المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان

مصير جدار المكسيك في ظل السجالات الأمريكية الداخلية

الخميس 03/يناير/2019 - 05:31 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
نهال أحمد

انطفأت مظاهر الاحتفالات بأعياد الميلاد، في حين أغلقت الحدائق العامة والمنتزهات قبالة البيت الأبيض، بينما فاضت صناديق القمامة بأرجاء المدينة، في مؤشر يعكس حالة من اللارضاء، وذلك بعدما فشلت المفاوضات بين الديمقراطيين والجمهوريين يوم الخميس الموافق 27 من ديسمبر 2018 بشأن إنهاء الإغلاق الجزئي للحكومة الأمريكية،والإعلان عن جولة مفاوضات جديدة خلال الأسبوع المقبل، ما يعني مزيد من تأزم الوضع الحالي.حيث تواجه واشنطن أزمة داخلية ربما تلقي بظلالها على تمويل بناء الجدار الحدودي بين الولايات المتحدة والمكسيك، على خلفية سجال بين الديمقراطيين والجمهوريين حول الموازنة العامة للدولة، وسط اعتراض كبير من الديمقراطيين على خطة الرئيس "ترامب" بشأن قرار التمويل الحكومي المؤقت لبناء الجدار.

وقد دفع الخلاف؛ الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" في مجموعة تدوينات نشرها على حسابه الرسمي بتويتر للتحذير من إغلاق مؤسسات الدولة لفترة طويلة في حالة عدم تمرير مشروع القرار،  ولعل الوضع الحالي يثير تساؤلًا بشأن مصير مشروع الجدار الحدودي الذي أعلن عنه "ترامب" في برنامجه الانتخابي، وكذلك مستقبل العلاقات الأمريكية ـ المكسيكية في ظل التوترات الأمريكية الداخلية.

إشكالية تدفق اللاجئين

وقع الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" أمر تنفيذيا في الـ25 يناير 2017 بشأن بناء جدار  على امتداد الحدود الجنوبية بين الولايات المتحدة والمكسيك بغية تعزيز أمن الحدود معها؛  ظنًا منه بأن مثل هذا الجدار سيؤدي إلى إيقاف اختراق الحدود، ووقف تدفق المخدرات والجريمة والهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة. وكان مصدر التمويل الرئيسي لهذا المشروع هو قيمة الضرائب التي سيتحملها الأمريكيون بداية من تشييد الجدار، مع العلم أن الأموال الأميركية المستخدمة في بداية المشروع ستسددها المكسيك لاحقاً  بنسبة 100% بطرق لم تحدد بعد(1).

               وبالفعل فقد تعهد الرئيس "ترامب" خلال حملته الانتخابية بالضغط على الحكومة المكسيكية لتمويل المشروع، إلا أن الحكومة المكسيكية رفضت هذا المقترح شكلًا ومضمونًا . وقد زاد الملف تعقيدًا بعد ذلك  ليتطور من سياسات تهدف  لوقف تدفق أشخاص بشكل فردي، إلى عبور عائلات  يرافقهم أطفال صغار. وهو ما ساهم في زيادة  إدارة الملف سوءًا،  واتخاذ الإدارة الأمريكية إجراءات أكثر تعسفية بزعم أن هؤلاء المهاجرين لا يشكلون مجرد ضغط على المؤسسات الخدمية الأمريكية، لكن يتم التعامل معهم باعتبارهم من مسببات تدهور الأوضاع الأمنية  داخل الولايات المتحدة.

انقسامات أمريكية

توالت الاتهامات من قبل الديمقراطيين للرئيس "ترامب" بدفع الولايات المتحدة إلى الفوضى، التي كانت أبرز ملامحها حدوث اختلالات مالية بالموازنة العامة، أسفرت عن شلل جزئي داخل مؤسسات الدولة، وإغلاق العديد من الإدارات الفيدرالية ، ولعل نواة الخلاف المالي  ترجع إلى أزمة تمويل  بناء الجدار الحدودي الذي وعد به الرئيس" ترامب" خلال حملته الانتخابية في حين عارضه الديمقراطيين بشدة.

بداية الأزمة

بدأت الأزمة حينما مرر مجلس النواب مشروع قانون حول الإنفاق الحكومي قصير الأجل يشمل تخصيص 5 مليارات دولار للجدار الحدودي إلى جانب نفقات أخرى لتسيير أعمال بعض الوكالات الحكومية لمدة 7 أسابيع، بينما أعلن الديمقراطيين رفضهم بشدة لمشروع القانون وفضلوا الإغلاق الحكومي على الانصياع لرغبة الجمهوريين ، ولا زالت مواقف الأطراف متباعدة ولا مؤشرات عن انفراجة على المستوى القريب، في حين أعلن الرئيس "ترامب" استمرار الإغلاق الجزئي المؤسسي لحين تلبية مطلبه بتوفير تمويل الجدار؛ مهاجمًا "الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي" باعتباره المشكلة الوحيدة أمام اقتصاد الولايات المتحدة(2).

وفي زيارته المفاجئة للعراق الأسبوع الماضي،حَمّل "ترامب" مسؤولية الأزمة الداخلية الأمريكية الحالية إلى الديمقراطية "نانسي بيلوسي" التي ينتظر أن تتولى رئاسة مجلس النواب الأمريكي خلال يناير 2019، حيث يرجح "ترامب" أن تكون معارضة "نانسي" لمطلبه بتمويل الجدار تتعلق بحاجتها للأصوات لكي تصبح رئيسة للمجلس.متناولًا في السياق ذاته أزمة تهافت المهاجرين إلى الولايات المتحدة، لافتًا إلى أن قدوم المئات من المهاجرين من أمريكا الوسطى يعد أحد الأسباب الرئيسية  التي تحتم تعزيز أمن الحدود، وأن الولايات المتحدة في حاجة  لوقف تجار المخدرات وقدوم العصابات من أمريكا الوسطى .

موقف الديمقراطيين

وعلى الجانب الديمقراطي فقد اقترحوا أن يتم الإبقاء في موازنة 2019 على مبلغ يصل إلى مليار دولار لتمويل إقامة حواجز وإجراءات مراقبة على الحدود مع المكسيك، وإصرارهم على عدم تخصيص مبلغ الخمس مليارات للجدار الذي أشار إليه "ترامب" فقط من أجل إرضاء مؤيديه،وجاءت الاتهامات الديمقراطية "لترامب" حول ارتكاز سياسته على حماية المهاجرين الشرعيين على حساب الشعب الأمريكي، وذلك بعدما حرم قرابة الـ800 ألف موظف فيدرالي من رواتبهم على خلفية التعطل الجزئي لبعض الإدارات الفيدرالية(3).

جديرًا بالذكر أن الإغلاق الجزئي للإدارات الفيدرالية يعتبر الثالث خلال العام الجاري بعدما تكرر خلال يناير 2018 لمدة ثلاثة أيام، وفبراير2018 ثلاثة أيام أخرى بسبب قضية الهجرة، وينتظر أن يزداد الأمر سوءًا وتتفاقم الفوضى الداخلية بعد أن يتولي الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب خلال يناير المقبل عقب فوزهم بانتخابات التجديد النصفي للمجلس،في حين يشمل الإغلاق الحالي الأمن الداخلي والشرطة الفيدرالية والنقل والخزانة.

موقف الحكومة المكسيكية

لم يكن مقترح إقامة جدار على الحدود المكسيكية الأمريكية هو الأول الذي شرعت الإدارة الأمريكية في تدشينه. ففي عام 1994 بدأت حكومة "كلينتون" بوضع الأسيجة الأولى على الشاطئ،  وعقب أحداث سبتمبر 2001 ضغطت إدارة "بوش" لتنفيذ البناء، ومنذ ذلك الحين امتد شريط حدودي بطول 1100 كيلومتر   من جدار أسمنتي ، في حين تسعى إدارة "ترامب" الحالية لاستكمال بناء الجدار ، إلا أن موقف الحكومة المكسيكية كان واضحا من البداية بعد إعلان رفضها الشديد لهذا المشروع، وهو ما دفع  الرئيس "ترامب" إلى فرض ضرائب إضافية على التحويلات المالية، ليدفع من خلالها المكسيكيون تكلفة الجدار.

وعن الموقف المكسيكي بشأن المشروع؛ فقد أعلن "خورخي بيريز"  المتحدث باسم شركة "سيمكس" أحد أكبر المزودين بمواد البناء في العالم  بأن الشركة لن تساهم في بناء الجدار الحدودي الذي تسعى إدارة  "ترامب" لتنفيذه،  في حين تزعم صحف أمريكية أسباب رفض  الشركة إلى تعرضها لضغوط من الداخل لمقاطعة المشروع  بالرغم من  كونها المستفيد الأكبر في حالة مضي الولايات المتحدة في بناء الجدار، كما شدد المتحدث على أن الشركة لن تقوم بتزويد أي طرف ثالث يعمل في بناء الجدار بالمواد البنائية.

ورغم كون الجدار بمثابة صفقة كبرى للشركات المكسيكية، إلا أن قادة تلك الشركات وجدوا أنفسهم في مأزق لاسيما في ظل موقف الحكومة المكسيكية المعادي للجدار ، معتبرين إياه بمثابة رمز مناهض  ومعادي لحرية بلادهم، وأن المشاركة في بنائه تعني عملًا من أعمال الخيانة العظمى.

وقد رحبت الحكومة المكسيكية باعتراض الديمقراطيين على سياسات "ترامب" بشأن بناء الجدار، مكررة انتقادها للسياسات والإجراءات الأمريكية حول ملف الهجرة واصفة إياه "بالسياسات غير الرحيمة"، بل وتصاعد الموقف المكسيكي ليصل إلى رفع دعاوي قضائية ضد الولايات المتحدة،بهدف إجبارهم على تخفيف القيود التي تتضمنها القوانين الحدودية، ويرجع الموقف المكسيكي المتشدد تجاه السياسات الأمريكية لكونها تنظر إلى مواطنيها باعتبارهم سلعة تصديرية قيمة، أقرب إلى النفط أو المواد الغذائية. على خلفية التحويلات المادية التي يقومون بتحويلها إلى بلادهم(4).

وأخيراً؛ فقد أكد الرئيس المكسيكي "أندريس أوبرادور" على أن السياسة الخارجية المكسيكية ستكون من موقع الند للند، مشددًا على انه "لن يسمح "لترامب"  بأن يجعل من المكسيكيين جلادين لديه"، واصفا سياسات "ترامب" تجاه  قضية الهجرة بالعنصرية  واللامسئولة. لذلك ينبغي أن تتسم السياسة الخارجية المكسيكية تجاه  واشنطن خلال الفترة الحالية بالحزم والصرامة في التعامل مع مثل هذه الملفات الحساسة، ولعل التنمية المحلية للمناطق المكسيكية التي تشهد هروبًا سكانيًا هي الآلية الرئيسية لحل الوضع الراهن، ومع ذلك ينتاب ملف الجدار الحدودي قدر كبير من الضبابية في ظل تعنت كافة الأطراف واحتدام الأوضاع الداخلية الأمريكية.

الهوامش

(1)ترامب: إغلاق الحكومة سيطول إن رفض الديمقراطيون مشروع تمويل جدار المكسيك، فرنسا24، بتاريخ21/12/2018، متاح على الرابط: https://bit.ly/2SpzuQB

 (2)6 حقائق لا تعرفها عن جدار المكسيك الذي أمر ترمب بتشييده، موقع قناة العربية، بتاريخ26/1/2017، متاح على الرابط: https://bit.ly/2Vg6KeU

 (3) ترامب يعلن عن اتفاق مع المكسيك يبقى بموجبه طالبو اللجوء في أراضيها، دويتشه فيله، بتاريخ12/7/2018، متاح على الرابط: https://bit.ly/2EU6oFh

(4) نهال أحمد، الاقتصاد، الأمن، والهجرة: تحديات أمام الرئيس المكسيكي الجديد، المركز العربي للبحوث والدراسات، بتاريخ27/7/2018، متاح على الرابط: http://www.acrseg.org/40837

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟