في الذكرى الأربعين... هل حققت الثورة الإيرانية أهدافها؟

الأحد 10/فبراير/2019 - 07:21 م
طباعة في الذكرى الأربعين...
 
مرﭬت زكريا

يحتفل النظام الإيراني في 11 فبراير/ شباط (22 بهمن تبعا للرزنامة الفارسية) لعام 2019 بالذكرى الـ 40 للثورة الخمينية، التي خطط لها "الخميني" وأتباعه أثناء تواجده في المنفي بباريس، ومن خلالها تم القضاء على أخر ملوك الأسرة الفهلوية. في الوقت ذاته، طرح "الخميني" مجموعة من الأهداف أدت في النهاية إلى القضاء على الملكية وإعلان الجمهورية. ومن هنا تضافرت مجموعة من العوامل الخارجية والداخلية لتجيب على سؤال أساسي يتمحور حول مدى تحقيق الثورة الإيرانية لأهدافها بعد مرور أربعة عقود على اندلاعها.

                في السياق ذاته، أشار بعض المحللين خلال الذكرى الأربعين للثورة الإسلامية في إيران إلى تأزم الوضع الخارجي على خلفية الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي، وانزعاج القوى الدولية من النفوذ الإيراني المتصاعد في منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن اتجاه طهران لتنشيط برنامج الصواريخ الباليستية متجاهلة القوانين والمواثيق الدولية.

أولاً- نبذة عن الثورة الإسلامية وأهدافها

تُعرف الثورة على أنها حركة جماهيرية تهدف إلى إقامة نظام سياسي جديد عن طريق تحويل عنيف للحكومة القائمة، ووصف المؤرخون الثورة الإيرانية بأنها واحدة من أكبر الأحداث الهامة في الـ 100 سنة الماضية. من الجدير بالذكر أن الثورة الإسلامية في إيران جاءت بعد الحرب العالمية الثانية في ظل سياق استعماري من قبل بريطانيا وفرنسا سيطر على معظم دول الشرق الأوسط، آسيا، أفريقيا وأمريكا الجنوبية فيما كان يطلق عليهم (دول العالم الثالث).

واندفعت الثورة الإيرانية بتحالف قوى من قبل الطبقات والجماعات الدينية داخل طهران، توحدت جميعها في أجندات اجتماعية واقتصادية وسياسية ودينية مشابهة، فضلاً عن الرغبة في اسقاط الشاه(1). ومن هنا، تمحورت أهداف الثورة الإسلامية حول مجموعة من العوامل تمثلت في؛ القضاء على النفوذ الأجنبي المترنح في ذلك الوقت داخل الجمهورية الإسلامية، اسقاط الشاه، المساعدة على نشر ثقافة الحرية والتعبير عن الرأي أي القضاء على الاستبداد والقمع، فضلاً عن الاستقلال ورفض التبعية بكافة أشكالها(2).

ثانياً: هل حققت الثورة أهدافها بعد أربعة عقود؟

لا تُخفي طهران انها تعيش فترة من أصعب الفترات التي مرت على تاريخ الجمهورية الإسلامية منذ قيام الثورة، مما جعل الإيرانيون يعترفون بعد مرور أربعين عاماً بأن الثورة الإيرانية لم تحقق أهدافها، وأن ما حدث فقط هو استبدال نظام الشاه بحكم المرشد. في الوقت الذي يقر فيه البعض الأخر بأن إيران تحاول حتى الأن السعي وراء تحقيق أهداف الثورة التي كانت أبرز شعاراتها " لا شرقية، لا غربية، جمهورية إسلامية"، ومن هنا ظهرت مجموعة من المؤشرات التي تدل على فشل أهداف الثورة، تتمثل فيما يلي: -

1-     أزمات اقتصادية طاحنة

تتمثل أبرز المشكلات الداخلية في انهيار سعر الصرف في مواجهة الدولار، واستمرار تراجع صادرات النفط بعد فرض الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية في نوفمبر لعام 2018؛ حيث هبط الريال الإيراني مسجلاً رقماً قياسياً في تراجعه أمام الدولار منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع دول (4+1). ومن هنا، فقدت العملة الإيرانية أكثر من نصف قيمتها خلال عام 2018، مما أدى لضعف الاقتصاد وزيادة المصاعب المالية في المصارف المحلية، بالإضافة إلى تصاعد الطلب على الدولار بين الإيرانيين (3).

وأرجع البنك المركزي الإيراني أسباب انهيار قيمة العملة إلى التطورات الأخيرة في سوق الصرف والتي تتمحور حول مؤامرات الاعداء الهادفة إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية وإثارة القلق العام. ومن هنا نلاحظ، رغبة المسئولين الإيرانيين في ارجاع دوافع المشكلات الاقتصادية إلى العوامل الخارجية، بدلاً من البحث عن حلول من الداخل نفسه(4).

وعلى صعيد أخر، ظهرت مشكلة الأمن الغذائي ونقص بعض أنواع الأغذية؛ حيث يعاني الشعب الإيراني على خلفية العقوبات الأمريكية التي اعقبت فترة الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، وعدم قدرة شركات الأغذية العالمية على التصدير لطهران. فلم تتمكن مجموعتي "كارجيل" و"بنجي" الأميركيتين، و"أولام" السنغافورية من إبرام صفقات تصدير جديدة للقمح، الذرة والسكر الخام بسبب عدم قدرة البنوك الغربية على تحويل مدفوعات الصفقات مع إيران(5).

2-     احتجاجات سياسية مستمرة

يشير بعض المحللين إلى استمرار الاحتجاجات السياسية منذ قيام الثورة الإيرانية مما جعل بعض المحللين يقر بأن إيران في حالة حراك ثوري مستمر، وظهر ذلك بشكل خاص في عام 2017و 2018 ومازال مستمر، على خلفية معاناة الشعب جراء الوضع الاقتصادي، والتضييق على الحريات والحقوق ولاسيما في حالة الأقليات.

على صعيد أخر، يسيطر الحرس الثوري على معظم المؤسسات الاقتصادية، ولاسيما غير التابعة للأشراف الحكومي، فوفقاً لبعض التقارير، تسيطر مؤسسة "خاتم الأنبياء" التابعة للمرشد الأعلى "على خامنئي" والتي يديرها الحرس الثوري على أغلب المشروعات الحكومية الخاصة بالبناء والتعمير، فضلاً عن تدخلها في مشروعات نفطية، بنى تحتية وشبكات خلوية. نتيجة لما سبق، أصبحت قرابة الـ 90% من نحو 300 شركة خاصة بمجال الطرق والإنشاءات تواجه أزمة بطالة؛ حيث لم يعد يُسند إليهم مشروعات مناسبة، مما قلص من قدرتهم التشغيلية(6).  

 ثالثاً: أبرز الملفات الدولية الشائكة

ظهرت مجموعة من الملفات الدولية الشائكة بعد مرور أربعة عقود على الثورة الإسلامية في إيران، ومن هنا يشير عديد من الكتاب والباحثين إلي فشل السياسة الخارجية الإيرانية في تحسين الوضع الداخلي ورفع مستوى معيشة المواطن الإيراني، ويتمثل أبرزها في؛ -

1-     الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي

مّثل الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي مع مجموعة (4+1) بعد مجيء الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" إلى سدة الحكم، أحد أبرز الملفات الدولية الضاغطة على الوضع الاقتصادي والسياسي داخل الجمهورية الإسلامية؛ حيث أدى الانسحاب الأمريكي من الاتفاق الإيراني إلى فرض موجات من العقوبات الاقتصادية من قبل واشنطن على طهران، وتسبب ذلك في سوء الأوضاع الاقتصادية وتدهور مستوى المعيشة.

في السياق ذاته، انتشرت الاحتجاجات السياسية بشكل كبير داخل طهران وبعض المدن الطرفية اعتراضاً على الوضع الاقتصادي المتدهور وانهيار سعر العملة الإيرانية في مقابل الدولار، انسحاب الشركات الأجنبية متعددة الجنسية وما ترتب على ذلك من انهيار بعض المشروعات العملاقة ولاسيما المتعلقة بالنفط والغاز، أما على الصعيد الخارجي، أدى الخروج الأمريكي إلي خلل كبير في العلاقات الإيرانية الأمريكية الأوروبية (7).

2-     برنامج الصواريخ الباليستية

بات تطوير إيران لبرنامج الصواريخ الباليستية أحد العوامل المساعدة على تدهور علاقتها بالدول الأوروبية ولاسيما (فرنسا، بريطانيا والمانيا)؛ حيث أطلقت طهران منذ توقيع الاتفاق النووي مع دول (4+1) عدد من الصواريخ الباليستية. وعلى الرغم من وجود بند داخل الاتفاق النووي يقر بمنع تطوير هذه البرامج ولكنها تبرر ذلك بسلمية هذه الأنشطة؛ حيث أعلن الرئيس الإيراني "حسن روحاني" في 10 يناير / كانون الثاني لعام 2019 عن تدشين بلاده صواريخ تحمل أقماراً صناعياً إلى مدار الأرض، في تحدً لتحذير الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" من انتهاك القرار رقم 2231.

ومن هنا سعت الدول الأوروبية لتحذير إيران وترويض سلوكها في الوقت نفسه (سياسة العصا والجزرة)، من خلال تدشين القناة المالية الأوروبية التي هدفت من خلالها إلي تجاوز العقوبات الأمريكية ومساعدة طهران على الاستمرار في تعاملاتها التجارية مع الشركات الأوروبية.  في السياق ذاته، أعلنت الخارجية الفرنسية عن رغبة باريس في فرض عقوبات اقتصادية على طهران إذا لم تتمثل لبنود الاتفاق النووي وتتوقف عن إطلاق وتطوير برنامجها للصواريخ الباليستية(8).   

3-     النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط

يشير عدد من المفكرين إلى أن النفوذ الإقليمي لطهران بات أحد أبرز مشكلاتها على الصعيدين الداخلي والخارجي؛ حيث تتلقي طهران المزيد من النقد من قبل القوى الدولية والإقليمية، إلى الدرجة التي جعلت أحد الباحثين يقر بأن النفوذ الإيراني في المنطقة كان هو العامل الأهم في حسابات الولايات المتحدة الأمريكية وأن الخروج الأمريكي جاء على خلفية رغبة واشنطن في إعادة التفاوض بشأن هذا الملف مرة أخرى مع طهران.

أما على الصعيد الداخلي تسبب نشاط إيران في دول المنطقة ولاسيما في سوريا والعراق، فضلاً عن دعم الفاعلين من غير الدول إلى سخط الشعب الإيراني على الحكومة متهما إياها بإهدار موارد الدولة من خلال انفاقها على النشاط الخارجي بدلاً من توجيها لدعم موارد الدولة والدخول في مشروعات استثمارية للحد من المعدلات المرتفعة للبطالة داخل البلاد(9).

ختاماً: ربما يظن القارئ العادي أن إيران استطاعت تحقيق أهداف الثورة الإسلامية من خلال قدرتها على تطبيق مبدأ تصدير الثورة الذي يعد بمثابة الركيزة الأساسية لأهداف الثورة بعد نجاحها، لكن في الواقع، أن انعكاس هذه القدرة على الوضع الداخلي، يشير إلى فشل كبير في تحسين معيشة المواطن الإيراني وإتاحة مساحة للحقوق والحريات بعد مرور أربعة عقود على قيام الثورة الإيرانية.  في الوقت نفسه، تعاني إيران معوقات اقتصادية وسياسية كبيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي، ولاسيما بعد الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران ودول (4+1)، الأمر الذي جعل الأوضاع تنقلب رأساً على عقب.

الهوامش:

1.                 Muhammad Arif, The Iranian Revolution: The Role and Contribution of Ayatollah Ruhollah Khomeini, research gate, 2012, Pp 1-3,  at:

file:///C:/Users/mervat.zakaria/Downloads/Iranian_Revolution_The_Role_and_Contribu.pdf

2.        إبراهيم غرايبة، الثورة الإسلامية والاقتصاد: صراع النخب حول استقلال الاقتصاد الإيراني، الجزيرة. نت، متاح على الرابط التالي:                                                   http://cutt.us/ospQM   

3.        تسونامي انهيار الريال الإيراني، سكاي نيوز عربية، 6/9/2018، متاح على الرابط التالي:

 http://cutt.us/Gob9d

4.                 Iran Currency extends record fall as U.S sanctions looms، Thomson Reuters, 29/7/2018, available at:

https://www.reuters.com/article/us-iran-nuclear-currency/iran-currency-extends-record-fall-as-us-sanctions-loom-idUSKBN1KJ0D

5.        مرفت زكريا، الدوافع والتداعيات... القناة المالية الأوروبية مع إيران، 2/2/2019، المركز العربي للبحوث والدراسات، متاح على الرابط التالي:

 http://www.acrseg.org/41104?fbclid=IwAR3zcNu6PY4MJN-ZQB3WGSvtyZSV2u_TN9guRKzsA1p7HCTKxOWtNY34ixQ 

6.        هشام رشاد، إيران. شركات مليشيا الحرس الثوري تتغول على التنمية، 30/7/2018، العين الإماراتية، متاح على الرابط التالي:

 https://al-ain.com/article/iran-guards-invasion-economic-development

7.        محمد حجاب، تداعيات انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، 7/5/2018، الأهرام الرقمي، متاح على الرابط التالي:                                                                              http://cutt.us/bRT7y

8.                 EU concerned by Iran missile work، regional security role، 4/2/2018, Reuters, available at:

 https://www.reuters.com/article/us-iran-nuclear-eu/eu-concerned-by-iran-missile-work-regional-security-role-idUSKCN1PT1VM

9.                 Iran’s regional influence ‘inevitable’, Middle East Monitor, 1/2/2019, available at :

https://www.middleeastmonitor.com/20180201-official-irans-regional-influence-inevitable/

شارك