حيازة السلاح وسبل ضبطه .. تنامي ظاهرة العنف في الولايات المتحدة الأمريكية

الإثنين 21/يناير/2019 - 07:17 م
طباعة حيازة السلاح وسبل
 
محمود جمال عبد العال

تُبرز أحداث العنف التي تشهدها الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة عن أهمية إعادة فتح الحوار داخل الأوساط السياسية الأمريكية حول جدوى السياسات المتبعة لضبط عملية حمل السلاح (Gun Control)، وذلك عند النظر إلى تصاعد عمليات العنف الفردي عبر إطلاق النيران على المدنيين من حاملي الأسلحة المرخصة. وشهدت مدينة ثاوزاند أوكس بولاية كاليفورنيا مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2018 عملية إطلاق نار في ملهى ليلي، وقد أسفر الحادث عن 13 قتيلًا إضافة إلى العديد من الإصابات (1).

على صعيدٍ آخر، شهدت الساحة السياسية الأمريكية جدلًا واسعًا خلال الشهور الماضية فيما يتعلق بمسألة تقنين حيازة السلاح في الدستور الأمريكي خاصة بعد ما شهدته المدارس الأمريكية من حالة عنف غير مسبوقة؛ إذ تشير التقارير إلى ما يقارب 18 حالة إطلاق نار داخل المدارس الأمريكية خلال شهرين فقط، وقد كان أكثر هذه الحوادث دموية ما وقع داخل مدرسة مارجوري ستونمان دوج لاس الثانوية بولاية فلوريدا في ذكرى عيد الحب 2018. وتشير التقارير إلى سقوط 33 ألف شخص ضحية لجرائم بواسطة السلاح الناري فقط خلال عام 2011(2).

المقاومة المجتمعية لجرائم إطلاق النار

نتيجة لتصاعد حالات الاعتداء ممن يحملون السلاح على المدنيين سواءً في المدارس أو الشوارع أو الملاهي الليلية، شهدت الولايات المتحدة حالة من الحراك المجتمعي المناهض للسياسات الحكومية تجاه مسألة تقنين حمل السلاح. وتنتقد هذه الحركات السياسات التي يتبعها الحزبين الكبيرين تجاه مسألة تقنين السلاح، بل وتتهمهم بالتواطؤ مع المنظمة الأمريكية للسلاح (NRA) من أجل الحصول على مكاسب مالية؛ إذ تشير التقارير إلى تبرع المنظمة لصالح الحملات الانتخابية لهذه الأحزاب.

 وفي هذا السياق نشأت العديد من الحركات الاجتماعية لمقاومة المنظمة وتأثيرها على السياسات الحكومية، وسنحاول رصد أنشطة حركة "من اجل حياتنا" التي تأسست بعد مقتل 17 شخصًا في حادث إطلاق نار في مدرسة ثانوية في باركلاند بولاية فلوريدا في فبراير/شباط 2018. وشارك المئات في مسيرات نظمتها الحركة تحت شعار "من أجل حياتنا" في مختلف أرجاء الولايات المتحدة، وذلك للمطالبة بتشديد قوانين حيازة السلاح.

وشارك مئات الآلاف من الأمريكيين في مسيرات ضخمة مطالبين بتشديد الرقابة على حمل السلاح. وقاد المسيرة مجموعات الطلبة رافعين شعارات "لنمض سويًا من أجل حياتنا" وقدرت شبكة "NBC" عدد المشاركين بـحوالي 800 ألف، فيما شارك نحو 175 ألف متظاهر في مسيرات نيويورك بحسب رئيس البلدية. وتشكل هذا الحراك الشبابي بعد حادثة إطلاق النار التي وقعت في فلوريدا خلال الاحتفالات بذكرى عيد الحب، والتي راح ضحيتها 17 شخصًا. ودعا المحتجون المشرعين والسياسيين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي إلى التصدي لهذه القضية، وعدم الانجرار وراء ضغوطات منظمة السلاح الأمريكية (3).

وتهدف الحركة إلى الضغط على مجلسي الكونجرس للضغط من أجل تعديل قوانين حمل السلاح، وذلك بفرض مزيد من العراقيل والقيود للتصدي لهذه القضية خاصة بعد تحول عملية بيع السلاح إلى تجارة سامة تحصد أرواح المدنيين دون تمييز (4). واكتسبت الحركة زخمًا سياسيًا كبيرًا بعد أن انضم إليها العديد من أسر ضحايا وناجون من حوادث إطلاق نار أخرى. وتجاوب البيت الأبيض مع أنشطة هذه الحركة؛ حيث أعلن في بيانٍ له أنه سيتخذ إجراءات لمعالجة قضية العنف المسلح، ومن بين هذه الإجراءات منع بيع الأسلحة نصف الآلية المطورة، وتدعيم الإجراءات الأمنية حول المدارس، وتدريب أفراد الأمن المحليين للتعامل مع مثل هذه الحوادث، والعمل على تقديم مشاريع لتشديد عمليات التحقق مع الأشخاص الذين يشترون أسلحة (5).

العنف الفردي في استراتيجية مكافحة الإرهاب 2018

                حذرت استراتيجية مكافحة الإرهاب الصادرة في مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2018 من تصاعد موجة العنف الفردي المتمثل فيما يقوم به الأفراد من أحداث عنف مثل حوادث إطلاق النار التي باتت تحدث بشكلٍ روتيني (6). وأشارت الإحصاءات أن الولايات المتحدة هي الرائدة في العالم؛ إذ تحتل المرتبة الأولى على صعيد أعمال العنف والقتل بالأسلحة الشخصية. وتدل هذه الإحصاءات على أن معدل الجرائم المذكورة في أمريكا تفوق نظائرها في كندا على سبيل المثال بستة أضعاف. وتشكل عمليات إطلاق الرصاص على المدنيين من أسلحة شخصية ما نسبته 31% مما يحدث في جميع بلدان العالم.

ويرى المحللون أن أحد أهم أسباب انتشار حوادث إطلاق النار في الولايات المتحدة يتصل مباشرة بالقوانين الأمريكية التي تسمح بتقنين حمل السلاح.  وتشير التقارير أن أغلب مطلقي النار في الفترة الأخيرة ينحدرون من فئة المراهقين الذين لم يتجاوزوا سن العشرين، وهو ما يعزيه البعض إلى فكرة الترويج للعنف سواء في أعمال هوليود أو ألعاب التسلية الخاصة بالأطفال.

الجمعية الوطنية للسلاح (NRA)، والعنف

يصل عدد بائعي السلاح في الولايات المتحدة إلى 130 ألف، ووصل عدد المتاجر المتخصصة في بيع الأسلحة إلى 35 ألف متجر، وذلك وفق ما نشرته مجلة "بيزنس إنسايدر" الأمريكية. وتشير التقارير إلى أن تجار الأسلحة المعتمدين يشترطون على الزبائن تقديم حالتهم الجنائية وصورة من الرقم القومي، ولكن على الناحية الأخرى هناك العديد من التجار لا يحتاجون إلى أي نوع من الأوراق الثبوتية، وهو ما يمثل خطورة كبيرة على حالة السلم المجتمعي داخل البلاد (7).

تجدر الإشارة إلى أن مراكز صنع القرار في واشنطن تخضع لـ "جمعية السلاح الأمريكية" (NRA) التي تُعد أقوى لوبي ضغط على عملية صنع القرار في هذا الشأن. يُذكر أن المنظمة تبرعت بحوالي 15 مليون دولار بصورة مباشرة لحملات الدعاية الحزبية خاصة للجمهوريين منذ عام 1989(8).

ويرى أعضاء منظمة "من أجل حياتنا" منظمة السلاح أكبر لوبي ضغط يعمل على عدم تعديل قوانين بيع الأسلحة، أو الحد من حيازتها عن طريق رفع السن، ويعتبرون أن المنظمة الداعم الرئيسي لترامب. وبالفعل، رفضت الجمعية الوطنية للسلاح أي جهود ترمي إلى رفع الحد العمري لمن يمكن أن يحصلوا على السلاح، ويحدد القانون من يُسمح لهم بحمل السلاح بسن الثمانية عشر عامًا. والمتتبع لأحداث العنف في الولايات المتحدة يدرك جيدًا حجم هذه المشكلة وانعكاساتها السلبية على السياسة الداخلية الأمريكية.

 وفي أعقاب هجوم فلوريدا، ذهب بعض المسؤولين إلى العمل على وضع تشريعات من شأنها أن تحد من القدرة على شراء بعض البنادق، بما في ذلك بندقية أر-15 المستخدمة في فلوريدا، ورفع السن إلى 21 عاما بدل 18 عامًا، وهو الاقتراح الذي دعمه الرئيس دونالد ترامب الذي قال عنه: "يجب أن يكون ذلك متاحًا عند سن 21 عامًا، وستدعمه الجمعية الوطنية". وعلى العكس من ذلك، استبعدت منظمة السلاح أن يُقدم ترامب على هذه الخطوة.  واعتبرت الجمعية الوطنية للسلاح أن رفع سن امتلاك السلاح لن يحل المشكلة التي يعاني منها بعض المراهقين المتهمين بارتكاب أحداث إطلاق النار.

ختامًا؛ على الرغم من تراجع ترامب مؤخرًا فيما يتعلق بحمل السلاح مثل دعوته لرفع سن حيازة السلاح إلى 21 عامًا إلا أن مسألة حيازة السلاح كانت محل تأييد كامل منه أثناء حملته للانتخابات الرئاسية؛ حيث طمأن خلال حملته الانتخابية حائزي الأسلحة، وأعلن أنه سيحمي حمل السلاح كحق دستوري، بل وذهب إلى انه سيلغي بعض المناطق المحظور حمل السلاح بداخلها، واتهم "كلينتون" وقتها بالعمل على تجريد حاملي السلاح من حقوقهم. كان ذلك كله كفيلًا بإعلان الجمعية الوطنية للسلاح دعمها لتوجهات المرشح الرئاسي وقتها "ترامب".

الهوامش:

1.                Tom Batchelr, Thousand Oaks shooting: At least 12 killed after gunman opens fire in California bar, The Independent, Accessed at: https://goo.gl/4h9zvj

2.       عشر حقائق عن السلاح والجريمة في الولايات المتحدة (2/10/2017)، BBC عربي، على الرابط: http://www.bbc.com/arabic/in-depth-41469992

3.       الولايات المتحدة: مسيرات ضخمة للمطالبة بتشديد الرقابة على حيازة السلاح (25/3/2018)، فرانس 24، على الرابط: https://goo.gl/M65QDB

4.                David Hogg & Lauren Hogg (Authors), #Never Again: A New Generation Draws the Line (New York: Random House, 2018).

5.         "من أجل حياتنا": حركة ولدت من مآسي ضحايا السلاح في أمريكا (25/3/2018)، BBC عربي، على الرابط: https://goo.gl/StcGJN

6.         محمود جمال عبد العال، الإرهاب اليميني: لماذا تصاعدت جرائم الكراهية قبل انتخابات الكونجرس الأمريكي؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، على الرابط: https://goo.gl/tm49T9

7.       هجوم فلوريدا يثير الجدل مجددا حول حيازة الأسلحة النارية في أميركا (16/8/2018)، يورو نيوز، على الرابط: https://goo.gl/5Mpx9k

8.       محمود جمال عبد العال، لن يحدث مجددًا: جيل جديد يضع حدودًا، مجلة اتجاهات الأحداث، العدد 26، ص102.

شارك