شكوك متزايدة .. اتفاق أضنة وحدود المساومة التركية السورية

الخميس 31/يناير/2019 - 04:56 م
طباعة شكوك متزايدة  ..
 
مصطفى صلاح

شكل الإعلان عن الاتفاق الأمني الموقع بين تركيا وسوريا عام 1998، تحت مسمى "اتفاق أضنة الأمني"، من جانب روسيا، أحد الأورواق السياسية التي تحاول بها موسكو أن تمهد لحلحلة الأزمة السورية سياسيًا، كبديل عن المناطق الآمنة التي اقترحتها تركيا والولايات المتحدة بإقامة منطقة عازلة بعمق اثنين وثلاثين كيلومترًا، إلا أن موسكو  تسعى إلى الوصول إلى تطبيق هذا الاتفاق من خلال العمل مع الأطراف الفاعلة على الأراضي السورية خاصة أنقرة؛ حيث قدمت موسكو إلى أنقرة اقتراحًا بتفعيل اتفاق أضنة الذي يعود إلى عام 1998 ويسمح للجيش التركي بالتوغل شمال سوريا بعمق 5 كيلومترات،

نص الاتفاق التركي السوري

بعد ازدياد حدة التوتر في العلاقات التركية السورية، بسبب الاتهامات التركية لدمشق بدعم حزب العمال الكردستاني، عملت تركيا على حشد قواتها العسكرية على الحدود مع سوريا، بحجة قطع الدعم المتواصل الذي كانت تقدمه دمشق لتنظيم حزب العمال الكردستاني، وإيوائها زعيمه عبد الله أوجلان والسماح له بإقامة معسكرات على أراضيها.

الجدير بالذكر أن الاتفاق أبرم بين تركيا وسوريا، في ظروف سياسية مختلفة عما هو عليه الحال بين البلدين في الوقت الراهن، وكان آنذاك ضرورة إقليمية شاركت فيها دول عربية مثل مصر ودول غير عربية كإيران، والتي أنقذت سوريا من حرب كانت وشيكة نتيجة دعمها لحزب العمال الكردستاني وزعيمه عبدالله أوجلان، الذي كان يقيم في دمشق ويشرف على معسكرات لحزبه في سوريا والبقاع اللبناني.

وبعد نجاح جهود الوساطة المصرية والإيرانية، تم التوصل إلى توقيع الاتفاق الأمني بين أنقرة ودمشق، وفيما يلي أهم بنود الاتفاق:

-  عدم السماح للقيادي الكردي عبدالله أوجلان بدخول سوريا.

- لن يسمح لعناصر حزب العمال الكردستاني (تنظيم بي كا كا) في الخارج بدخول سوريا.

- معسكرات حزب العمال الكردستاني لن تعمل (على الأراضي السورية) وبالتأكيد لن يسمح لها بان تصبح ناشطة.

- العديد من أعضاء حزب العمال الكردستاني جرى اعتقالهم وإحالتهم على المحكمة. وقد تم إعداد اللوائح المتعلقة بأسمائهم. وقدمت سوريا هذه اللوائح إلى الجانب التركي.

- إن سوريا، وعلى أساس مبدأ المعاملة بالمثل، لن تسمح بأي نشاط ينطلق من أراضيها بهدف الإضرار بأمن واستقرار تركيا. كما ولن تسمح سوريا بتوريد الأسلحة والمواد اللوجستية والدعم المالي والترويجي لأنشطة حزب العمال الكردستاني على أراضيها.

- صنفت سوريا حزب العمال الكردستاني على أنه منظمة إرهابية. كما حظرت أنشطة الحزب والمنظمات التابعة له على أراضيها، إلى جانب منظمات إرهابية أخرى.

- لن تسمح سوريا لحزب العمال الكردستاني بإنشاء مخيمات أو مرافق أخرى لغايات التدريب والمأوى أو ممارسة أنشطة تجارية على أراضيها.

- لن تسمح سوريا لأعضاء حزب العمال الكردستاني باستخدام أراضيها للعبور إلى دول ثالثة.

- ستتخذ سوريا الإجراءات اللازمة كافة لمنع قادة حزب العمال الكردستاني الإرهابي من دخول الأراضي السورية ، وستوجه سلطاتها على النقاط الحدودية بتنفيذ هذه الإجراءات.

- سيتم إقامة وتشغيل خط اتصال هاتفي مباشر فوراً بين السلطات الأمنية العليا لدى البلدين.

- سيقوم الطرفان بتعيين ممثلين خاصين (أمنيين)في بعثتيهما الدبلوماسيتين( في أنقرة ودمشق)، وسيتم تقديم هذين الممثلين إلى سلطات البلد المضيف من قبل رؤساء البعثتين.

- اتفق الجانبان، التركي والسوري، ويتوقف ذلك على الحصول على موافقة لبنان، على تولي قضية مكافحة حزب العمال الكردستاني الإرهابي في إطار ثلاثي(أخذا بعين الاعتبار أن الجيش السوري كان لم يزل في لبنان، وكان حزب العمال يقيم معسكرات له في منطقة البقاع اللبناني الخاضعة لنفوذ الجيش السوري).

- يعتبر الطرفان أن الخلافات الحدودية بينهما منتهية، وأن أيًا منهما ليس له أية مطالب أو حقوق مستحقة في أراضي الطرف الآخر.

- في حال اخفاق الجانب السوري في اتخاذ التدابير والواجبات الأمنية ، المنصوص عليها في هذا الاتفاق، يعطي تركيا الحق في اتخاذ جميع الإجراءات الأمنية اللازمة داخل الأراضي السورية حتى عمق 5 كم.(1)

وقضى الاتفاق، كذلك، بإغلاق معسكرات الحزب الكردستاني، واعتقال السلطات السورية لمناصريه، وتسليم نحو 50 قياديًا إلى تركيا، وهي إجراءات كانت كفيلة بـ”بناء الثقة” وتوطيد العلاقات بين تركيا وسوريا في الأشهر الأخيرة من حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد، التي تعززت ووصلت إلى أعلى المستويات عندما تسلم الحكم بشار الأسد، الذي زار تركيا سنة 2004، لتكون أول زيارة وصفت بـ”التاريخية” لرئيس سوري منذ الاستقلال سنة 1946.

تركيا وحدود المناورة

تحاول أنقرة وواشنطن إقامة منطقة عازلة بعمق اثنين وثلاثين كيلومترًا، من الحدود التركية، وعلى الرغم من إعلانه إعادة النظر في هذا الاتفاق المبرم مع دمشق، وسط الادعاءات التركية على لسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن من أهم أهداف العمليات التي تقوم بها بلاده داخل الأراضي السورية، هو تحقيق الأمن للسكان الذين يعيشون هناك. وأشار إلى أنه بحث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المنطقة الآمنة في سوريا، وسلامة الأراضي السورية.

على الجانب الآخر؛ لفت أردوغان إلى أن زيارته إلى موسكو، أظهرت ضرورة إعادة تطبيق اتفاق أضنة لعام 1998 الموقع مع سوريا مجددًا، مشيرًا إلى أنه بحث ذلك الأمر مع الرئيس بوتين، كما اعتبر الرئيس التركي، أردوغان، أن أحكام "اتفاق أضنة" الموقع بين دمشق وأنقرة لا تزال سارية المفعول، مصرحًا بأن بلاده عازمة على إنقاذ المنطقة من "الكارثة" التي تشهدها.

على الجانب الروسي، حددت موسكو موقفها بوضوح حيال هذا الأمر، فقال سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، وخلال لقائه بوزير الخارجية المغربي، وفي مؤتمر صحافي نقل على الهواء مباشرة بأن "المباحثات الجارية بخصوص المنطقة العازلة، ليس موضوعًا للاتفاق بين روسيا وتركيا، بل يجب أن يكون اتفاقًا بمشاركة الحكومة السورية".(2)

وبالتالي فإن استدعاء تركيا لمثل هذا الاتفاق لتبرير التدخل العسكري في سوريا يلقى العديد الانتقادات للطموح التركي المتعلق بإقامة المنطقة العازلة خاصة بعد لقاء أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتن، عندما لم يستطع الحصول على دعم روسي واضح لخطته بفرض منطقة آمنة في الشمال السوري على عمق 30 كيلومترًا، كان قد تلقى وعدًا بها من واشنطن، على أن تتكفل أنقرة بإقامة المنطقة الآمنة على الحدود. لكن ليس هناك دلائل على تحرك أميركي أيضًا في هذا الاتجاه، خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتزام بلاده الانسحاب العسكري من سوريا.

وعلى خلفية هذه المناورة التركية؛ فإن أنقرة لجأت إلى التلويح بهذا الاتفاق الذي مر عليه عشرون عامًا، بعدما لاقت المعارضة من جانب روسيا وسوريا فيما يتعلق بمقترح المنطقة الآمنة؛ حيث تهدف أنقرة من هذه المناورة ضمان حق التدخل العسكري في الأراضي السورية.

المكسب الروسي والسوري

عندما تم طرح الاتفاقية من الجانب الروسي خلال لقاء الرئيس الروسي بوتين بنظيره التركي أردوغان، للتفعيل كان ذلك لتحقيق عدد من الأهداف، أهمها أنها ستكون مدخلًا مهمًا لحل المشكلات العالقة بين دمشق وأنقرة؛ حيث سيتعين على النظام التركي التعامل الرسمي مع النظام السوري بشكل مباشر بهدف الوصول إلى تفاهمات حول هذه الاتفاقية، وبذلك تمثل الاتفاقية اعترافًا رسميًا من جانب أنقرة بالنظام السوري، بعد أن كانت لا تعترف به مطلقًا في السابق.

كما أن الاتفاق على هذه البنود الواردة في الاتفاقية لن يسمح لتركيا بتحقيق هدفها المتعلق بالمنطقة الآمنة بالشراكة مع واشنطن، خاصة في ظل الرفض الروسي والسوري، وبذلك يحقق النظام السوري ومعه روسيا بالعديد من الأهداف المتعلقة بسيطرة القوات الحكومية السورية على تلك المنطقة وتأمينها وهو ما سيؤدي إلى خروج الأتراك من هذه المناطق، خاصة بعدما أدى قرار الانسحاب الأميركي إلى تعزيز حملة الجيش السوري المدعوم من روسيا لإعادة فرض السيطرة على البلاد.

ووفق تلك المعطيات فإن الموقف التركي يشهد حالة من الارتباك وعدم التوازن خاصة في ظل الإرادة السورية والروسية بإبعاد أنقرة عن التواجد العسكري داخل الأراضي السورية، وبالتالي فإن الدور التركي في سوريا سيشهد حالة من التأزم والانحصار في مقابل النفوذ السوري والروسي، وفي ظل القرار الأمريكي بالانسحاب من الأراضي السورية.

المراجع:

1) ما هي بنود اتفاق أضنة السرّي بين أنقرة ودمشق حسبما كشفتها الصحافة التركية؟!، على الرابط:

http://cutt.us/w97i5

2) تعرف إلى اتفاق أضنة.. بديل "المنطقة الآمنة" شمال سوريا، على الرابط:

http://cutt.us/EJEpi

3) اتفاق أضنة.. كيف استدعى أردوغان "أسلوب التاجر المفلس"؟، على الرابط:

شارك