لماذا يجب على إيران أن تبقي داخل الاتفاق النووي؟

الخميس 24/يناير/2019 - 04:46 م
طباعة لماذا يجب على إيران
 
هنري روما- ترجمة: مرﭬت زكريا

تعهد المرشد الأعلى آية الله "علي خامنئي" بعد فترة وجيزة من انسحاب الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" من الصفقة النووية الإيرانية، بأن إيران لن تتسامح مع التقييد المتزامن لاقتصادها وبرنامجها النووي، وقال في ذلك "أن هذا الحلم السيء لن يتحقق أبداً".

في السياق ذاته، واصلت إيران الامتثال للقيود المفروضة على برنامجها النووي في إطار خطة العمل المشتركة الشاملة (JCPOA)، التي تم تنفيذها قبل ثلاث سنوات. وأعاد "ترامب" فرض عقوبات من جانب واحد في أغسطس ونوفمبر لعام 2018، وهو ما يعني تحمل طهران تكاليف اقتصادية شديدة؛ تمثلت في مزيج من العقوبات الاقتصادية والقيود النووية التي لم تشهدها من قبل. و في الوقت الذي يناقش فيه صانعو السياسات والمحللون كيفية تحسين اجواء العلاقة بين واشنطن و طهران، من المهم أن نفهم لماذا بقيت إيران في المقام الأول داخل الصفقة النووية بعد الانسحاب الأمريكي؟

و أشار الكاتب بأنه لا يجب ألا نتخيل أن إيران ستظل داخل الاتفاق النووي بغض النظر عن التكلفة، أو أن قادتها يعتمدون على مجرد انتظار انتهاء فترة "ترامب" الرئاسية. كما أن الانسحاب من الاتفاق أو اتخاذ بعض الإجراءات الصغيرة لانتهاكه، يمكن أن يساعد طهران في بناء نفوذ ضد الولايات المتحدة في المحادثات المستقبلية، حتى وإن كان يشتت انتباه المواطنين من خلال تعزيز شعار الحكومة للمقاومة.

                ولكن يرى الكاتب بأنه يجب على طهران إلا تنزعج خشية أن يؤدي الانسحاب من الاتفاق بالضرورة إلى الحرب: إذ يمكن لإيران أن تتخذ خطوات صغيرة لانتهاك الاتفاقية بما يمكنها من استغلال الوقت اللازم للتهديد بالعودة للتخصيب عند مستوى 20%، ثم تحاول اللعب على الوتر الأخر الذي يتمثل في أن كل ذلك يمكن أن يعود إلى وضع الالتزام الكامل ببنود الاتفاق إذا عادت الولايات المتحدة إلى المفاوضات.

و أقر الكاتب بأنه من الضروري أن القيادة أجرت من خلال عملية صنع القرار المعقدة تحليلاً للتكلفة والعائد وقررت البقاء؛ من المرجح أن القرار استند في المقام الأول إلى العامل الاقتصادي مدفوعاً ببعض الاعتبارات الاستراتيجية والفوائد الدبلوماسية للبقاء داخل الاتفاق النووي.

أولاً- الأهمية الاقتصادية للبقاء داخل الاتفاق

يشير الكاتب إلي أن العامل الاقتصادي يعد هو العامل الأكثر بروزاً في الحسابات الإيرانية؛ فمنذ إعادة فرض العقوبات الأمريكية في نوفمبر لعام 2018، أصبحت هناك ملاحظتان لا مفر منهما؛ أولاً، على الرغم من قوة  العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها ليست بنفس فعالية التدابير المتعددة الأطراف. ثانياً، يعد الأثر السلبي الذي خلفه الخروج الإيراني من الاتفاق النووي أكبر من أي أثر إيجابي من الممكن أن تحصل عليه في ظل هذا الوضع.

كما إن مبيعات إيران من النفط وجهود أوروبا لتجاوز العقوبات الأمريكية تدعم هذه الاستنتاجات؛ حيث أدى التهديد بفرض عقوبات أمريكية إلى انخفاض حاد في صادرات النفط الإيرانية من 2.4 مليون برميل في اليوم في مايو 2018 إلى حوالي 1.25 مليون برميل يومياً في نوفمبر للعام ذاته. وبدافع من المخاوف بشأن أسعار البنزين المحلية، أظهرت واشنطن درجة مذهلة من المرونة، حيث أصدرت إعفاءات تسمح لثمان دول بمواصلة شراء الخام الإيراني ومشتقاته.

ويجادل الكاتب بأنه من مصلحة طهران البقاء داخل الاتفاق النووي؛ حيث تعمل فرنسا، المانيا والمملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي لإنشاء آلية لتجاوز العقوبات الأمريكية، وعلى الرغم من القصور الذي سيعترى هذه الأداة ويتمثل  أبرزها في عدم استخدامها في التجارة على نطاق واسع، لكنها يمكن أن توفر للشركات والمصارف قناة للتجارة القانونية والإنسانية مع إيران. ولكن يقر "هنرى روما" بأن إنشاء خط أنابيب للسلع الإنسانية ستصبح أكثر أهمية في الأشهر القادمة مع تكثيف النقص الطبي، و من المرجح أن تقوم الدول الأوروبية بقطع هذه العلاقة إذا توقفت إيران عن الالتزام بخطة العمل المشتركة الشاملة (JCPOA ).

ثانياً- الذكاء الاستراتيجي الإيرانى

أشار الكاتب إلي إن البقاء في الاتفاقية النووية يعزز من سياسة إيران الإقليمية؛ حيث أن انشغال قادة العالم بإنقاذ الصفقة النووية والحذر من استعداء إيران، جعلهم يتجاهلوا الأنشطة الإيرانية غير النووية. ومن هنا يظهر تناقض الوضع؛ لأن إدارة "ترامب" بررت الانسحاب من خطة العمل المشتركة جزئيا للسماح للعالم بمعالجة الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط بشكل أفضل.

و أظهرت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية إجماعاً دولياً حول التهديد الصاروخي الإيراني، في ظل مواصلة طهران لتطوير واختبار الصواريخ الباليستية دون توقف، ولذلك كانت هناك اقتراحات بمفاوضات أوروبية أمريكية لفرض عقوبات صاروخية جديدة في أوائل عام 2018،  لكن تلك تم الغاء هذه المحادثات بمجرد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي.

كما اتهمت أجهزة الاستخبارات الأوروبية عملاء إيرانيين بمحاولة تفجير مؤتمر للمعارضة في فرنسا واغتيال الانفصاليين العرب في الدنمارك عام 2018. وأصدر الاتحاد الأوروبي في 8 يناير لعام 2019 مجموعة كبيرة من العقوبات ردا على ذلك، مما أدى إلي اعتراف المرشد الأعلى "على خامنئي" للمرة الأولى بالتأثير السلبي للعقوبات على الداخل الإيراني.

ولكن حولت طهران كعادتها الاضطراب الداخلي الي نفوذ خارجي يهدد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية أو أحد حلفاءها في الشرق الأوسط؛ حيث اتهمت في الأشهر الأخيرة من عام 2018 إسرائيل إيران ببناء مصانع صغيرة في لبنان للسماح لحزب الله بإنتاج صواريخ دقيقة محليا. و بالنسبة لإيران، تقلل هذه الاستراتيجية من خطر نقل مكونات الصواريخ من سوريا إلى لبنان في قوافل تقوم إسرائيل بتفجيرها بشكل روتيني، وبغض النظر عن القرار النهائي لإدارة "ترامب" حول مستوى تواجد القوات الأمريكية في سوريا ،فإن استراتيجية إيران في لبنان ستشكل خطراً متزايدًا على إسرائيل، التي تحاول إثارة الرأي العام العالمي تجاه النفوذ الإيراني المتصاعد في الشرق الأوسط.

                نتيجة لما سبق، يشير الكاتب إلي أن انسحاب طهران من خطة العمل المشتركة (JCPOA) من المرجح أن يعمل على تصاعد القلق الدولي بشأن أنشطتها الإقليمية وسيحد من قدرتها على المناورة، ومن ثم تعد فكرة البقاء داخل الصفقة النووية هي البديل الأنسب.

ثالثاً- تعزيز الدعم الدولي

أدى الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي إلي تمتع إيران بالدعم الدبلوماسي من خلال الاستمرار في تنفيذ الاتفاقية. كما يشير الكاتب إلي أن ذلك نتاج محاولة الرئيس الإيراني "حسن روحاني" ووزير الخارجية جواد ظريف خلال السنوات الخمس الماضية تحسين سمعة إيران الدولية؛ حيث ظهر ذلك في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في سبتمبر / أيلول ومرة أخرى في ديسمبر / كانون الأول لعام 2018 عندما وقفت الولايات المتحدة وحدها في إدانة الاتفاق النووي ، في حين أشاد مندوبون من أوروبا، الصين، روسيا بامتثال إيران في تنفيذ الاتفاقية.

ويرى الكاتب إلي أن عقد الاتفاق النووي ذاته في نيسان/إبريل لعام 2015 ساعد إيران على توسيع علاقاتها التجارية والدبلوماسية، كما أدى امتثالها الذي أكده المفتشون الدوليون إلى تقويض محاولات الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل للتعمق أكثر في أنشطة إيران النووية السابقة، والحفاظ على سمعة إيران دولياً.

ختاماً: يرى الكاتب أنه من المرجح أن يشهد عام 2019 انكماش اقتصادي حاد ولكن ستبقي إيران في إطار الصفقة النووية. و لكن ستبدأ حسابات إيران في التغيير إذا توقفت الصفقة عن تحقيق فوائد اقتصادية أو اتجه المجتمع الدولي لقمع نشاطها الإقليمي.

 

Henry Rome, Why Iran Waits: Staying in the Nuclear Deal Is Its Worst Option, Except for All the Others, available at:

 https://www.foreignaffairs.com/articles/iran/2019-01-10/why-iran-waits?cid=soc-fb-rdr&fbclid=IwAR2-MI3PZsyCjNVWD5_AjZvvA1VHXccMXmhWhEFNv8T9xAoB96faeTMBVMw


شارك