الدور التركي في ليبيا .. ما وراء تهريب شحنات الأسلحة للميليشيات

الإثنين 31/ديسمبر/2018 - 04:17 م
طباعة الدور التركي في ليبيا
 
محمود جمال عبد العال

ما زال الدور التركي في ليبيا محل تساؤل خاصة في ضوء حالة الالتباس والغموض التي تحيط بالتدخل التركي في الشؤون الليبية منذ ثورة 2011 ودخول الوضع في ليبيا إلى حالة من عدم الاستقرار؛ إذ أسهمت هذه الحالة في نشاط النمط الميليشياتي في السياسة الليبية التي هيمن عليها السلاح. وأثبتت الأحداث السياسية فيما بعد هذه الرؤية؛ إذ اعتمدت الأحزاب والقبائل على الميليشيات لتضمن لنفسها موقعًا سواءً داخل العملية السياسية الليبية في مراحل الانتخابات أو حتى على طاولات التفاوض التي يتم رعايتها دوليًا وإقليميًا.

ويرى بعض المتابعين أن التدخل التركي في الحالة الليبية من خلال كسر حظر السلاح المفروض على ليبيا ما هو إلا استمرارًا لدعم حالة عدم الاستقرار من خلال إصرار أنقرة على تسليح الميليشيات التي تعمل على استمرار تأزيم المشهد السياسي الليبي. على الناحية الأخرى، ترفض أنقرة هذه الاتهامات معلنة على لسان وزير خارجيتها بعد زيارته لطرابلس أنه لا علاقة لتركيا الرسمية بهذه الصفقات. سنحاول فيما يلي أن نعرج إلى الدور التركي في ليبيا لا سيما فيما يتصل باتهامات أنقرة بتسليح الميليشيات الليبية.

الدور التركي في ليبيا

يُثير نشاط تركيا في الأراضي الليبية حالة من الشكوك لدى الدول المعنية بالاستقرار في ليبيا خاصة الشركاء الأوربيين والدول الإقليمية كمصر والجزائر. والغريب في الأمر أن حالة التدخل التركي في ليبيا تمثل كسرًا للقرارات الدولية وهو ما تبرزه العديد من الدلالات:

1-     توقيف سفينة أسلحة تركية في اليونان: تمكنت السلطات اليونانية مطلع عام 2018 من منع مرور سفينة محمَّلة بالأسلحة والمتفجرات كانت في طريقها إلى ليبيا. وأشارت وسائل الإعلام اليونانية أن خفر السواحل اليوناني تمكن من ضبط سفينة محملة بمواد تستخدم لصنع متفجرات وهي في طريقها إلى الأراضي الليبية. ورغم أن السفينة كانت تحمل علم تنزانيا إلا أنها أخذت حمولتها من مينائي مرسين والإسكندرونة التركيين، وعثرت السلطات اليونانية على ما يقارب 29 حاوية تحتوي على مواد تستخدم لصناعة المتفجرات. ويتعارض ذلك مع سياسات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة اللذين فرضا حظرًا على بيع ونقل وتوريد الأسلحة إلى ليبيا منذ 2011(1).

2-     الكشف عن شحنة ميناء الخمس: تمكنت القوات الليبية في ديسمبر/كانون الأول 2018 من ضبط حمولات قادمة من ميناء مرسين التركي على أنها مواد بناء، ولكن قامت قوات الأمن الليبي بتفتيشها بعد أن أثيرت الريبة حول ما تحمله، وبالفعل نتج عن عملية التفتيش اكتشاف شحنة كبيرة من الأسلحة والذخيرة التي أشارت المصادر الرسمية في مجلس النواب الليبي والجيش الوطني أنها كانت في طريقها إلى دعم الميليشيات الليبية في طرابلس. وقد بدأ وزير الخارجية التركي "مولود أوغلو" زيارة رسمية إلى العاصمة الليبية طرابلس، وذلك لمحاولة إيجاد مخرج للأزمة خاصة في ضوء رفض الأمم المتحدة والعالم الدولي والجوار الإقليمي تصدير الأسلحة إلى ليبيا، وإعلان حكومة "فايز السراج" المعترف بها دوليًا رفضها واستنكارها لدعم اقتصاد الحرب وعدم الاستقرار في ليبيا (2).

كيف ينظر الجوار والعالم للدور التركي في ليبيا؟

أثار إحباط تصدير الأسلحة إلى ليبيا حفيظة المجتمع الدولي خاصة أن هذه المرة الثانية خلال عام واحد يتم فيها إحباط عمليات تهريب الأسلحة إلى الميليشيات الليبية عبر الموانئ التركية، وفي هذا السياق سنحاول الإشارة إلى ردود الأفعال الدولية:

1-     بعثة الأمم المتحدة في ليبيا: استنكرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الحادثة، واعتبرت أن ذلك تعديًا على قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بحظر استيراد وتصدير الأسلحة إلى ليبيا، وقالت البعثة عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" أن ليبيا بحاجة إلى الاستقرار والسلام وليس لمزيدٍ من الأسلحة، مضيفة أن هذه ثاني مرة يتم فيها إحباط إدخال أسلحة تركية إلى ليبيا (3).

2-     تأهب على الحدود الليبية الجزائرية: شهدت الحدود الليبية الجزائرية حالة من الاستنفار الأمني بعد أيام قليلة من ضبط شحنة الأسلحة التركية؛ حيث قام رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق "أحمد فايد صالح" بزيارة عمل إلى المنطقة العسكرية الرابعة المتاخمة للحدود مع ليبيا، وأشارت وسائل الإعلام المحلية في الجزائر إلى أن القيادة العسكرية في الجزائر تتعامل مع أي تطور في ليبيا بحذرٍ شديد، وذلك كانعكاس لحالة الفراغ الأمني والسياسي الذي تشهده ليبيا منذ 2011 (4). وتضبط الأجهزة الأمنية الجزائرية منذ 2011 العديد من شحنات الأسلحة في الصحراء، وذلك بشكلٍ شبه يومي، وهو ما يثير تخوفات أمن الحدود المشتركة لدى الجزائريين الذين باتوا ينظرون للحدود مع ليبيا على أنها مصدر تهديد (5).

3-     تحرك مصري ضد تركيا دوليًا: لم تُبرز القاهرة موقفًا رسميًا حتى الآن من حادثة ميناء الخمس البحري، ولكنها أبرزت موقفًا متشددًا ضد الدور التركي في ليبيا مطلع عام 2018 بعد إعلان أثينا عن ضبط سفينة تحمل أسلحة وتتجه صوب مدينة مصراتة الليبية؛ حيث دعت مصر وقتها إلى تحقيق دولي بشأن خرق الجانب التركي للقرارات الأممية التي تفرض حظرًا على تصدير الأسلحة إلى ليبيا خاصة قرار مجلس الأمن رقم 2292. ووجهت الخارجية المصرية وقتها بعثاتها الدبلوماسية لدى عواصم الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي والوفد المصري الدائم لدى الأمم المتحدة بالدفع للتحقيق في الواقعة (6).

ردود الفعل داخل ليبيا على حادثة ميناء الخمس

        رغم حالة الانقسام الشديدة التي تعيشها السياسة الليبية منذ تعطل العملية السياسية إلا أن شحنات الأسلحة التركية الأخيرة قد جمعت كافة الأطراف الليبية التي استنكرتها واعتبرتها تدخلًا يفضي إلى استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد بما في ذلك تقويض نتائج المفاوضات الجارية لإحلال السلام واستئناف العملية السياسية، وسنشير فيما يلي إلى هذه الردود:

1-     حكومة "السراج" المعترف بها دوليًا: أعلن "السراج" لدى استقبال وزير الخارجية التركي عن "انشغاله التام بموضوع الأسلحة التركية المضبوطة في ميناء الخمس البحري، وأعلنت حكومة "السراج" عن إجراء تحقيق محلي مشترك بين الجانبين التركي والليبي للوقوف على ملابسات الحادثة (7).

2-     الجيش الوطني الليبي: اتهم المشير "خليفة حفتر" قائد الجيش الليبي تركيا بتأجيج الفوضى في ليبيا عبر دعم الميليشيات المسلحة بالعتاد لتقويض استقرار ليبي، ودعا "حفتر" إلى فتح تحقيق دولي للكشف عن الأطراف المتورطة في الدم الليبي من خلال إشعال الحرب وإطالة أمدها. على صعيدٍ آخر، كشفت القيادة العامة للجيش الليبي في بيانٍ لها عمّا كانت تحويه هذه الشحنة؛ إذ أشار البيان إلى أن عدد الذخائر التي ضبطها فاق 4.2 مليون رصاصة، إضافة لآلاف المسدسات والبنادق المزودة بكواتم صوت لتنفيذ الاغتيالات (8). ورفض المتحدث باسم الجيش الليبي لجنة التحقيق المحلية المشتركة التي توافق عليها "السراج" مع وزير الخارجية التركي معتبرًا أن تركيا طرف متهم ولا ينبغي لها المشاركة في التحقيق، وشددت القيادة الليبية على ضرورة إحالة الأمر برمته إلى مجلس الأمن الدولي للتحقيق فيه خاصة أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها الكشف عن أسلحة تركية مهربة إلى الداخل الليبي (8).

3-     اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان: طالبت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا مجلس الأمن بفتح تحقيق شفاف وشامل للكشف عن تفاصيل الواقعة، وتحديد المسئولين عن توريد هذه الأسلحة إلى ليبيا خاصة أنها خرجت بشكل رسمي من أحد الموانئ التركية (9). وحذرت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان من استمرار خرق تصدير الأسلحة إلى ليبيا معتبرة أن ذلك يسهم في تصعيد العنف والاقتتال فيما بين أطراف النزاع المسلح خاصة مع التخوف من تسرب هذه الأسلحة إلى الجماعات الإرهابية المنتشرة في البلاد، والذي من شأنه يعرض أمن وسلامة المدنيين للخطر (10).

4-     مجلس النواب الليبي: طالبت لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الليبي لجنة العقوبات الدولية بمجلس الأمن بالتحرك لتطبيق القانون الدولي على تركيا، ورأت لجنة الدفاع والأمن القومي أن أنقرة بفعل سياستها لا تهدف إلى الوصول إلى حالة الاستقرار في ليبيا، وإنما تعمل على تزكية حالة الصراع. ودعت لجنة الدفاع مجلس الأمن والمجتمع الدولي للتحقيق في الخروقات التركية في ليبيا خاصة أنها المرة الثانية التي يتم فيها توقيف شحنات أسلحة إلى أطراف مصنفة على لوائح الإرهاب.

ختامًا؛ أثارت شحنات الأسلحة التركية إلى ليبيا حالة من الجدل خاصة في ضوء النفي الرسمي من الجانب التركي عن معرفته بهذه الشحنات. وفي كل الأحوال سواءً ثبت تورط الجانب التركي في هذه الصفقات من عدمه تبدو هناك تساؤلات جادة تتعلق بحالة الاستقرار في ليبيا وعلاقتها بمسألة حظر تصدير الأسلحة سيما في ضوء الحرب على فلول داعش الفارة من العراق والشام إلى ليبيا.

الهوامش:

1-      اليونان تضبط سفينة لنقل المتفجرات من تركيا إلى ليبيا (10/1/2018)، سكاي نيوز، على الرابط: https://goo.gl/Frf5cC

2-      تركيا تسعى لإيجاد مخرج لفضيحة «شحنات الأسلحة» في ليبيا (23/12/2018)، الحياة، على الرابط: https://goo.gl/YvWJ8V

3-      المرجع السابق.

4-      الجزائر ترفع حالة التأهب العسكري على حدود ليبيا بعد الأسلحة التركية، بوابة العين، على الرابط: https://goo.gl/mbxoRZ

5-      على خلفية شحنات الأسلحة المهربة في ليبيا.. الجزائر تستنفر قواتها (25/12/2018)، سبوتنيك عربي، على الرابط: https://goo.gl/p4UrUv

6-      مصر تبدأ تحركات دولية ضد تركيا بسبب سفينة الأسلحة (14/1/2018)، إيلاف، على الرابط: https://goo.gl/N4hPh1

7-      طرابلس وأنقرة تحققان في أسلحة مهربة مصدرها تركيا (22/12/2018)، روسيا اليوم، على الرابط: https://goo.gl/xYFTST

8-      ليبيا تطلب تحقيقاً أممياً في دعم أنقرة للإرهاب (20/12/2018)، البيان، على الرابط: https://goo.gl/nd1h19

9-      المسماري: نرفض لجنة "السراج - أوغلو" للتحقيق في تهريب السلاح التركي (26/12/2018)، بوابة العين، على الرابط: https://goo.gl/2q4UVS

10-  الليبية لحقوق الإنسان تطالب بمحاسبة تركيا دولياً على خلفية شحنات الأسلحة (21/12/2018)، ليبيا الآن، على الرابط: https://goo.gl/1osez2

شارك