيا، في حين وافقت بريطانيا و فرنسا بالإضافة إلى سبعة حلفاء أخرين من الاتحاد الاوروبي على إنشاء قوة عسكرية مشتركة للتدخل في أوقات الأزمات، وهذه خطوة يمكن أن تكون نموذج لتعاون أخر.

رابعاً- محددات حماية النظام العالمي القائم

ستحتاج مجموعة الـ 9 إلى اضفاء طابع مؤسسي على تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، من خلال مؤتمرات سنوية للقيادات، وزراء الخارجية والدفاع لمنح ثقل و أهمية لجهود هذه المجموعة، وفيما يلي توضيح لأهم هذه المحددات:-  

1-    تعزيز التعاون بين دول الـ 9

يمكن لمجموعة الـ 9 أن تعمل على تشكيل تجمع رسمي في المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، منظمة التجارة العالمية ومجموعة العشرين. وفي إطار تعزيز العلاقات الرسمية و التعاون بين هذه الدول، يجب عليهم تجنب الظهور بشكل حصري، و الترحيب في كل الأوقات بمشاركة ودعم الدول ذات التفكير المماثل، بما فى ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن ضرورة أن يتمحور الهدف الحالي لهذه المجموعة حول دعم النظام و إعادة تنشيطه، وليس لإنشاء نظام جديد.

2-    استحضار الإرادة السياسية   

تتمثل العقبة الرئيسة التي ستواجه دول مجموعة الـتسع في الافتقار إلى الإرادة السياسية للدفاع عن بقاء النظام الحالي؛ لقد حثت الولايات الإدارة الأمريكية حلفاءها من الأسيويين لتحمل بعض الضغوط عنها، ولكن قوبل معظمها بالرفض و الأعذار. في السياق ذاته، تحاول دول مثل المانيا و اليابان التغيير من سياسة الولايات المتحدة الامريكية، ولكنها تظل غير مهيأة لتحمل المزيد من المسئولية؛ حيث تميل الدول الأوروبية إلى النظر لمشكلاتها الداخلية، في حين تفضل الدول الأسيوية التعامل مع واشنطن بشكل ثنائي بدلاً من التعاون مع بعضهم البعض.

3-     مواجهة السياسات الأحادية

يميل حلفاء الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات على أمل إلا يفعل "ترامب" ما يهدد به أو يتولى رئيس جديد السلطة في 2021 ؛ حيث تعتقد الإدارة الأمريكية أن سياساتها أحادية الجانب و الموالية لفكرة القومية حققت انتصارات كبيرة للإدارة الأمريكية، لكنه لا يعلم الثمن الذي سيدفعه من أجل استعادة الدور العالمي للولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى.

فعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي  الأخيرة الصادرة عن مجلس "شياغكو" للشئون العالمية وغيرها اظهرت رفض الرأي العام الأمريكي لأجزاء حاسمة من السياسة الخارجية الإيرانية مثل "أمريكا أولاً"، الدعم الموجه لجماعات معينة في الشرق الأوسط، من الممكن أن يتم اختيار  رئيس جديد يُفضل البقاء على نفس محددات السياسة الخارجية الحالية.

4-    الترحيب ببقاء الولايات المتحدة الأمريكية داخل النظام

أفضل ما يمكن أن تفعله مجموعة التسع هو ترك الباب مفتوحاً أمام عودة الولايات المتحدة الامريكية في أي وقت، لأن التحديات التي تواجه نظام ما بعد الحرب الباردة خطيرة للغاية، ومن هنا، تتجلى أهمية العمل الجماعي من أجل التصدي للتحديات الموجودة على الساحة العالمية التي تتمثل في الحفاظ على الأسواق المفتوحة، تحدى الانحدار الديمقراطي. لكن تواجه الكيانات السياسية للدول التسع ضغوط و متطلبات سياسية مما يجعلها تتصرف بشكل غير متجانس، ومن هنا قدراتها ستظل محدودة مقارنة بدولة في حجم الولايات المتحدة الأمريكية.

على الناحية الأخرى، من المتوقع الا تحاول الدول التسع الحفاظ على النظام الدولي القائم فحسب، بل ستعمل على تحقيق ثباته و استقراره. ولذلك، يجب أن يعرف قادة الحلفاء أنهم بحاجة إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات، لأن زوال النظام الليبرالي سيكلف الولايات المتحدة الامريكية الكثير؛ حيث ستشد المنافسة فيما بين القوى العظمى، و الوقت الحالى هو  الأنسب بالنسبة للدول الأوروبية للإصرار على تحديد مصيرهم بأنفسهم.  

By Ivo H. Daalder and James M. Lindsay, The Committee to Save the World Order: America’s Allies Must Step Up as America Steps Down, Foreign Affairs, November/December 2018 Issue, available at:

 https://www.foreignaffairs.com/articles/2018-09-30/committee-save-world-order?cid=int-nib&pgtype=hpg

شارك