ما بين الاستمرارية و التطويق .. مستقبل الوجود الإيراني في سوريا

الأحد 06/يناير/2019 - 07:11 م
طباعة ما بين الاستمرارية
 
مرﭬت زكريا

ألقى الانسحاب الأمريكي من سوريا في ديسمبر/ كانون الأول لعام 2018 بظلاله على التفكير في مستقبل الوجود الإيراني في دمشق، وخاصًة مع  استمرار بقاء الرئيس السوري "بشار الأسد" في الحكم، و عدم القيام بعقد اتفاق نووي جديد بعد الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني مع مجموعة (5+1 ). لكن من شأن المتابع لحجم النفوذ الإيراني في سوريا أن يدرك حجم العلاقات الوطيدة بين البلدين منذ الحرب العراقية الإيرانية لعام 1980.

وعليه، فشلت مساعي واشنطن لإخراج إيران من سوريا عبر تحفيز  إسرائيلي أمريكي لموسكو لإقناع إيران بذلك خلال الزيارة التي التقي فيها مستشار الأمن القومي "جون بولتون" بنظيره الروسي "نيكولاي باتروشيف" بجنيف في أغسطس/آب لعام 2018؛ حيث اتضح فيما بعد أن موسكو لا تمتلك القدرة لإجبار إيران على الخروج من سوريا.

وفي هذا السياق، سنتناول في هذا التقرير حجم النفوذ الإيراني في سوريا، مدى فشل المساعي الأمريكية الإسرائيلية لإخراج إيران من دمشق، السيناريوهات المستقبلية للوجود الإيراني في سوريا.

أولاً- النفوذ الإيراني في سوريا  

يرجع التحالف الإيراني مع سوريا لعام 1980 عندما كانت دمشق من الدول القليلة في المنطقة التي وقفت إلي جانب طهران ضد الرئيس العراقي الأسبق "صدام حسين" في حرب الخليج الأولى التي استمرت لمدة ثماني سنوات (1980-1988 ). كانت المملكة العربية السعودية ومشايخ الخليج من الدول التي مولت العراق خلال الحرب، على خلفية خوفها من وصول تأثيرات مبادئ الثورة الإسلامية لعام 1979 لمواطنيها، فضلاً عن اتساق ذلك مع دعم حلفاءهم مثل واشنطن، موسكو وباريس لبغداد في مقابل رجال الدين في طهران.

وعليه تسعى طهران لخلق تواجد طويل المدى في سوريا باعتبارها إحدى الساحات الخلفية الهامة للنفوذ الإيراني في المنطقة الذي تسعى من خلاله طهران إلي أن تصبح إحدى أهم الفاعلين على المستوى الإقليمي، بما يمكنها من فرض سياستها على الدول الكبرى بما يتضمن تطوير برنامجها النووي و الاعتراف بأهمية مصالحها على الصعيد الدولي(1).

وبدأ تدخل إيران في سوريا تدريجيا بعد عام 2011 منذ بداية الحرب الأهلية في البلاد عام 2011، على شكل توفير مستشارين عسكريين للنظام السوري، لكن تحولت المشاركة في وقت لاحق إلي تدخل عسكري واسع النطاق حيث أرسل النظام قواته ووظف وكلاءه للقتال إلى جانب الأسد للقضاء على المعارضة السورية.

 في السياق ذاته، يقر مدير المجلس الأمريكي الدولي للشرق الأوسط "ماجد ريفاده" أن إيران تحاول تعزيز تواجدها في سوريا من خلال ثلاثة أصعدة تتمثل في؛ الناحية السياسية، الاقتصادية، العسكرية، مما يُمكن طهران من عقد صفقات طويلة المدى مع الدولة السورية الضعيفة لإعادة بناء الصناعة العسكرية السورية، و يمنح الحرس الثوري، المخابرات الإيرانية الزريعة المثلى للبقاء في سوريا، ومن هنا بات من المقرر بقاء العسكريين الإيرانيين في سوريا إلي أجل غير مسمى.

ووفقاً لتقرير نشرته وزارة الخارجية الأمريكية في أكتوبر/ تشرين الأول لعام 2018، انفقت إيران 16 مليون دولار لدعم نظام الأسد في سوريا ودعم وكلاءها في اليمن والعراق. ومن هنا أشار بعض المحللين إلي البعد الاجتماعي لذلك، و المتمثل في اتهام طهران بالاستفادة من التغييرات الديمغرافية وتهجير المواطنين السوريين لزيادة هيمنة الشيعة على حساب تهميش السنة(2).

ثانياً- المساعي الأمريكية الإسرائيلية لإخراج إيران من سوريا

                مطالبة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بالانسحاب الإيراني من سوريا ليست بالجديدة؛ حيث أقر في خطابه الذى القاه في الثامن من مايو/أيار لعام 2018 أثناء الإعلان عن  انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني، بضرورة أن يتضمن الاتفاق الجديد قيود أبدية على تخصيب اليورانيوم، تطوير الصواريخ الباليستية، الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة(3).

فطالما كانت تراهن إسرائيل على احداث الوقيعة بين موسكو وطهران بالتعويل على أن المصالح الروسية الإسرائيلية تفوق نظيرتها الإيرانية، لكن يعلم الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" حدود الدور الإيراني جيداً، ولذلك لا يمكن استمالته بالعبارات الإنشائية و الخرائط التي دائما ما تقدمها تل أبيب عن المواقع النووية الإيرانية أو الصواريخ المنتشرة في سوريا ولبنان، فضلاً عن أنه على اطلاع كامل بمجالات الدعم الإيراني لسوريا.

ومن ناحية أخرى، يلعب نتانياهو على وتر  التوسط لدى الولايات المتحدة الأمريكية لإلغاء العقوبات الأمريكية على موسكو، والحد من تطور دور حلف الناتو وتقدمه في شرق أوروبا و لاسيما أوكرانيا في مقابل أن تحاول روسيا الحد من النفوذ الإيراني الممتد في من العراق، سوريا وحتى لبنان.

 فعلى الرغم من أن هذه الصفقة تبدو مواتية للمصالح الروسية إلا أن موسكو لا تثق كثيراً في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، على العكس من علاقاتها الوثيقة مع طهران، فضلاً عن تشكيك روسيا في المساعي الأمريكية الرامية إلي إقامة تحالف في المنطقة لمواجهة النفوذ الإيراني، الذي تعتقد أنه سيكون مُوجه بالأساس للحد من النفوذ الروسي. كما تحظى موسكو بنصيب الأسد في علاقتها مع طهران، بما أنها الطرف الأقوى على العكس الوضع مع واشنطن، ولذا فشلت الخطط الأمريكية الإسرائيلية لإخراج إيران من سوريا(4).

ثالثاً- السيناريوهات المستقبلية للنفوذ الإيراني في سوريا

على الرغم من إشارة بعض المحللين إلي امكانية خروج إيران من سوريا ولاسيما بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني مع دول (5+1 )، وزيادة الضغوط الداخلية علي إيران؛ المتمثلة في تصاعد حدة الاحتجاجات الداخلية على خلفية الوضع الاقتصادي المتدهور، الضغوط الخارجية المتمثلة في ما يشبه الحصار الأمريكي الإسرائيلي على طهران على كافة الأصعدة، خاصة بعد إعادة فرض العقوبات الاقتصادية مرة أخرى، إلا أنه هناك من يقدم دلائل قوية على استمرار العكس. وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلي عدد من السيناريوهات المتوقعة، والتي تتمثل فيما يلي:

1-     الخروج الإيراني من سوريا

تتمثل الحجج التي يقدمها هذا الاتجاه سيما المعارضة الإيرانية بالخارج في أن تزايد الضغوط على النظام الإيراني ستؤدى لانهياره و المجيء بنظام جديد يحاول تلافي دوافع الأزمات التي سببها نظام الملالي.  وتتمحور أبرز الأدلة التي يقدمها هذا الاتجاه حول تدهور الأوضاع في إيران على كافة الأصعدة؛ من الناحية السياسية تتزايد الاحتجاجات يوماً بعد يوم و يسوء وضع الأقليات التي بدأت في اظهار الكثير من علامات التمرد على الدولة ومنها جماعة "جيش العدل" البلوشية التي نسبت لنفسها العديد من العمليات الهجومية على المؤسسات الأمنية في إيران(5) .

أما بالنسبة للوضع الاقتصادي، يشير بعض المحللين إلي أن طهران تشهد حالياً فترة تدهور اقتصادي كبيرة؛ تتمثل في انسحاب معظم الشركات العالمية الكبرى من إيران على خلفية إعادة فرض العقوبات الأمريكية مرة أخرى و انهيار قيمة الريال الإيراني في مقابل الدولار، الأمر الذي أدى لارتفاع الأسعار  وسخط المواطن العادي الذى بات لا يستطيع تحمل أعباء العيش داخل الجمهورية الإسلامية.

 لذا، رفض البرلمان الإيراني للمرة الثانية ميزانية السنة المالية الجديدة - يبدأ العام الإيراني الجديد في 21 مارس 2019-  التي قدمها الرئيس "حسن روحاني" لمجلس الشورى للتصويت عليها في 26 ديسمبر 2018، التي وصلت قيمة الدولار فيها إلى 5700 تومان، رغم أنه يتجاوز ضعف هذا المبلغ في السوق السوداء(6).

2-     بقاء إيران في سوريا

تتمحور أبرز الأدلة التي قدمها أنصار هذا الاتجاه حول استمرار النفوذ الإيراني الممتد في سوريا حتى بعد الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني و إعادة فرض العقوبات الاقتصادية مرة أخرى من قبل واشنطن، تفاقم الأزمات الداخلية على عاتق النظام الإيراني المتمثلة في موجة الاحتجاجات المتواصلة التي شهدتها نحو 190 مدينة إيرانية منذ ديسمبر /كانون الأول لعام 2017، اتساع نطاق الخلافات مع الدول الغربية خاصًة بعد تراجع الطموحات الإيرانية في قدرة الدول الأوروبية على تفعيل الأليات المالية التي يمكنها تجاوز العقوبات الأمريكية.

في السياق ذاته، بدأ الكثير من المتابعين في التعويل على الأدلة التي أبرزها هذا الاتجاه، لاسيما بعد انسحاب القوات الأمريكية من سوريا في 20 ديسمبر /كانون الأول لعام 2018 ، ومن هنا انفتح المجال كثيراً لتزايد النفوذ الإيراني. الأمر الذي أدى بإيران لعقد اتفاق عسكري مع دمشق. لذا تعد طهران الرابح الأول من القرار الأمريكي باعتبارها الحليف الأول للأسد في حربه ضد معارضيه(7).

ختاماً: يبدو  أن السيناريو الثاني هو الأرجح، خاصًة مع سعى إيران لاستمرار و زيادة نفوذها في سوريا بعد انسحاب القوات الأمريكية، و من المحتمل الا يقتصر الأمر على دمشق فقط بل سيتصاعد في بقية دول الشرق الأوسط من خلال وكلاءها والجماعات التابعة لها.

الهوامش:

1.             Nisan Ahmado, Iran's Growing Influence in Syria Sparks Concern, 15/10/2018,  Extremism watch, available at:

 https://www.voanews.com/a/iran-growing-influence-in-syria-has-many-concerned/4615242.html

2.             Payam mohseni, What Iran Really Wants in Syria: misperceptions of Tehran’s true intentions could lead to disaster, 10/5/2018, Foreign policy, available at:

 https://foreignpolicy.com/2018/05/10/what-iran-really-wants-in-syria/ .

3.             Mohammed Ayoob,  Will Iran Leave Syria? Chasing mirages does not add up to a successful foreign policy, 29/8/2018, The National interest, available at https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/will-iran-leave-syria-29982 . 

4.       مصطفي السعيد، بوتين بين إيران وإسرائيل، الأهرام الرقمي، متاح على الرابط التالي:

 http://www.ahram.org.eg/NewsQ/675258.aspx .

5.       مرفت زكريا، دلالات الهجوم على المؤسسات الأمنية في إيران، 23/12/2018 ، المركز العربي للبحوث والدراسات، متاح على الرابط التالي:

 http://www.acrseg.org/41058?fbclid=IwAR2AsnGp-4pwUKb2BVTcpspceGgzeI2wxusUf9KM9l0yThTZCQPbVRsyWs8 .

6.       محمد عباس ناجى، استحقاقات صعبة: لماذا ستتصاعد ضغوط الداخل والخارج على إيران في 2019 ، 3012/2018 ، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة،  متاح على الرابط التالي http://cutt.us/w98Vz 

7.       سمر أجوري، الانسحاب الأمريكي من سوريا: من هم الرابحون و الخاسرون؟ Euro News، 21/12/2018 ، متاح على الرابط التالي:

 https://arabic.euronews.com/2018/12/21/the-consequential-winners-and-losers-of-the-american-withdrawal-from-syria 

شارك