التنافس الإقليمي... دبلوماسية السلام الخليجية في أفريقيا

السبت 15/ديسمبر/2018 - 05:35 م
طباعة التنافس الإقليمي...
 
سيث فرانتزمان-عرض: مرفت زكريا

تزايد النفوذ والتنافس التركي بشكل كبير في السودان والصومال في مواجهة دور المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في منطقة القرن الأفريقي، وكأن الأمر أصبح بمثابة صراع اقتصادي عسكري، من المرجح أن يكون له تداعيات إقليمية وعالمية على مكانة الولايات المتحدة الأمريكية.

ففي أعقاب الأزمة الخليجية عام 2017 بين المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة ومصر مع قطر باتت قضية زيادة النفوذ في أفريقيا أمر في غاية الأهمية بين المعسكر الخليجي من جهة والتضامن التركي القطري من جهة أخرى. ومع اقتراب موعد محادثات سلام لوقف إطلاق النار باليمن المقرر عقدها في ديسمبر /كانون الأول لعام 2018، تزايدت الأهمية الاستراتيجية لأفريقيا ولاسيما منطقة القرن الأفريقي التي لعبت دوراً رئيسياً في صراع اليمن.

فالتدخل السعودي في اليمن الذي بدء في عام 2015 كان يهدف إلي دفع خطر الحوثيين المدعومين من إيران من ميناء عدن لتجنب أي تهديدات سواء للمملكة العربية السعودية أو مضيق باب المندب، الذي يمر من خلاله حوالي 3.8 مليون برميل نفط يومياً.

 في السياق ذاته، زار الرئيس الإريتري "اسياس أفورقي" المملكة العربية السعودية خلال الأيام الأولى لحرب اليمن، وفتحت اريتريا مجالها الجوي ومضيق "عصب" لأبو ظبي وباقية الدول الأعضاء داخل الحلف الذي تقوده السعودية، وتلقت العاصمة الإريترية "أسمرة" الوقود والدعم المالي لمساعدة هذا التحالف.

وأشار تقرير لـ “الأمم المتحدة" أن اريتريا قامت بنشر قوات في اليمن وانضمت السودان أيضاً إلى التحالف الذي تقوده السعودية، فضلاً عن الصومال وجيبوتي التي سمحت باستخدام مجالها الجوي ووافقت على استقبال اللاجئين من الصراع اليمنى، وافتتحت مركز سلمان للمساعدات الإنسانية والإيواء.

نتيجة لما سبق، كان للانخراط المتزايد من قبل دول القرن الافريقي في الساحة اليمينة تداعيات إيجابية على تعزيز التعاون في المجال الأمني، الدفاعي والعسكري بين الخليج العربي ودول القارة السمراء. ومن هنا، تُفضل دول القرن الأفريقي الاستثمارات والمساعدات الخليجية عن غيرها، ولاسيما السعودية والإماراتية، فمنذ أن قطعت الرياض وأبو ظبي علاقتها مع الدوحة في 2017 كان على دول شرق أفريقيا أن تختار، ومن هنا انحازت جيبوتي وأريتريا للجانب السعودي وبالتبعية سحبت الدوحة فرقة حفظ السلام التابعة لها الموجودة في جيبوتي.

سنعرض فيما يلي لأهم مجالات التعاون بين دول الخليج والقارة الإفريقية، لاسيماً في المجال السياسي، الاقتصادي والاستثماري، فضلاً عن النفوذ الإيراني في القارة انطلاقاً من أهميتها الاستراتيجية.  

أولاً- دول الخليج.... رعاية محادثات السلام في أفريقيا

لعبت المملكة العربية السعودية دوراً كبيراً في اتفاق السلام الذي توصلت إليه اثيوبيا واريتريا، الذي تم توقيعه في جدة منتصف أيلول/سبتمبر لعام 2018. في السياق ذاته، أوضح ولى العهد السعودي "محمد بن سلمان" أن دور الوساطة في عملية السلام يدل على أن الانخراط في القرن الأفريقي لا يتعلق فقط بهدف استراتيجي ضيق يتمثل في مكافحة الإرهاب وحماية مضيق باب المندب، بل باستقرار وأمن منطقة شرق أفريقيا.

ومهدت اتفاقية السلام بين إرتيريا واثيوبيا لرفع الحظر عن الأسلحة الإريترية في منتصف نوفمبر / تشرين الثاني لعام 2018، وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن المراقبين الدوليين أبلغوا مجلس الأمن في عام 2016 أن الوجود العسكري الإماراتي السعودي في أسمرة كان انتهاكاً لهذا الحظر، ولكن أقرت الحكومات الأفريقية أن هذا الأمر لم يعد انتهاكاً لأنه كان بمثابة تعاون اقتصادي، لاسيما وأن أبو ظبي تمتلك استثمارات ضخمة بقاعدة عسكرية في ميناء "عصب".

ثانياً- الاستثمارات الخليجية في أفريقيا بين الفرص والتحديات

تهتم الإمارات العربية المتحدة بالاستثمار في دول أفريقية أخرى مثل أرض الصومال، وخصوصاً في مجال البنية التحتية، الطرق السريعة وغيرها؛ حيث وقعت شركة مواني دبي العالمية عقد لإدارة ميناء بربرة في أرض الصومال لمدة ثلاثين عام، فضلاً عن الاستثمار في تنمية منطقة أرض البنط التي تعد جزء رئيسي من إقليم أرض الصومال، لاسيما في تدريب الشرطة البحرية.

على الناحية الأخرى، واجهت أبو ظبي عقبات كبيرة في الصومال؛ حيث حظرت مقديشو شركة موانئ دبي العالمية بعد بدء استثماراتها في أرض الصومال، ودعت الصومال "الأمم المتحدة" لإدانة أنشطة أبو ظبي في هرجيسا، فضلاً عن الغاء مقديشو لبرنامج تدريب الجنود الصوماليين، وتم تفسير ذلك على أنه يتعلق بضغط سياسي من تركيا التي عملت على تدعيم نفوذها في مقديشو من خلال بناء قاعدة عسكرية.

ففي الوقت الذي تمكنت فيه المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من ترسيخ نفوذهم في افريقيا من خلال الحصول على حق استخدام المجال الجوي وتأسيس الموانئ، ظهر النفوذ التركي أيضاً كمنافس قوى، ولكن في النهاية يظل الدور الخليجي هو الأكثر فاعلية.

ثالثاً- أفريقيا والخليج ... منفعة اقتصادية متبادلة

تشكل البيئة الاقتصادية داخل أفريقيا فرصة واعدة لكلا الطرفين من حيث حجم الأسواق والموارد الطبيعية، والعمل على تبنى مشروعات اقتصاديات الحجم الكبير في القطاعين العام والخاص. كما تعد الشراكة مع الدول الخليجية فرصة هامة لاستعراض مشروعات ريادة الأعمال والمجالات الاستثمارية المتاحة لدى دول القارة، فضلاً عن كونها فرصة للتعلم من أفضل الممارسات التي مكنت دول مجلس التعاون الخليجي من النمو وتنويع مجالات استثمارها خلال السنوات الأخيرة.

                لا تزال البنى التحتية واحدة من القطاعات الأكثر جاذبية للاستثمار من قبل دول الخليج، وبالفعل شهدت الطرق، الموانئ، السدود والمطارات انتعاشاً كبيراً في مختلف الدول الأفريقية؛ حيث حصل خط حديد أديس أبابا الذي يربط المدينة بمرفأ جيبوتي على استثمارات خليجية بقيمة 4 مليار دولار أمريكي في عام 2016. 

رابعاً- النفوذ الإيراني ...الأهمية الاستراتيجية لأفريقيا

تعتبر القارة الأفريقية هي الأهم جيوبولتيكياً على المستوى العالمي لأنها تتوسط الممرات الملاحية بين القارات الخمس، فتطل على: مضيق جبل طارق، قناة السويس، مضيق باب المندب، رأس الرجاء الصالح، ويحيط بها عدة جزر تطل على المحيطين الأطلسي والهندي. ميز هذا الموقع أفريقيا وأهلها لأن تصبح همزة الوصل بين قارات العالم، لاسيما في الجزء الشمالي والشمالي الشرقي، وأدى ذلك إلى تمتعها بدور محوري في الأمن الإقليمي والحراك السياسي، الاقتصادي والثقافي.

نتيجة لما سبق، بات للدول الأفريقية دوراً هاماً في تأمين صادرات دول الخليج، التي تعتمد بنسبة كبيرة على صادرات النفط إلى العالم وكذلك الواردات من السلع والخدمات. لكن من ناحية أخرى استغلت إيران هذه الميزة الاستراتيجية لصالحها من خلال تنمية العلاقات الاقتصادية والثقافية مع دول القارة؛ حيث نجحت طهران خلال العقود الأخيرة الماضية في أن تفرض نفسها كأحد أبرز الفاعليين داخل القارة بغرض تأمين احتياجاتها من المواد الخام ولاسيما الفحم واليورانيوم الذي كانت تحصل عليه في فترة نشاط برنامجها النووي.

كما تحاول إيران جاهدة إيجاد موطئ قدم لها في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي بهدف تأمين حركة التجارة والملاحة الإيرانية من جهة ومواجهة الانتشار المكثف للتواجد الصيني الأمريكي من ناحية أخرى، فضلاً عن نقل المعركة مع اعدائها بعيداً عن الأراضي الإيرانية. ومن هنا تتبدى دلالات التوجه نحو المنطقة في التكالب المحتدم على مواردها.

ومن هنا، يجب أن تتنبه دول الخليج إلى كيفية استغلال الأداة الثقافية التي لعبت دوراً كبيراً في تحول الكثير من أبناء القارة إلى المذهب الشيعي بفضل مئات المؤسسات الخيرية، الطبية والتعليمية التي تؤسسها طهران في العديد من دول القارة، بغرض أن يمثل الشيعة الأغلبية الساحقة في هذه البلدان بحلول السنوات القليلة القادمة. من ناحية أخرى، برزت الكثير من المصادر الإعلامية الشيعية على السطح، مما أدى لتشيع أكثر من عشرة ملايين شخص في الدول الأفريقية خاصةً بعد خروج المؤسسات الخليجية عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول لعام 2001.

ختاماً: من المرجح أن تؤدى عملية الانخراط والتعاون الاقتصادي بين دول الخليج والقارة الافريقية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والتهدئة من حدة الصراع، من خلال الاسهام في توفير المواد الخام، حماية طرق الملاحة والتجارة الدولية، فضلاً عن محاربة التطرف والإرهاب.

شارك