مسارات متشابكة .. تركيا والإخوان بين الترابط الفكري والتوجه البراجماتي

الإثنين 11/فبراير/2019 - 06:41 م
طباعة مسارات متشابكة  ..
 
مصطفى صلاح

أثارت عملية ترحيل أحد عناصر الإخوان محمد عبد الحفيظ المحكوم عليه بعقوبة الإعدام إلى مصر، على خلفية الاتهامات الموجهة له  بقتل النائب العام هشام بركات، العديد من التساؤلات حول حدود العلاقة بين تركيا  وجماعة الإخوان؟، خاصة وأن جماعة الإخوان (أسسها حسن البنّا في مصر عام 1928) تمثل العمود الفقري فكريًّا لمحورية تلك العلاقة بين أنقره والجماعة؛ فالجماعة وتركيا يتشاركان نفس الرؤية للدول الإسلامية في الشرق الأوسط؛ حيث دعمت أنقرة «الإخوان»، التي وجدت في الربيع العربي فرصة للانقضاض على الأنظمة الحاكمة في المنطقة، التي لطالما حظرت هذه الحركة.

بين البراجماتية والتوافق

يعد السمت البراجماتي من أهم السياسات التي تتبناها تركيا في علاقاتها مع الدول والجماعات دون مستوى الدول، وما يعتريها من تقلّب بصورة دائمة في المصالح السياسية والأولويات، وبالتالي أبرزت تلك العملية العديد من الاستفهامات حول ما إذا كانت تركيا ستتخلى عن دعمها لجماعة الإخوان التي توفر لهم الدعم المالي والسياسي وتأوي العديد من العناصر الهاربة منهم؟ أم أن هناك نمط محدد لتلك العلاقة يقوم على فكرة أن الإخوان بمثابة الآداة التركية التي تستخدمها للتعبئة والترويج لمشروعها في الإسلام السياسي، وهل الإخوان كانوا دومًا يعرفون ذلك ويحاولون تقاسم الأهداف والوسائل خاصة في ظل التوقيت الذي تشهد فيه استراتيجية رجب طيب أردوغان بالمنطقة انعطافات مفتوحة السيناريوهات على العديد من الملفات العالقة؟

وفيما يلي أبرز ردود الأفعال من الجانبين التركي وجماعة الإخوان حول ترحيل محمد عبدالحفيظ المحكوم عليه بالإعدام، وتتعامل السلطات التركية مع هذه القضية بجدية كما يبدو وأولتها أهمية كبيرة، وما يؤكد ذلك العديد من المؤشرات أهمها:

1) مستشار "أردوغان" ياسين أقطاي؛ حاول  "أقطاي" تبرير موقف السلطات التركية من عملية الترحيل قائلًا أن لشاب المصري وصل إلى مطار أتاتورك في اسطنبول قادمًا من مقديشو بتأشيرة غير مناسبة، وهذا ما دفع المسؤولين إلى ترحيله. قال أقطاي إن تحقيقا سيفتح في ترحيل الشاب، موضحًا أن الشاب لم يطلب اللجوء السياسي إلى تركيا، وأن المسؤولين لم يعلموا بوجود حكم إعدام ضده إلا بعد ترحيله بأيام. كان الإعلامي والناشط السياسي المصري المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين هيثم أبو خليل، قد أعلن أن تركيا رحلت شابا مصريا يدعى محمد عبد الحفيظ إلى مصر مطلوب للحكم عليه بالإعدام.(1)

2) أوضحت شعبة الجوازات والأجانب في مطار أتاتورك الدولي، تفاصيل وملابسات الواقعة منذ وصول الشاب المصري إلى نقطة الجوازات، ومحاولته الدخول إلى الأراضي التركية. "بعد التدقيق تبين أنه لا يحمل الشروط المعتمدة في الحصول على الفيزا التي تخوله دخول تركيا، فتمت إحالته إلى مركز تدقيق الجوازات، وبعد إجراء التحقيقات تبين أنه يخالف شروط الفيزا نوع B1، بعدها تم إصدار قرار باعتباره مسافرًا غير مصرح أن يدخل تركيا وتمت الإجراءات اللازمة لإعادته إلى مقديشو".

في المقابل رفض المتهم الذهاب إلى مقديشو بل إنه يريد المتابعة إلى النقطة التالية حسب تذكرة سفره أي القاهرة، علما أنه تأخر عن موعد الطائرة المتجهة إلى القاهرة في تاريخ 17 يناير2019،  في الساعة 07:25، بسبب محاولته الدخول إلى تركيا بشكل غير قانوني فتم تعديل التذكرة الى الساعة 19:10 من نفس اليوم".

                "لكن قبل لحظات قليلة من السفر أبلغنا بأنه لا يريد الذهاب أيضا إلى القاهرة، وبعد الانتظار في مطار أتاتورك الدولي تم تعديل التذكرة لتصبح عند الساعة 01:30 تاريخ 18 يناير 2019 ، حيث تم إركابه الطائرة بمرافقة موظفي الخطوط الجوية التركية وتم تسفيره إلى القاهرة، وخلال فترة تواجد الشخص المعني لم يتم إي إبلاغ لقوى الأمن أو السلطات العليا بأي طلب حماية إنسانية دولية، لو كان هناك أي طلب من هذا القبيل كان سيتم إيقاف الإبعاد إلى حين انتهاء الإجراءات الدبلوماسية".(2)

على الجانب الآخر ذكرت صحيفة "مللي غازيته" التركية إن عبد الحفيظ وصل إلى مطار اسطنبول في 16 يناير2019،  وتم ترحيله بعد يومين إلى مصر رغم تقدمه بطلب لجوء سياسي إلى تركيا، وتعد عملية ترحيل عبد الحفيظ من قبل السلطات التركية هي الأولى من نوعها لعضو في جماعة الإخوان المسلمين إلى مصر.

ردود فعل الجماعة

تعرضت السلطات التركية لحملة من الانتقادات من شباب المنتمين للجماعة ومقمين في تركيا، مؤكدين علم السلطات التركية بالحادثة ولم تتدخل لمنعها، وتجلت هذه الردود في أعلن الإعلامي والناشط السياسي المصري المحسوب على جماعة الإخوان هيثم أبو خليل، أن تركيا قامت بترحيل شاب مصري يدعى محمد عبد الحفيظ إلى مصر مطلوب للحكم عليه بالإعدام في سابقة تعد الأولى من نوعها،(3) كما دشنت مجموعة من شباب الجماعة المقيمين في تركيا عدة حملات للتنديد بتسليم مطالبين بالتحقيق مع قادة الجماعة الذين تقاعسوا عن التدخل لمنع ترحيله، بحجة أنه لا ينتمي للجماعة، وأنه ينتمي لحركة الجهاد الإسلامي.

فيما شهدت جمعية  رابعة الإخوانية التي تعتبر مقرا لشباب الجماعة، اعتصاما لعدد من عناصر الإخوان اعتراضا على عدم تدخل قادة الجماعة لمنع ترحيل الشاب عبد الحفيظ، فضلا عن تقاعسهم لوقف ترحيل شاب آخر يدعى عبد الرحمن أبوالعلا جاء إلى تركيا قادما من السودان منذ 6 أشهر، واحتجز لفترة في مطار أتاتورك، قبل أن يتم إيداعه أحد السجون بغازي عنتاب.(4)

في المقابل كشف عبدالرحيم الصغير نجل القيادي الإخواني محمد الصغير، الموجود في تركيا أن قيادات الجماعة في اسطنبول تنصلوا من الشاب المصري الذي رحلته تركيا إلى مصر. وكتب الصغير على صفحته الرسمية على الفيسبوك: "بخصوص الشاب الذي رحل لمصر، اتصلت الحكومة التركية على من يتواصلون معه، فقال لهم القيادي هذا جهادي ولا يتبع لنا... سمعت التسجيل بأذني والله على ما أقول شهيد.(5)

وقال صابر أبو الفتوح، القيادي في جماعة الإخوان، إنه علم من محمود غزلان، القيادي بالجماعة، بدخول الشاب تركيا، قادما من الصومال بتأشيرة مزورة، وقبض عليه لكونه ينتمي لأحد التنظيمات المتطرفة، وقال إنه أخبر السلطات التركية بانتمائه للتطرف، مضيفا أنه قام بإرسال محامٍ تركي للمطار لمعرفة سبب القبض عليه وعلم المحامي بنقله لمكان آخر.

وأشار في تسجيل صوتي إلى أن الشاب لم يكن يعلم بكيفية التواصل مع القيادات الإخوانية في تركيا، مؤكداً أن إدارة الهجرة أبلغته أن الشاب مازال موجوداً في تركيا ولم يتم ترحيله لمصر بعد. أعلن أنه يثق في الحكومة التركية ويرفض أي اتهامات لها بترحيل الشاب لمصر، مضيفاً أنها يمكن أن ترفض دخوله للبلاد، لكنها لا يمكن أن تقوم بترحيله لمصر.(6)

سيناريوهات محتملة

يمكن القول بأن العلاقة بين تركيا والإخوان قد تكون اصطدمت بتغييرات استجدت على برنامج وأولويات أردوغان في الشرق الأوسط، وأن العلاقات مع جماعة الإخوان قد تعيق مستقبل دورها الإقليمي في المنطقة، خاصة في ظل حالة الرفض الإقليمي لوجود هذه الجماعة، ويمكن ربط هذا التحول رغم الإعلان الرسمي التركي بعدم معرفتها بهذه القضية بعلاقات تركيا بالفواعل الإقليمية والدولية خاصة روسيا وسوريا، والاتفاق حول الخروج من إدلب، ودعم الجماعات المسلحة.

على الجانب الآخر، وعند الحديث عن العلاقات التركية العربية نجد أنها شهدت العديد من الأزمات والتحولات السلبية على خلفية دعم تركيا للعديد من الجماعات الإرهابية المسلحة ومن بينها جماعة الإخوان المصنفة إرهابية في معظم الدول العربية، بيد أن تركيا قد تستثمر  ورقة الإخوان بمثابة ذريعة أيديولوجية وسياسية تعتمد على العلاقات الجيدة والحماية والمأوى، وكل ما توفره تركيا للإخوان وقياداتهم على أراضيها لتهديد الدول العربية وأمنها.

من جانب الإخوان؛ فإن التضارب الذي أصاب الجماعة فيما يتعلق بالتصريحات حول انضمام محمد عبد الحفيظ إلى الجماعة خاصة بعد قيامه بعملٍ إرهابي واضحٍ في مصر، فتنصلت الجماعة منه على أساس ألا تضع دليلاً على نفسها بأنّها مارست العنف أو مارس بعض أعضائها العنف على الأقل، وهو ما يمكن أن تستجيب له السلطات التركية بترحيل عبد الحفيظ، مما يعني تغييراً ما في سياستها مع أعضاء الإخوان.

وعليه فإن هناك العديد من المؤشرات التي تحمل دلالات عدة يمكن من خلالها فهم خريطة العلاقات بين أنقرة وجماعة الإخوان كونها تستند على قاعدة براجماتية أكثر من كونها علاقة أيديولوجية وإن كانت تحمل هذا النهج، فإن المصالح التركية في سياستها قد تدفعها إلى التخلي عن دعم الجماعة إذا ما أرتآت ذلك لمصلحة أمنها ودورها الإقليمي.

الهوامش:

1) "مستشار أردوغان: الشاب المصري المرحل من تركيا لم يطلب اللجوء السياسي"، روسيا اليوم، 5/2/   2019.                                                                                                                                                                 http://cutt.us/lHyGe

2) "صحيفة تركية تكشف أسباب ترحيل الشاب المصري محمد عبد الحفيظ"، سبوتينك عربي، 5/2/2019.                                                                                                                                                                                 http://cutt.us/VbaQ2

3)  "قيادي إخواني مصري: تركيا ترحل شابا مصريا إلى بلاده محكوم عليه بالإعدام"، روسيا اليوم،

6/2/2019،                                                                                                                               http://cutt.us/hc3uO

4) بعد تسليم مطلوب لمصر..رعب وغضب بين عناصر الإخوان بتركيا"، العربية. نت، 6/2/2019

http://cutt.us/JZg70

 5) نجل قيادي إخواني: قيادات الجماعة تنصلوا من الشاب المرحل من تركيا"، روسيا اليوم، 6/2/2019

         http://cutt.us/oyeUR

6)  "تركيا ترحل إخوانيا إلى مصر.. وبلبلة داخل الجماعة"، العربية. نت، 5/2/2019.

شارك