جولات الشقاق والوفاق ومستقبل جنوب السودان

السبت 10/نوفمبر/2018 - 06:50 م
طباعة جولات الشقاق والوفاق
 
نسرين الصباحي

بعد أقل من عامين من استقلال جنوب السودان عن السودان في عام 2011، اندلعت اشتباكات بين القوات الموالية للسيد سلفاكير ومن يدعمون رياك مشار، واندلعت الاشتباكات في حرب أهلية قسمت البلاد على أسس عرقية، حيث دعمت الأغلبية من الدينكا السيد كير، بينما  تحالفت النوير مع مشار.

        تم الاحتفال باتفاق السلام في 31 أكتوبر 2018، المُوقع فى الثانى عشر من سبتمبر 2018 فى أديس ابابا، وعلى هامش هذا الاحتفال تم عودة مشار منذ أكثر من عامين لتطبيق اتفاق السلام المنعقد، أطلق سراح المتعلقين السياسيين ( جو العفو من الاحتفال بالاتفاق )، وكان هناك حضور النوعي من 5 رؤساء أفارقة . فأنهى هذا الاتفاق سنوات من الحرب وإراقة الدماء والمعاناة لشعب جنوب السودان، وحسب الممثل العام للأمم المتحدة في جنوب السودان، " ديفيد شيرر “، أن هناك إشارة للوحدة من رؤية الأطراف التي سبق أن قسمت بسبب الصراع، تجتمع الآن في جوبا، الثقة باعتبارها خطوة خطوة أساسية للمضي قدماً . (1)

                 وفقاً لما سبق، نحن بصدد توضيح : عيوب الاتفاقيات السابقة، القضايا الخلافية ( السلطة والثروة ) ؟ هل هناك دور مصري فى انجاز السلام فى جنوب السودان ؟ وهل تجاوز أصعب ملفات الصراع أم مازال ؟ وماهي مدى جدية جنوب السودان للسلام؟ وهل حدث توافقات جديدة؟ وهل هناك ضامن دولي وإقليمي لاتفاق السلام؟ ما مستقبل هذا الاتفاق ؟ ماذا فى حالة فشل الاتفاق؟ وهل يصمد الاتفاق هذه المرة ؟

أولاً - محطات الأزمة .. ضرورة تدخل السودان و هيئة الإيجاد

    يوليو عام 2011: الانفصال، ديسمبر عام 2013 :حرب أهلية وصراع بين سلفاكير ورياك مشار ،عام 2014 :مفاوضات بين الجانين فى أديس ابابا دون جدوى، عام 2015 :توقيع اتفاق سلام بوساطة دولية ،عام 2016 إقالة رياك مشار وفراراه إلى الكونغو، مايو عام2017 إعلان سلفاكير وقف إطلاق النار، أغسطس عام 2018 : إعلان اتفاق بالأحرف الأولي فى الخرطوم، سبتمبر عام 2018 : اتفاق سلام نهائي فى أديس ابابا لا نهاء الحرب . (2 )  

        فإخفاق الإيجاد يسمح بدخول الدول الاستعمارية الأخرى للتدخل باعتبارهم شركاء للإيجاد، والسودان هي الدولة الوحيدة التي تستطيع حل هذا الصراع على الرغم من العديد من الانتقادات التي تم التوجيه إليها، ومحاولة ربط استقرار الجنوب بالسودان، الإيجاد هي التى دفعت الفرقاء بتوقيع اتفاق السلام، ولذلك قادة الجوار هما جزء من الحل ولذلك شاركت السودان بجيشها في مقاومة حركة المعارضة في الجنوب ،ومن المنوط للإيجاد نشر قوات في مناطق مختلفة .

ثانياً- الاتفاق الجديد ..آلية تقسيم السلطة

          وتمثل الاتفاقية الجديدة تحولاً ملحوظاً من اتفاق السلام الشامل الموقع فى عام 2005 واتفاق الاستقلال عام 2011، وجميع الاتفاقيات السابقة تفترض أن السودان هى مصدر المشكلة، وأن السودان يجب أن تنعزل إذا كان هناك سلام فى جنوب السودان، وانتقال المعارضين للشمال وكان لازماً لإغلاق هذه الثغرة الاعتراف أولاً بأن السودان جزء من الحل وليس المشكلة(3 )  .

        وقامت الهيئة الوطنية للتنمية فى شرق أفريقيا ( إيجاد )، بدور الوساطة، والضامن لهذا الاتفاق : السودان بزعامة البشير، أوغندا ( يورى موسيفينى )، ويعد الاتفاق خطوة أولية للتأهيل الإقليمي والعالمي للسودان، وفقاً للاتفاق يتم تشكيل حكومة انتقالية وإعادة رياك مشار إلى منصبه السابق كنائب للرئيس (4 ) .

          حيث تضمن الاتفاق الموقع فى الخامس من أغسطس لعام 2018 فى الخرطوم خمسة بنود أساسية : تقاسم السلطة على مستوى رئاسة الجمهورية، على أن يستمر سلفاكير رئيساً لدولة جنوب السودان خلال المرحلة الانتقالية لثلاث سنوات تعقبها انتخابات عامة، فى حين يتولى رياك مشار زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان ( المعارضة ) النائب الأول، وهناك أربعة نواب آخرون متمثلة فى : الحكومة، تحالف المعارضة ( تسع فصائل سياسية مسلحة )، المعتقلين السياسيين، وتقسيم السلطة وفقاً لاتفاق التجسير بين البلدين بأن تكون الانتخابات حرة ومفتوحة لكل الشعب الجنوب سوداني . بينما توزيع المهام والصلاحيات : النائب الأول : يهتم بشؤون الحكم، الثانى : الاقتصاد، الثالث : الخدمات ،الرابع : البنى التحية، أما الاخير بشؤون النوع والشباب، أما مجلس الوزراء : يتألف من 35 وزيراً، 20 وزير للحكومة ومختلف فصائلها، 9 للحركة الشعبية، 3 لتحالف المعارضة، 2 للمعتقلين السياسيين ،1للأحزاب السياسية، 10 نواب : لوزارات الخارجية، المالية، الإعلام، الزراعة، التعليم، العدل، 5 للحكومة، 3 رياك  مشار، 1 لكل من تحالف المعارضة والأحزاب السياسية .

ثالثاً-  مُستقبل السلام فى جنوب السودان .. مُقومات الصمود

      فمعظم الاتفاقات السابقة كانت تتعلق بوقف إطلاق النار ،ولها بدايات متعثرة ونهايات فاشلة من خلال الصراع على السلطة وليس على المبادئ ،فالقيادات تتصرف كزعماء جماعات أثنية وليس قيادات، وتبادل السيطرة على الدولة، ويتم الخروج على هذا الاتفاق من قبل الاطراف . وحسب تقارير الفاو والأمم المتحدة تعانى جنوب السودان من المجاعة، وتعثر الوضع بين مشار وكير، لابد أن يكون  اتفاق شامل لتحديد اساس الدولة، ونلاحظ دور مصر من حيث إنشاء تدريب، نزع السلاح، إعادة الإدماج ومشروعات التنمية، برامج مساعدات إنسانية وتوفير الخدمات الطبية .

 فهل من السهولة إدماج الفصائل المسلحة في الجيش؟ هل من الممكن أن تذوب في جيش وطني موحد؟ فأي اتفاق ينهار بسبب المواجهات العسكرية ؟

     والمراقب للوضع فى جنوب السودان، يلاحظ أن هناك ثلاث سيناريوهات للسلام وذلك على النحو التالي : أولاً : سلام هش :أقرب لدولة الكونغو الديمقراطية، ثانياً : حرب الكل ضد الكل : وغياب للرؤية الوطنية  فى شكل المؤسسات والمواطنة والمساوة والخدمات، الولاء الشخصي للحاكم، توقف صادرات البترول والحرب و زيادة أعداد اللاجئين، ثالثاً : التوقف عن القتال والوصول إلى مائدة المفاوضات : ويتطلب ذلك إرادة سياسية قوية وجهود للإيجاد وشركائها والتعاون الدولي، الشراكة بين المؤتمر الوطني و الحركة الشعبية لتحرير السودان (المعارضة) على غرار نيفاشا  فهي عملية تطورية لا يوجد فائز ولكن تعايش سلمى كما حدث بين إثيوبيا وإريتريا  .فضلاً عن التنسيق بين  الأمم المتحدة  والاتحاد الأفريقي وإيجاد لوضع قوات حماية لوقف إطلاق النار واتخاذ الإجراءات اللازمة ليصبح الجيش والأمن أجهزة قومية بعيداً عن القبلية من خلال زيادة قوات الأمم المتحدة كما حدث فى  ليبيريا وسيراليون ساعد هذه الدول فى الخروج من الصراع للسلام، وعمل مفوضية الحدود المستقلة من جانب  هيئة الإيجاد، الإفراج عن الأسرى والمعتقلين، والمحاصصة فى السلطة .

وختاماً، لكي يشعر المواطنين الجنوب سودانيين بالأمان بدلاً من الخوف والهجمات والاغتصاب بعيداً عن الجوع المتصاعد بسبب الصراع ،ومتابعة سبل عيشهم وتعليمهم دون خوف، لابد من الإرادة الشعبية هي التي يعول عليها بعد الحكومة الجديدة من خلال حملة إعلامية لتحسين الصورة والمصالحة وتوضيح حقيقة  السلام ودور المجتمع المدني و العمل ككل لبناء دولة، أشبه بالمواطنة الدستورية وليست على مستوى الحقوق والحريات ولكن من خلال الشروع بالمساواة فى مشروعات التنمية، وتوافر الإيمان بالدولة والرغبة فى العيش السلمي، و التحول من مرحلة حفظ السلام إلى بناء السلام (سلام مستدام)  من خلال إقامة جيش وطني قوي يستوعب كل قوى الشعب ،يخلو من القبلية والانتماءات العرقية.

الهوامش

1.            South Sudan celebrates new peace accord amid joy – and skepticism”, the guardian, access on: 6-11-2018, available at :

 https://www.theguardian.com/global-development/2018/oct/31/south-sudan-celebrates-new-peace-

accord-amid-joy-and-scepticism

2- " كير ومشار يشيدان في جوبا بمزايا السلام "، رأى اليوم، تاريخ الاطلاع : 2018-11-3، متاح على الرابط التالي:                                                                                         https://www.raialyoum.com/index.php

3.       حسام بدوي ،" قياديان معارضان من جنوب السودان :مفاوضات الخرطوم إلى طريق مسدود "، العربية، تاريخ الاطلاع : 2018-11-6، متاح على الرابط التالي:                                  https://www.aa.com.tr/ar

4.            Megan Specia,” A Peace Deal for South Sudan Is Signed. Will It Last?”, New York Times , access on : 6-11-2018,avaliabhe at:

 https://www.nytimes.com/2018/06/27/world/africa/south-sudan-peace-deal.html


شارك