صورة المؤسستيْن العسكرية والأمنية في الصحافة العربية والأجنبية

الأربعاء 12/ديسمبر/2018 - 06:39 م
طباعة صورة المؤسستيْن العسكرية
 
عرض د. شريف درويش اللبان

نوقشت مؤخرًا بقسم الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة رسالة دكتوراه الباحثة ميادة محمد صادق وعنوانها "أُطر المعالجة الصحفية لشئون المؤسستيْن العسكرية والأمنية المصريتيْن: دراسة تحليلية على عينة من الصحف العربية والأجنبية في الفترة من 2011 إلى 2014"، واستهدفت الدراسة التعرف على المعالجة الخبرية التي قدمتها الصحف العربية "عكاظ" (السعودية) و"الوطن" (القطرية) والصحف الأجنبية "نيويورك تايمز" (الأمريكية) و"موسكو تايمز" (الروسية) لشئون المؤسستين العسكرية والأمنية المصريتيْن، وذلك في الفترة الممتدة من 25 يناير 2011 حتى يونيو 2014، أي خلال المرحلتين الانتقاليتين اللتيْن أعقبتا ثورتيْ 25 يناير و30 يونيو، ونقدم في هذا العرض أهم مجالات الاتساق والاختلاف بين الأدوار التي قامت بها المؤسستان العسكرية والأمنية خلال المرحلة الانتقالية الأولى والثانية، مع توضيح تأثير السياسة الخارجية لدولة كل صحيفة من صحف الدراسة تجاه مصر على سياستها التحريرية.

أشرف على الرسالة د. نجوى كامل عبد الرحيم أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وناقشها د. شريف درويش اللبان أستاذ الصحافة وتكنولوجيا الاتصال ووكيل كلية الإعلام جامعة القاهرة واللواء أركان حرب د. سمير فرج مدير إدارة الشئون المعنوية للقوات المسلحة الأسبق، وقد منحت لجنة المناقشة والحُكم الباحثة على هذه الرسالة المهمة درجة الدكتوراه في الإعلام من قسم الصحافة بتقدير مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بتبادل الرسالة مع الجامعات الأخرى.

مقارنة شئون المؤسستين العسكرية والأمنية خلال المرحلتيْن الانتقاليتيْن

تمكنت الدراسة من إجراء مقارنات على عدة مستويات، منها مقارنة أدوار المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية، ومقارنة معالجة الصحف العربية عكاظ السعودية والوطن القطرية من جهة، ومقارنة الصحف الأجنبية نيويورك تايمز الأمريكية وموسكو تايمز الروسية من جهة أخرى، فضلاً عن مقارنة نتائج الصحف العربية والأجنبية من جهة رابعة، والتالي ونعرض فيما يلي نتائج كل المقارنات السابقة ما بين المرحلة الانتقالية الأولى والمرحلة الانتقالية الثانية.

·       حجم المادة الخبرية المنشورة خلال المرحلتين الانتقاليتين لدى صحف الدراسة:

قامت الباحثة بتحليل (1031) مادة خبرية تخص شئون المؤسستيْن العسكرية والأمنية خلال المرحلتيْن الانتقاليتيْن مقسمة إلى (518) مادة خبرية تخص قضايا المرحلة الانتقالية الأولى (تولي المجلس العسكري إدارة شئون البلاد، الاستفتاء على التعديلات الدستورية، أحداث الصدام مع المجلس العسكري، الانتخابات البرلمانية، الانتخابات الرئاسية 2012) و (513) مادة خبرية تخص قضايا المرحلة الانتقالية الثانية (عزل محمد مرسي، فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، الاستفتاء على الدستور، الانتخابات الرئاسية 2014)، ويوضح الجدول التالي عدد المواد الخبرية الواردة لدى كل صحيفة من صحف الدرسة خلال المرحلتين الانتقاليتين.

احتلت صحيفة "الوطن" القطرية المركز الأول لدى صحف الدراسة من حيث عدد المواد الخبرية التي عالجت من خلالها شئون المؤسستين العسكرية والأمنية باجمالي تكرارات بلغت (545) مادة خبرية، بواقع (289) مادة خلال المرحلة الانتقالية الأولى و(256) مادة خلال المرحلة الانتقالية الثانية، أي ما يزيد عن نصف المادة الخبرية التي تم تحليلها، وجاءت في المركز الثاني جريدة "عكاظ" السعودية باجمالي (359) مادة خبرية مقسمة إلى (156) مادة خلال المرحلة  الانتقالية الأولى و(203) خلال المرحلة الانتقالية الثانية، أما جريدة "نيويورك تايمز" الأمريكية فجاءت بالمركز الثالث باجمالي (110) مادة خبرية (64) للانتقالية الأولى و (46) للثانية، وجاء بالمرتبة الأخيرة جريدة "موسكو تايمز" الروسية باجمالي (17) مادة خبرية مقسمة إلى (9) للفترة الانتقالية الأولى و(8) للثانية.

ومن الواضح زيادة حجم المواد الخبرية لدى جريدة "عكاظ" خلال المرحلة الانتقالية الثانية، نظرًا لدعم السعودية لثورة 30 يونيو 2013 وإجراءات خارطة المستقبل، حيث اهتمت بالنشر عن استحقاقات المرحلة الانتقالية، بينما قلت لدى كل من "الوطن" القطرية و"نيويورك تايمز" الأمريكية المعالجة الخبرية خلال المرحلة الانتقالية الثانية نتيجة معارضتهما لثورة 30 يونيو وتبنيهما إطار (التعتيم الإعلامي) على تغطية إنجازات ثورة 30 يونيو واستحقاقات المرحلة الانتقالية وخاصةً استحقاق الاستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية.

·       مصدر التغطية الخبرية لصحف الدراسة خلال المرحلتيْن الانتقاليتيْن:

تبين من الدراسة عدم وجود اختلاف في طبيعة اعتماد صحف الدراسة على كلٍ من المحرر أو وكالات الأنباء على مدار المرحلتين الانتقاليتين، فاتفقت "عكاظ" و"نيويورك تايمز" على استمرار اعتمادهما في التغطية الخبرية على المحرر الصحفي الميداني الذي يراسل من موقع الأحداث طوال الفترتيْن الانتقاليتيْن بتكرار (135 مرة للانتقالية الأولى و193 مرة للانتقالية الثانية) لدى "عكاظ"، و(59 للانتقالية الأولى و43 للانتقالية الثانية) لدى "نيويورك تايمز". وتجدر الاشارة إلى اعتماد التقارير الخبرية للجريدة الأمريكية على عدد كبير من المراسلين من أكثر من موقع جغرافي، فتقرير واحد قد يحتوى على 8 مراسلين من مصر والولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها، وذلك على العكس من جريدة "الوطن" القطرية التي تعاظم اعتماد تغطيتها على وكالات الأنباء بإجمالي تكرارات (279 للانتقالية الأولى و197 للانتقالية الثانية)، أما موسكو تايمز الروسية فاعتمدت في المرحلة الانتقالية الأولى على وكالات الأنباء بصورةٍ أكبر من الانتقالية الثانية التي اعتمدت فيها على المحرر الصحفي، وهو مايوضح اهتمام روسيا بمتابعة ثورة 30 يونيو عن كثب.

·       اتجاه مضمون النص الخبري لصحف الدراسة خلال المرحلتيْن الانتقاليتيْن:

لم تكن معالجة كل من شئون المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية على وتيرة واحدة طوال فترة التحليل، إذ شهدت صعودًا وهبوطًا بين التركيز على أدوار المؤسسة العسكرية تارةً والأمنية تارةً وكليهما تارةً أخرى؛ حيث أوضحت الدراسة اتفاق كلٍ من "عكاظ" و"الوطن" و"نيويورك تايمز" على تقديم معالجة شئون المؤسسة العسكرية المصرية داخل الخطاب الخبري الخاص بالمرحلة الانتقالية الأولى عقب ثورة 25 يناير، وذلك بسبب الدور الحيوي الذي قام به المجلس الأعلى للقوات المسلحة في إدارة شئون البلاد عقب تنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، حيث أصدر عدة بيانات توضح الكيفية التي سيدير من خلالها المرحلة الانتقالية بداية من إجرائه استفتاء على تعديل عدد محدود من مواد الدستور ليتسنى إجراء انتخابات برلمانية ومن ثم رئاسية تنتقل على إثرها السلطة إلى رئيسٍ منتخب.

وقد تخلل هذه الأدوار بعض من المصادمات التي واجهت المجلس العسكري وشباب الثوار مما أدى إلى صعود المؤسسة العسكرية على حساب المؤسسة الأمنية داخل الخطاب الخبري خاصةً بعد انسحاب الشرطة من الحياة السياسية وخفوت أدوارها على خلفية الانفلات الأمني ومطالبات بإعادة هيكلة وزارة الداخلية، وهنا اختلفت "موسكو تايمز" الروسية عن بقية صحف الدراسة بإعطاء أولوية في خطابها الخبري لشئون المؤسسة الأمنية نظرًا لاهتمامها بالاطمئنان على وضع الطلاب والسائحين الروس وبعثتها الدبلوماسية بالقاهرة في ضوء أحداث الشغب والمصادمات المتكررة مع المتظاهرين في ميدان التحرير وأماكن أخرى عقب ثورة 25 يناير.

وعلى النقيض من ذلك، اختلفت صحف الدراسة في اتجاه مضمون النص الخبري لديها خلال معالجات المرحلة الانتقالية الثانية، حيث صعدت المؤسسة الأمنية على العسكرية في خطاب جريدة "عكاظ" التي أعطت تغطية واسعة لأدوار الشرطة المصرية في تأمين وحماية المتظاهرين أثناء ثورة 30 يونيو، والتظاهرات التي تلتها لتأييد قرارات الجيش في 3 يوليو، فضلاً عن تأمين مظاهرات التأييد الخاصة بمنح الجيش والشرطة تفويضًا لمكافحة العنف والارهاب.

بالإضافة إلى ذلك ظهرت أدوار الشرطة في فض اعتصامات الإخوان في رابعة العدوية والنهضة، وتأمين الاستفتاء على الدستور، وكذلك الانتخابات الرئاسية، أما جريدة "الوطن" فقد صعد لديها الاهتمام بمعالجة شئون المؤسستين معاً نظرًا لاهتمامها بأدوار المؤسسة العسكرية جنبًا إلى جنب مع المؤسسة الأمنية حيث أن الجيش – من وجهة نظرها- هو الذي قام بعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي الأمر الذي اعتبرته انقلابًا عسكريًا، وهى الرؤية ذاتها التي جعلت المؤسسة العسكرية تكون الأكثر حضورًا والأعلى تكرارًا لدى "نيويورك تايمز"؛ حيث اعتبرت الجيش مفتاح السلام في الشرق الأوسط وأمن اسرائيل، أما "موسكو تايمز" فقد تساوى لديها ظهور المؤسسة العسكرية والمؤسستين معًا نظرًا لتأييدها ثورة 30 يونيو وقرارات الجيش التي وجدتها استجابة لمسيرات شعبية واسعة، كما لم يظهر لديها التخوف الأمني كما كان في المرحلة الانتقالية الأولى لأن أحداث العنف بعيدة عن مناطق تواجد السائحين الروس بشرم الشيخ والغردقة.

·       تأثير السياسة الخارجية لدول صحف الدراسة على السياسة التحريرية:

1-         المصادر الصحفية:

أثرت السياسة الخارجية لدول صحف الدراسة نحو مصر على طبيعة المصادر الصحفية التي تم الاعتماد عليها في التغطية الخبرية لشئون المؤسستيْن العسكرية والأمنية خلال المرحلتيْن الانتقاليتيْن عقب ثورتيْ 25 يناير و30 يونيو؛ حيث تبين اعتماد صحيفة "عكاظ" السعودية على المصادر الصحفية الرسمية خلال المرحلتيْن الانتقاليتيْن، وهو ما يعكس اتجاه السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية التي تؤيد الأنظمة السياسية القائمة وتدعم نظم الحكم فيها، حيث أنها على الرغم من ترددها في تأييد ثورة 25 يناير في أول أيامها بسبب علاقتها القوية مع نظام مبارك طوال ثلاثين عامًا، عادت إلى تأييد الثورة والترحيب بقيادة المجلس العسكري للمرحلة الانتقالية، كما أنها أيدت بشدة وبوضوح سقوط الإخوان أثناء ثورة 30 يونيو، وأيدت بيان 3 يوليو وعزل مرسي وخطوات خارطة المستقبل للمرحلة الانتقالية الثانية، الأمر الذي جعلها تعتمد على المصادر الرسمية سواء البشرية أو غير البشرية خلال المرحلتيْن الانتقاليتيْن عبر الرجوع إلى المصادر العسكرية والأمنية والمسئولين الحكوميين من قضاةٍ ووزراء، فضلاً عن المصادر والبيانات الرئاسية الصادرة عن الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور.

وقد اتفقت جريدة "موسكو تايمز" الروسية مع "عكاظ" من حيث اعتمادها على المصادر الرسمية انعكاسًا لسياسة موسكو الخارجية نحو الأوضاع في مصر، والتي تشابهت مع سياسة المملكة العربية السعودية، لأن روسيا لم تكن ترحب بسقوط مبارك نظرًا لعلاقات صداقة تجمعها به، وكانت تتعامل بحذر مع ثورات الربيع العربي، إلا أنها تعاملت مع المجلس العسكري المصري ورحبت بإدارته لعملية الانتقال الديمقراطي، غير أن صعود التيار الإسلامي للحكم في مصر أدى إلى فتور العلاقات بين البلدين نظرًا لكون جماعة "الإخوان" "محظورة" بموجب القانون الروسي، لذا رحبت موسكو بقرار الجيش بعزل مرسي ورحبت "موسكو تايمز" بالسيسي مرشحًا للرئاسة خلفًا لمرسي، إلا أن اعتماد "موسكو تايمز" على المصادر الرسمية كان نابعًا من حرصها على المواطنين الروس المقيمين في مصر، فكانت تعتمد على المصادر الرسمية الروسية وخاصةً وزارتيْ الخارجية والسياحة، فضلاً عن المصادر الأمنية والحكومية المصرية وخاصة وزارة الصحة.

وبخلاف ما سبق، اتفقت صحيفتا "الوطن" القطرية و"نيويورك تايمز" الأمريكية على الاعتماد على المصادر غير الرسمية خاصة الناشطين السياسين وبالأخص جماعة "الإخوان" ، وهو ما يعد انعكاسًا لسياسة دولها الخارجية، حيث رحبت قطر بسقوط مبارك وثورات الربيع العربي وخاصةً ثورة 25 يناير المصرية، ورحبت بشدة بصعود تيار الإسلام السياسي وخاصة جماعة "الإخوان"، التي كانت تحتضن أعضاءها الفارين منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي على خلفية صراع مع نظام عبد الناصر، لذا كانت تخصص الصحيفة مساحاتٍ كبيرة لأعضاء الجماعة كمصادر في تقاريرها الخبرية خلال المرحلة الانتقالية الأولى والثانية، حيث أنها تبنت قرار الخارجية القطرية و"الإخوان" بكون ثورة 30 يونيو انقلابًا على الشرعية، وتجدر الإشارة إلى رجوع "الوطن" للمصادر الرسمية أحياناً وبما لا يخالف سياستها الخارجية التي دعمت المجلس العسكري طوال الفترة الانتقالية الأولى، كما أنها نقلت وهاجمت في الوقت ذاته خطابات وزير الدفاع بالفترة الانتقالية الثانية.

واتفقت "نيويورك تايمز مع "الوطن" في تقديم الاعتماد على المصادر غير الرسمية على مستوى المرحلتين الانتقاليتين، حيث دعمت الولايات المتحدة ثورة 25 يناير بعد تحفظ وترقب، ودعمت أقوى مؤسستيْن في مصر عقب الثورة هما (الجيش والإخوان) وفق "نيويورك تايمز" وعددٍ من الدراسات، لذا كان "الإخوان" أكثر المصادر غير الرسمية التي اعتمدت عليها تغطيتها الخبرية خلال المرحلة الانتقالية الأولى إلى جانب الناشطين السياسين والمتظاهرين، أما الانتقالية الثانية فكانت المصادر غير الرسمية في المقدمة وبفارق ضئيل على المصادر غير البشرية من تقارير حقوقية وتقارير مترجمة من صحف ووسائل إعلام مصرية، وذلك بما يعكس السياسة الخارجية التي لم تؤيد ثورة 30 يونيو، واتخذت إجراءات بوقف المساعدات وإلغاء المناورات عقب فض اعتصاميْ رابعة والنهضة، وكان الرجوع للمصادر غير الرسمية من "إخوان" وتقارير حقوقية وخبراء عسكريين مصريين وأمريكيين يعكس السياسة الخارجية التي رفضت عزل مرسي وانتقدت إنهاء اعتصامات الإخوان في 14 أغسطس 2013، كما يعكس أيضًا اتجاه السياسة الخارجية التي تميل لاستضافة المعارضة والناشطين في اتجاه عام لتقديم أخبار سلبية عن دول العالم الثالث ومنها مصر.

2-         الأطر الخبرية:

أثرت السياسة الخارجية لدول صحف الدراسة على الأطر الخبرية التي تم تفعيلها في الخطاب الخبري المتعلق بشئون المؤسستين العسكرية والأمنية خلال المرحلتيْن الانتقاليتين الأولى والثانية، خاصةً لدى معالجات الصحف العربية "عكاظ" السعودية و"الوطن" القطرية، بينما الصحف الأجنبية، فكانت "نيويورك تايمز" تنتقد دومًا السياسة الخارجية الأمريكية نحو مصر، في حين لم تعكس "موسكو تايمز" الروسية اتجاهات سياسة روسيا الخارجية نحو مصر نظرًا لقلة عدد المواد الخبرية التي عالجت من خلالها الشأن المصري، فانصب اهتمامها بمصالحها الخاصة بوضع مواطنيها داخل مصر.

وقد أوضحت الدراسة أن الأطر متشابهة الدلالات هي الأكثر تفعيلاً والأعلى تكرارًا لدى كل من "عكاظ" و"الوطن" و"نيويورك تايمز" خلال معالجات المرحلة الانتقالية الأولى، والأطر مختلفة الدلالات كانت هى الأعلى تكرارًا لديها خلال معالجات المرحلة الانتقالية الثانية، ويرجع ذلك إلى تأثير السياسة الخارجية لدول هذه الصحف التي تشابهت جميعها في تأييد ثورة 25 يناير وتأييد المجلس الأعلى للقوات لمسلحة لإدارة شئون البلاد، لذا تشابهت دلالات عدد كبير من الأطر خلال المرحلة الانتقالية الأولى، أما السياسة الخارجية لدول هذه الصحف فقد اختلفت تجاه ثورة 30 يونيو مما جعل الأطر مختلفة الدلالات هي الأكثر تفعيلاً والأعلى تكرارًا خلال المرحلة الانتقالية الثانية، أما جريدة "موسكو تايمز" فكانت الأطر المتفردة بها دون غيرها من صحف الدراسة هى الأعلى تكرارًا طوال المرحلتيْن الانتقاليتيْن.

تأثير السياسة الخارجية على الأطر الخبرية خلال المرحلة الانتقالية الأولى

- أثناء تفعيل إطار (التنحي) في معالجة قضية تولي المجلس العسكري إدارة شئون البلاد، فنظرًا لتمتع كل من السعودية وروسيا بعلاقات طيبة مع نظام مبارك، اتجهت "عكاظ" و"موسكو تايمز" إلى تقديم هذا الإطار في قالب (الصراع) القائم بين المتظاهرين والنظام حيث لا نعلم من سينتصر في النهاية، أما قطر فكونها على علاقة غير جيدة بنظام مبارك ومرحبة بسقوطه ليتسنى لها القيام بأدوار قيادية على المستوى الاقليمي، وأمريكا المتأرجحة بين مبارك تارة والثوار تارة، لذا فقد فعلت كلٌ من "الوطن" و"نيويورك تايمز" هذا الإطار من خلال التركيز على (الضغط) الداخلي والخارجي على مبارك من أجل الرحيل عن السلطة.

-      أثناء تفعيل إطار (الانتقال السلمي للسلطة)، فنظرًا لكون السعودية تدعم المجلس العسكري فأكدت على (ثقتها في قدرة الجيش) على قيادة المرحلة الانتقالية، أما "الوطن" و"نيويورك تايمز" فأكدت على (الضغط) الداخلي والخارجي الذي يمارس على المجلس العسكري من أجل إحداث عملية الانتقال الديموقراطي.  

-      أثناء معالجة (الاستفتاء على التعديلات الدستورية) اتجهت "عكاظ" إلى تفعيل أطر (المشاركة) والاقبال على التصويت في دعمٍ منها لأولى خطوات المرحلة الانتقالية، في الوقت ذاته روجت "الوطن" للتصويت بنعم على التعديلات وأبرزت التأثيرات الإيجابية لذلك كما يراها أعضاء جماعة "الإخوان"، أما "نيويورك تايمز" فرحبت بخطوات المجلس العسكري نحو التحول الديموقراطي، ورحبت "موسكو تايمز" بتحسن الوضع الأمني الذي يسمح بعودة السائحين الروس إلى مصر.

-      أثناء معالجة أحداث الصدام التي واجهت المجلس العسكري (أحداث ماسبيرو أكتوبر 2011، أحداث محمد محمود نوفمبر 2011، وأحداث مجلس الوزراء ديسمبر 2011)، وتعالت على إثر هذه المصادمات والاشتباكات مطالبات برحيل المجلس العسكري نظراً لتباطؤ اجراءات تسليم السلطة، اتجهت عكاظ إلى التأكيد على (عزم) الجيش على تسليم السلطة والتزامه بتنفيذ خارطة الطريق وتسليم البلاد إلى سلطة مدنية منتخبة، وتبنت إطار (احتواء الأزمة) التي نجح فيها الجيش داعياً القوى السياسية كافة إلى حوار عاجل بما يعكس السياسة الخارجية السعودية التي تؤكد عدم رغبتها التدخل في الشئون الداخلية للبلاد وتشجيعها للحوار والحلول السلمية، أما "الوطن" القطرية فتبنت آراء الناشطين وفعلت إطار (الثورة مستمرة) حتى إسقاط المجلس العسكري، وهو ما يتوافق مع السياسة الخارجية القطرية التي ترغب في إضعاف الجانب المصري من أجل الاستحواذ على نفوذ إقليمي لها خاصةً بعد ثورات الربيع العربي، أما "نيويورك تايمز" فلم تتبنَ السياسة الخارجية للرئيس أوباما نحو مصر، بل انتقدته كثيرًا، خاصة بعد مطالبته المجلس العسكري الإسراع بعملية الانتقال الديمقراطي، مؤكدةً أن بيان البيت الأبيض يمثل مخاطرة بأن تتم أية عملية انتقال للسلطة بعيدًا عن المؤسسة العسكرية المصرية مفتاح السلام في الشرق الأوسط، أما "موسكو تايمز" فلم تعتد في خطابها الخبري سوى بالسياح والمواطنين الروس في مصر، ولم تعبء بالصراع السياسي الدائر بين المؤسسة العسكرية وتيار الإسلام السياسي.

-      أثناء انعقاد انتخابات مجلس الشعب في نوفمبر 2011 والتي استمرت حتى يناير 2012، اتجهت "عكاظ" إلى التأكيد على (نزاهة العملية الانتخابية) التي تمت تحت إشراف قضائي كامل انعكاسًا لسياستها الخارجية الداعمة للجيش وخطوات المرحلة الانتقالية، بينما هددت "الوطن" القطرية (بالمقاطعة) من خلال مصادر إخوانية إذ لم يتم السماح للأحزاب بخوض الانتخابات على القوائم ومقاعد الأفراد معًا تماشيًا مع سياستها الخارجية الداعمة للإخوان وفكرهم، أما "نيويورك تايمز" فتفردت بتفعيل إطار(فوز الإسلاميين) غير منتقدة السياسة الخارجية الأمريكية هذه المرة بل داعمةً لتيار الإسلام السياسي كما تتبناه إدارة أوباما.

-      أثناء انعقاد الانتخابات الرئاسية في مايو ويونيو 2012، فعلت "عكاظ" إطار (الحياد) تجاه مرشحي الرئاسة وهو ما يمثل انعكاسًا لحياد المملكة ذاتها الذي أكد عليه سفير المملكة العربية السعودية بمصر أثناء زياراته لعددٍ من المرشحين، كما أكدت الصحيفة السعودية على (نزاهة العملية الانتخابية) كما الحال في الانتخابات البرلمانية، أما "الوطن" و"نيويورك تايمز" فقد فعلت إطار (الانقلاب الدستوري) نظرًا لصدور الإعلان الدستوري المكمل وقرار المحكمة الدستورية العليا بحل البرلمان الذي حصد فيه التيار الإسلامي على ما يفوق 70% من المقاعد، وتكرر تفعيل "نيويورك تايمز" إطار (فوز الاسلاميين) عقب فوز المرشح الإخواني محمد مرسي رئيسًا لمصر مؤكدةً أن رئيس مصر الجديد لا ينتمي للمؤسسة العسكرية.

 

تأثير السياسة الخارجية على الأطر الخبرية التي تم تفعيلها خلال المرحلة الانتقالية الثانية:

-      عقب نجاح ثورة 30 يونيو وصدور بيان 3 يوليو بعزل محمد مرسي وتبني عدة خطوات لمرحلة انتقالية يتولى أمور البلاد فيها الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية العُليا، رحبت المملكة العربية السعودية بسقوط "الإخوان" وأيدت كل خطوات القوات المسلحة وقدمت التهنئة للرئيس الجديد، وأيدت "عكاظ" اتجاه السياسة الخارجية للمملكة مفعلةً عدة أطر أبرزها إطار (التبرير) لأية إجراءات قام بها الجيش من أجل عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي، ولأي مرات استخدمت فيها قوات الجيش والشرطة القوة مؤكدةً على أنها كانت رد فعل لإصرار أنصار مرسي على (الاشتباك)، واتجهت إلى (نفي) صفة الانقلاب عن أحداث الثورة المصرية بدليل عدم وجود أي دور للجيش في قيادة المرحلة الانتقالية وإنما يتولى قيادة البلاد رئيس المحكمة الدستورية العليا، ورصدت ردود الفعل الدولية التي تثني على دور القوات المسلحة في حماية البلاد. على الجانب الآخر، اتخذت السياسة الخارجية القطرية والأمريكية موقفًا رافضًا تجاه ثورة 30 يونيو وعزل الجيش للرئيس مرسي، وأكدت قطر على وقوع انقلاب عسكري بمصر، وهو الأمر الذي لم تصرح به الخارجية الأمريكية رغم عدم ارتياحها للطريقة التي تم بها عزل محمد مرسي، وتبنت "الوطن" القطرية اتجاه السياسة الخارجية لدولتها مفعلةً إطار (عودة مرسي) إلى منصبه وإلغاء خطوات واجراءات خارطة المستقبل كافة التي وضعها الجيش، مؤكدةً على وجود انقلاب عسكري متكامل الأركان، أما "نيويورك تايمز" فانتقدت السياسة الخارجية لأوباما ولكنها لم تصرح بكون الأحداث المصرية انقلابًا عسكريًا حتى يتم قطع المساعدات الأمريكية التي تقدر ب 1.3 بليون دولار سنويًا، وفعلت الجريدة إطار (الانقلاب) منذ بيان 1 يوليو أي قبل بيان العزل فوصفت بيان الجيش الذي منح القوى السياسة 48 ساعة للتوافق بأنه إنذار (بانقلاب عسكري)، واتجهت "موسكو تايمز" إلى تبني السياسة الخارجية الروسية التي رحبت بسقوط "الإخوان"، وأيدت قرارات الجيش مشددةً على أنها استجابة لمسيرات وثورة شعبية ضخمة في القاهرة والمحافظات.

-      استمر تفعيل إطار (الاشتباكات والعنف) طوال المرحلتيْن الانتقاليتيْن، ولكن اختلفت دلالاته بشدة أثناء معالجات المرحلة الانتقالية الثانية بفعل تأثير السياسة الخارجية على المعالجة الصحفية، حيث اتجهت "عكاظ" السعودية إلى تقديم العنف الواقع من قبل جماعة "الإخوان" ضد قوات الجيش والشرطة، بينما قدمته "الوطن" القطرية من قبل قوات الجيش والشرطة وضد أنصار مرسي من جماعة "الإخوان"، وعرضت "نيويورك تايمز" للعنف الواقع من الجانبيْن ووجود ضحايا ومصابين لدى كل فريق، أما "موسكو تايمز" فأكدت أن العنف والاضطرابات لن تؤثر على (العلاقات الثنائية) بين البلدين.

-      عقب عزل مرسي، اتجهت قوات الأمن إلى ملاحقة أعضاء جماعة "الإخوان"، الأمر الذي عالجته "عكاظ" من خلال إطار (الاستنفار الأمني)، تأييدًا لأية إجراءات أمنية بحق من ارتكب عنفًا، بينما فعلت "الوطن" و"نيويورك تايمز" إطاريْ (القمع والاعتقال التعسفي) ضد أعضاء جماعة "الإخوان".

-      تبنت السياسة التحريرية لصحف الدراسة اتجاه السياسة الخارجية الرسمية لدولها أثناء معالجة فض قوات الأمن لاعتصامات "الإخوان" في ميدانيْ رابعة والنهضة، حيث لقي هذا الأمر ترحيبًا من قبل المملكة العربية السعودية وأعلن الملك عبد الله بن عبد العزيز وقتذاك تأييده لخطوت الجيش في مكافحة العنف والارهاب، وهو ما جعل "عكاظ" تتبنى إطار (التبرير) لاجراءات الجيش والشرطة للفض مؤكدة أن السلطات المصرية استنفذت الحلول السلمية كافة ، وأيدت "الوطن" اتجاه الخارجية القطرية من خلال تفعيل أطر (الإدانة) المحلية والدولية (للاستخدام المفرط للقوة) ضد المعتصمين السلميين من أنصار مرسي، كما رحبت "نيويورك تايمز" باتجاه الخارجية الأمريكية التي قررت (وقف المساعدات والغاء المناورات العسكرية) مع القوات المصرية ردًا على فض الاعتصامات، بينما استمر اهتمام "موسكو تايمز" بضرورة (حماية السياح) عقب أحداث الفض.

-      يعد الاستفتاء على الدستور من استحقاقات المرحلة الانتقالية الثانية الذي أيدته المملكة العربية السعودية، وعرضته عكاظ من خلال استخدام إطار (الحشد) لأجل التصويت على الدستور و(المشاركة) التي تعني تأييد المرحلة الانتقالية برمتها، وهو ما يخالف اتجاه "الوطن" و"نيويورك تايمز" حيث فعلتا إطار التعتيم الإعلامي على إنجازات المرحلة الانتقالية واستحقاقات خارطة المستقبل، من خلال الدعوة إلى (مقاطعة) التصويت على الاستفتاء بالاعتماد على مصادر إخوانية تتعرض لحملات (قمع واعتقال تعسفي) من جراء دعواتها للتصويت بـ (لا) على الدستور.

-      تعد الانتخابات الرئاسية آخر استحقاقات المرحلة الانتقالية الثانية التي أيدتها "عكاظ" مؤكدةً على (نزاهة) الانتخابات ونجاح قوات الجيش والشرطة في (تأمينها)، و(فشل) دعوات المقاطعة من قبل جماعة "الإخوان"، وعلى النقيض قدمت "الوطن" دعوات (المقاطعة) و(شككت) في نزاهة الانتخابات ووصفت الاجراءات الأمنية المتبعة بالمشددة، اتفقت في ذلك مع "نيويورك تايمز" التي أشارت إلى أن ضعف الإقبال على التصويت ومده ليوم ثالث (أثار الشكوك) في ديمقراطية الانتخابات.

السمات المنسوبة لأدوار المؤسستين العسكرية والأمنية

بعد رصد تأثيرات السياسة الخارجية على السياسة التحريرية لصحف الدراسة في اختيار المصادر الصحفية وتفعيل الأطر الخبرية  المصاحبة للمعالجة الصحفية لشئون المؤسستيْن العسكرية والأمنية، أوضحت الدراسة تأثير السياسة الخارجية على مجمل السمات التي نُسبت لكلٍ من المؤسستين خلال المرحلتيْن الانتقاليتيْن.

فقد اتفقت كلٌ من صحيفتيْ "عكاظ" و"موسكو تايمز" على منح المؤسسة العسكرية المصرية سماتٍ إيجابية بدرجة تفوق السمات السلبية طوال المرحلة الانتقالية الأولى نظرًا لدعم كلٍ من السعودية وروسيا للجيش المصري في إدارة شئون البلاد، واتفقتا كذلك على منح المؤسسة الأمنية سماتٍ سلبية بدرجة تفوق السمات الإيجابية نظرًا لانسحاب الشرطة عقب ثورة 25 يناير وأحداث الاشتباكات والانفلات الأمني التي أعقبت الثورة، بينما اختلفت صحيفتا "عكاظ" و"موسكو تايمز" في المرحلة الانتقالية الثانية حيث تساوى لدى الأخيرة السمات الايجابية والسلبية لكل من المؤسستيْن العسكرية والأمنية، وهو ما يختلف عن "عكاظ" التي تفوقت لديها السمات الإيجابية لأدوار كلٍ من مؤسستيْ الجيش والشرطة، الأمر الذي يعكس سياستها الخارجية المؤيدة للثورة المصرية في 30 يونيو.

كما اتفقت صحيفتا "الوطن" القطرية و"نيويورك تايمز" الأمريكية في تفوق السمات السلبية على السمات الإيجابية تجاه كلٍ من المؤسستيْن العسكرية والأمنية طوال المرحلتيْن الانتقاليتيْن الأولى والثانية، بما يعكس السياسة الخارجية لقطر والولايات المتحدة التي تتجه لإبراز سلبيات الحياة السياسية المصرية في إطار من التجاهل والتعتيم الإعلامي على إنجازات واستحقاقات المراحل الانتقالية، ولمناصرة تيار الإسلام السياسي الذي ترتبط الدولتان بمصالح مشتركة معه.

شارك