أهداف خفية .. حقيقة محاربة تركيا لـ "داعش"

الأربعاء 16/يناير/2019 - 05:18 م
طباعة أهداف خفية .. حقيقة
 
ستيفن كوك، ترجمة: آية عبد العزيز

أثار قرار انسحاب القوات الأميركية من سوريا حالة من الجدل، خاصة مع إعلان الرئيس الأميركي أن مهمة الولايات المتحدة قد تم إنجازها، وأن القوات التركية ستكمل باقي المهام. وعليه يحاول الكاتب "استيفن كوك" تحليل السياسة الخارجية التركية تجاه سوريا، ومحاربة التنظيمات الإرهابية وخاصة تنظيم "داعش"، فضلاً عن الرغبة في توضيح ملامح العلاقة الحقيقية بين تركيا وأميركا، إبان فترة تولي الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" السلطة منذ 2016.

النهج الترامبي تجاه تركيا

أوضح الكاتب أن الإدارة الأميركية الحالية انتهجت سياسات مغايرة مع أنقرة تمثلت بعضها في رغبة إدارة "ترامب" في الضغط علانية على أنقرة لتبني بعض الموافق والسياسات حول مجموعة متنوعة من القضايا -سواء كان اعتقال أو سجن المواطنين الأمريكيين غير العادل، أو استهداف الصحفيين، أو نية لشراء أسلحة متقدمة من روسيا، أو التهديدات على الجنود الأمريكيين الذين يخدمون في سوريا.

وفي هذا السياق؛ برهنت أنقرة هذا التصور عندما أُطلق سراح الراهب "أندرو برونسون"  بعد احتجازه لدى تركيا لمدة عامين، في أكتوبر/تشرين الأول، أن اللعب مع تركيا كان متفوقًا على الدبلوماسية الخاصة المكثفة التي كانت الإدارات السابقة قد جربتها مع أنقرة.

وعلى الرغم من هذا يبدو أن تركيا انتقلت من خصم إلى شريك لواشنطن في غضون بضعة أشهر. فالرجل الذي اتهمه الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" بتهمة "شن حرب اقتصادية" على تركيا سيزورها في عام 2019. وقد أجرى الزعيمان مكالمتين هاتفيتين في غضون 10 أيام. وبالطبع، فإن ذوبان الجليد المفاجئ يرتبط مباشرة بقرار "ترامب" بسحب القوات الأمريكية من سوريا في أقرب وقت ممكن، تاركًا "أردوغان"، الذي سبق أن هدد الضباط الأمريكيين بـ "صفعة عثمانية" وقام بكل ما في وسعه لتعقيد القتال. ضد "داعش" المعلنة في سوريا، للتخلص من كل شيء وتحقيق الاستقرار في المنطقة.

وبالرجوع إلى منطق "ترامب" في الانسحاب من سوريا، فقد أوضح البيت الأبيض أن هزيمة "داعش" تمثلت بشكل كبير في هزيمة قوات "أبو بكر البغدادي" وبالتالي لم يكن هناك سبب للبقاء في سوريا (حجة شرعية تماما). وبعدها قام "ترامب" بتعديل القرار معلنًا أن تركيا ستنهي المهمة التي بدأتها القوات الأميركية ووحدات حماية الشعب، ثم تأكد من عدم عودة تنظيم "داعش".

خلاصة القول، لا تكمن مشكلة في التعاون مع تركيا في محاربة "داعش"؛ حيث تعد ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وتمتلك العديد من الأسلحة عالية التقنية والقوات الخاصة. ومع ذلك، فإن الحكومة التركية كانت فاترة، بشأن الانضمام إلى القتال.

فعندما ذهبت إدارة "أوباما" بحثًا عن حلفاء ضد "داعش" في صيف عام 2014، قال الأتراك إن أفضل طريقة لحل المشكلة هي تغيير النظام في دمشق. أعلنت أنقرة أن لديها أولويات أخرى -لا سيما محاربة القومية الكردية. وبعد مرور عام، وافقت على مواجهة التنظيم ولكن لم تنضم في الواقع إلى القتال. صحيح أن الشرطة التركية قد قامت بخرق خلايا مزعومة للمتطرفين، بما في ذلك مقاتلي "داعش"، لكن في ساحة المعركة كانت جميع وحدات حماية الشعب (JPG) ومستشاريها الأمريكيين.

الوجه الأخر للتواجد الأميركي في سوريا

ارتبطت سياسات "ترامب" تجاه تركيا بشأن سوريا بسياسته تجاه إيران، تجلى ذلك في محاولة "ترامب" التخلي عن الأكراد، والموافقة على بيع صواريخ الأتراك باتريوت، الأمر الذي أدى بدوره إلى جعل "أردوغان" شريكًا راغبًا في احتواء إيران.

والجدير بالذكر أن أحد مبررات وجود قوات أميركية في سوريا كان بسبب تمركز الأذرع الإيرانية بداخلها.  وفيما يتعلق بموقف تركيا من طهران فإنها لا تعتبرها تهديدًا لها بل هي من أهم القوى الإقليمية المجاورة لها، كما تمثل فرصة اقتصادية، كما إنهم تمثل العلاقات معها أداة ضغط دبلوماسية على الإدارة الأميركية.

 تجسد ذلك في كثير من الأحيان في عهد الإدارة الأميركية السابقة، عندما تشهد العلاقات الأميركية التركية حالة من التوتر وعدم الاستقرار، كان أردوغان أو غيره من كبار المسؤولين الأتراك يظهرون في طهران وهم يثنون على القيادة الإيرانية، بل وحتى يوفرون التغطية لأنشطتها النووية. كان هذا بهدف إجبار الولايات المتحدة على التخلي عن أي قضية كانت تجعل واشنطن غير راضية عن تركيا في ذلك الوقت.

 هذا النمط لا يزال مستمرًا. فقبل بضعة أسابيع، تم تصوير وزير الخارجية التركي ميفلوت جاسوس أوغلو وهو يبتسم وهو يمسك بيد نظيره الإيراني "جواد ظريف" في الدوحة. ما يجعل أي شخص يعتقد أن مغادرة الولايات المتحدة لسورية ستدفع الأتراك إلى قلب إيران.

دوافع التمركز التركي في سوريا

يُثير الكاتب تساؤل مهم حول هل يمكن لأردوغان أن ينفذ وعوده التي يتحدث عنها بشأن سوريا؟ ويجيب إنه سيعجز عن تنفيذها ليس لعدم قدرته على الوفاء بهذه الالتزامات، ولكن نتيجة عدم توافقها مع واشنطن حول مصالحهم المشتركة فيها. 

فحتى الآن لا أحد يعرف لماذا قرر "ترامب" في 19 ديسمبر/ كانون الأول الإعلان عن أن مهمة الولايات المتحدة في سوريا قد تم إنجازها. وبغض النظر عن ذلك، فإن انسحاب الولايات المتحدة من سوريا سيؤدي فعليًا إلى إنهاء العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية، التي يتألف معظمها من قوة قتالية كردية تسمى "وحدات حماية الشعب"؛ حيث تعتبر هذه القوات محل خلاف بين الجانبين، كما إنهم ساهمت في عرقلة العلاقات التركية الأميركية منذ بداية الأزمة السورية   

فبالنسبة إلى الجنود الأميركيين الذين يعملون مع هذه القوات فإنهم يعتبرون أن وحدات حماية الشعب هى القوة البرية الموثوق بها ويمكن التنسيق معها ضد تنظيم "داعش". في المقابل يرى الأتراك الأمور بشكل مختلف، بحجة أن "وحدات حماية الشعب" هي في الواقع حزب العمال الكردستاني (PKK) باسم آخر، والمصنف على أنه جماعة إرهابية من قبل كل من واشنطن وأنقرة، الذي ساهم في شن حملة عنيفة ضد تركيا منذ الثمانينات. لذا يخشى الأتراك من استمرار التعاون والتنسيق بين واشنطن وقوات سوريا الديمقراطية خاصة فيما يتعلق بمحاربة "داعش" في سوريا.

حقيقة محاربة تركيا لداعش

سعى الكاتب إلى فهم حقيقية التدخل التركي في سوريا من خلال طرح تساؤل مهم عن مدى التزام "أردوغان" بمحاربة "داعش" حتى النهاية؟ مُجيبًا إنه من شبه المؤكد أن يستمر في محاربة "داعش" لطالما كان قلق تركيا المهيمن وسيظل تدمير منطقة الحكم الذاتي الكردية السورية التي تهيمن عليها وحدات حماية الشعب ووحدتها السياسية، وحزب الاتحاد الديمقراطي.

لذا يعد انسحاب الولايات المتحدة من سوريا فرصة كبيرة أمام تدمير وحدات حماية الشعب لأنهم الهدف الخفي للتدخل، وربما تتجه أنقرة إلى محاربة "داعش" بعد التخلص من وحدات حماية الشعب (JPG)، التي قد لا تكون سهلة كما في الحرب الطويلة ضد حزب العمال الكردستاني.

إجمالًا؛ كان التحول في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا مذهلاً من حيث السرعة والنبرة. بالرغم من أن الاختلافات بين البلدين واضح؛ حيث يريد "ترامب" إعادة قواته إلى الوطن لأنه يعتقد أنه من الأفضل ألا تكون الولايات المتحدة مقيدة في أرض أجنبية بدون أهداف واضحة. عادلة بما يكفي.

أما "أردوغان" يريد أن تعود القوات الأمريكية إلى ديارهم ليس حتى يمكنه القيام بالمناقصات النهائية لأميركا في سوريا، ولكن حتى يتمكن من متابعة المصالح التركية هناك. دماء المزيد من السوريين والأكراد والأتراك سوف تسقط نتيجة لذلك. هناك بعض الحجج الجيدة للخروج من سوريا، ولكن تسليم تركيا كل ما تريده من الولايات المتحدة في هذه العملية ليس جيداً لأي شخص.


Stiven A. Cook, “Turkey Is Lying About Fighting ISIS” , Foreign Policy, 28/12/2018, at:

https://foreignpolicy.com/2018/12/28/turkey-is-lying-about-fighting-isis/?fbclid=IwAR3jmlZPtZUinVN7tkRq_28XSQzAXK1wlp7Tx05D6zjvYjfLRkWBndmdOXQ


شارك