حقبة أخرى من سباقات التسلح .. واشنطن والكشف عن استراتيجية دفاعية جديدة

الثلاثاء 05/فبراير/2019 - 07:45 م
طباعة حقبة أخرى من سباقات
 
نهال أحمد

كشف الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" خلال يناير من العام 2019 ، عن إستراتيجية دفاعية جديدة، ليثير توقيت الإعلان عنها جدلا ما، لاسيما في ظل ما  تشهده الإدارة الأمريكية من حالة تخبط شديد، نتيجة لحالة الركود المستشري داخل مؤسسات الدولة المختلفة، على خلفية الإغلاق الجزئي للحكومة الأمريكية، وذلك بعدما فشلت المفاوضات بين الديمقراطيين والجمهوريين خلال ديسمبر 2018 حول الموازنة العامة السنوية، وتصاعد اعتراضات الديمقراطيين على خطة الرئيس "ترامب" بشأن قرار التمويل الحكومي المؤقت لبناء الجدار الحدودي مع المكسيك.

 ومن ناحية أخرى برزت بشكل واضح خلال الفترة الأخيرة نزعة هجومية تنافسية بين الولايات المتحدة والقوى الدولية الصاعدة كالصين وكوريا الشمالية وروسيا وإيران، في حالة شبيهة بالمواجهة المحتدمة خلال حقبة الحرب الباردة،  وقد دفعت هذه التوترات سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي إلى العودة مرة أخرى لسباقات التسلح ، ومن هنا يأتي الحديث عن الإستراتيجية الدفاعية الجديدة التي أعلن عنها الرئيس "ترامب".

  أسس السياسات الدفاعية الأمريكية

هناك علاقة وثيقة بين التطورات على المستوى الدولى، وتوجهات السياسة الدفاعية الأمريكية المرتبطة بشكل كبير بتلك التطورات، والمستندة في الوقت ذاته إلى أدوات اقتصادية ودبلوماسية بحتة، وهو ما يمكن استيضاحه على النحو التالي:

الصدام  مع روسيا والصين

يعتبر التنافس الأمريكي مع القوى العظمى كروسيا والصين من أبرز محددات الاستراتيجية الدفاعية الامريكية، ومن ثم يستهدف التطوير الدفاعي تطويق سباق التسلح الذي تخوضه تلك القوى ، وقد اعترفت واشنطن بالتفوق النسبي لمنظومة التسلح الروسي والصيني، وهو ما دفع الرئيس "ترامب" لرفع الموازنة العسكرية، في حين أعلن "ماتيس" في يناير 2018 أن الاستراتيجيات الدفاعية الأمريكية ستنصب على إعطاء الأولوية للاستعداد للحروب الأساسية وتبني قوى أكثر تطورا للتنافس الاستراتيجي (1).

ويستدل على التفوق الروسي العسكري مقارنة بالولايات المتحدة في تمكن موسكو من احراج واشنطن عبر تدخلها العسكري في جورجيا عام 2008 ، إلى جانب نجاحها في ضم  جزيرة القرم عام 2014، وبلغ التنافس الروسي قوته ليتجاوز دول شرق أورروبا ، بحيث وصل الى داخل الولايات المتحدة حينما وجهت اتهامات لموسكو بالتدخل في نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي فاز بها "ترامب" ، وفيما يتعلق بالنفوذ الصيني نجد أن التنافس معها ليس عسكريا لكنه اقتصادي بحت، نظرًا لنجاح بكين في فرض هيمنتها الكاملة على منطقة بحر الصين الجنوبي، وتهديد حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في تلك المنطقة ( كوريا الجنوبية واليابان). وعلى الجانب الآخر  تتهم  واشنطن  الصين بالتسبب في إطالة أمد الصراع في باكستان عبر دعمها لمقاتلي حركة طالبان، وهو ما دفع الولايات المتحدة لاعلان استراتيجية أمريكية جديدة تجاه جنوب آسيا عام 2017.

عودة سباق التسلح

رغم انتهاء حقبة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عام 1991، والتي ارتكزت بشكل رئيسي على تطوير الفدرات النووية، إلا أن هذا السباق تجدد مرة أخرى ، لكن الاختلاف هذه المرة يرجع إلى تعدد الأطراف حيث لم يعد قاصرًا على طرفين فقط ولكن شمل أقطاب متعددة ، في ظل تصاعد صراعات دولية لم تحسم أي منها حتى الآن ، في حين ترى ادارة "ترامب" أن السياسات الدفاعية خلال فترة "اوباما" لم تكن متوائمة مع التطورات الدولية حينذاك، حيث عمل "اوباما" على تخفيض ميزانية الدفاع، في حين جاءت إدارة "ترامب" لتضاعف من ميزانية الدفاع بحيث وصلت إلى 700 مليار دولار تم تخصيصها للاستثمار في مجالات الدفاع النووي، والفضائي، والصاروخي، وهو ما حلله وزير الدفاع "جيمس ماتيس" ، بأن تفوق الولايات المتحدة عسكرياً في الجو والأرض وفي البحر والفضاء الإلكتروني بدأ يتلاشى، وهو ما يتطلب الاستعداد للحرب وبناء أسلحة أكثر فتكا.

تصاعد خطر الجماعات الارهابية:

دفعت احداث الـ 11 من  سبتمبر ، وما خلفته من دمار للولايات المتحدة إلى إعادة هيكلة سياستها الخارجية، حيث اعتبرت واشنطن الجماعات الجهادية  العدو الأول، ومصدر رئيسي للتهديدات الأمنية،  لذلك كان لزاما على الولايات المتحدة تطوير منظومتها الدفاعية بما يتواكب مع التهديدات الامنية المتصاعدة لاسيما خلال العقدين الماضيين(2).

فحوى الإستراتيجية الدفاعية الجديدة 

تبنت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" خلال يناير 2019 إستراتيجية دفاعية فضائية ضد أي هجمات صاروخية محتملة، وتشير هذه الخطوة إلى ما أورده الرئيس "ترامب" في برنامجه الانتخابي بشأن زيادة الإنفاق على الموازنة العسكرية، من أجل تطوير منظومات الدفاع المختلفة، وهو ما انعكس في الوثيقة التي عرضتها وزارة الدفاع أمام الرئيس "ترامب" يوم 19 يناير 2019؛ تضمنت مجموعة مشاريع ترتكز حول تطوير منظومات دفاع صاروخية أكثر حداثة من الصواريخ الجديدة التي طورتها كل من الصين وروسيا ذات سرعة تفوق سرعة الضوء، بحيث يمكن أن تتجاوز سرعتها 5آلاف كم في الساعة، في حين يصعب اعتراض هذه الصواريخ بعد إطلاقها (3).

وعلى جانب الأمن الفضائي، فقد سعت الولايات المتحدة لتحديث المعدات الفضائية الخاصة بها كي يمكنها ذلك من متابعة ورصد التحركات الخارجية، وبناءًا على ذلك أطلقت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" دراسة تتعلق بتصميم نموذج جديد لمنظومة فضائية عبارة عن طائرة مسيرة من نوع جديد ومزودة بصواريخ ثابتة يمكن خلالها تدمير صواريخ تتجاوز سرعتها الصوت، في حين تستهدف الاستراتيجية الجديدة الصواريخ الباليستية المطورة بواسطة كل من إيران وكوريا الشمالية، كما تسعى الولايات المتحدة إلى تدمير تلك الصواريخ فور اطلاقها.

وتضمنت الوثيقة أيضا مشاريع تستهدف تزويد المقاتلات "إف 35" بمنظومة صاروخية جديدة لتتمكن من تدمير أي صاروخ محتمل يمكن إطلاقه من كوريا الشمالية، إلى جانب تطوير أجهزة ليزر لتزويد طائرات بدون طيار بها .

وتعزز تلك المشاريع التطويرية لمنظومة الدفاع الصاروخي التي تمتلكها الولايات المتحدة كمنظومة الدفاع المعروفة بـ "ثاد" المصممة من أجل تدمير الصواريخ الباليستية متوسطة المدى، وكذلك منظومة "جي ام دي" المشكلة من 44 صاروخ المتمركزة في قاعدة فاندنبرج بكاليفورنيا، وقد صممت تلك المنظومة لاعتراض الصواريخ، في حين تسعى الاستراتيجية الدفاعية الجديدة إلى رفع عدد الصواريخ الاعتراضية إلى 64 صاروخ بدلا من 44 بحلول عام 2023.

ولعل الدافع وراء التهافت الأمريكي على تطوير المنظومة الدفاعية يكمن في رغبة الادارة الأمريكية الحالية في مواكبة التطور الكوري والايراني والروسي لمنظومات الدفاع الخاصة بهم، حيث اشار الرئيس "ترامب" إلى أن الأولوية حاليًا لحماية الشعب الأمريكي ، وأن العهد القادم سيشهد حروب ومواجهات فضائية قوية، مشددا على أن الاستراتيجية الجديدة تستهدف الوقوف في وجه الطموحات الصاروخية الإيرانية المهددة لاستقرار الولايات المتحدة(4).

وختاماً؛ فالتحركات الحالية لجميع الاطراف الدولية ، المتزامنة مع التطورات الدولية، وبروز خطر الجماعات الارهابية، وما يتعلق بمعلومات مسربة بشأن تمويل تلك الجماعات من قبل قوى دولية مؤثرة، كل هذه التطورات تعيد للأذهان فترة سباق التسلح والتنافس حول تطوير القدرات التسليحية للدول، وهو ما يستدل عليه من الاستراتيجية الدفاعية الجديدة للولايات المتحدة ومساعي "ترامب" الحثيثة نحو مضاعفة ميزانية الدفاع الأمريكية.

المراجع

(1)محمد عمر، الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية لعام 2018.. وحماية نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، بتاريخ 30/1/2018، متاح على الرابط: http://cutt.us/NASI5

(2)عفاف محمد اسماعيل المليجي، استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الارهاب : دراسة حالة “داعش في عهد أوباما ” 2008-2016 “، المركز الديمقراطي العربي، بتاريخ 24/2/2018، متاح على الرابط: https://democraticac.de/?p=52522

(3)استراتيجية دفاع أمريكية جديدة تشير إلى تحول في الأولويات، عربي 21، بتاريخ 19/1/2018، متاح على الرابط: http://cutt.us/J0wHd

(4)ترامب.. وهاجس الاستراتيجيات الدفاعية، موقع روسيا اليوم، بتاريخ17/1/2018، متاح على الرابط: http://cutt.us/Onghp

شارك