الأزمة الفنزويلية وتقاطعات الجغرافيا السياسية

الخميس 21/فبراير/2019 - 06:08 م
طباعة الأزمة الفنزويلية
 
محمود جمال عبد العال

تتصدر الأزمة السياسية في فنزويلا النقاشات الرئيسة في وسائل الإعلام المحلية والدولية والفضاءات العامة، وذلك من خلال تتبع 3 قضايا أساسية: تطورات الأزمة الإنسانية خاصة مع تدفق موجات الهجرة صوب دول أمريكا الجنوبية هربًا من الأزمة الاقتصادية، وفوضى المظاهرات والمظاهرات المضادة، وتفاعل البيئتين الإقليمية والدولية مع البيانات العامة التي يُعلن عنها "خوان جوايدو" الذي أعلن نفسه رئيسًا مؤقتًا للبلاد.

والسؤال الذي تطرحه الكاتبة البرازيلية (Beatriz Bissio) حول الأزمة يتعلق فعليًا بحقيقة ما يحدث في فنزويلا، وهل فعلًا الشعب يتحدى سلطة ديكتاتورية (كما يزعم اليمين الفنزويلي والولايات المتحدة الأمريكية) أم أن فنزويلا تعاني من حرب دولية هجينة كما حدث في عددٍ من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتتساءل الكاتبة ما إذا كانت هذه الحرب خلَّفت وضعًا داخليًا خانقًا أم أنها نزاع جيوسياسي يتضمن طموحات للهيمنة على الموارد الطبيعية والمواقف الاستراتيجية في أمريكا اللاتينية بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والصين وروسيا وإيران وغيرهم من جهةٍ أخرى؟

عامل النفط في الأزمة الفنزويلية

تؤكد بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أنه اعتبارًا من يناير/كانون الثاني كانت فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم(302 مليار برميل) متجاوزةً في ذلك الاحتياطي الفردي للملكة العربية السعودية، وكندا، وإيران. وكان قد عمد الرئيس الفنزويلي الراحل "هوغو شافيز" في السنوات الأولى من حكمه إلى إنشاء تحالفًا استراتيجيًا بين بلاده و15 بلدًا من منطقة البحر الكاريبي وأمريكا الوسطى، وذلك لتحقيق التعاون بين دول الجنوب، وبيع النفط وإمدادات الغاز والكهرباء بأسعار تفضيلية. ورغم استمرار هذا التحالف شكليًا إلا أنه بدا ضعيفًا خلال الفترة الأخيرة؛ حيث فقدت مبادرة "PetroCaribe" فعاليتها لأن فنزويلا اضطرت إلى إعطاء الأولوية للصادرات إلى شركاء آخرين مثل روسيا والصين والهند.

تهميشًا لواشنطن أم دعمًا للتكامل؟!

بالإضافة إلى هذه المبادرة ، كانت حكومة "شافيز" في فنزويلا واحدة من المروجين الرئيسيين لدمج أمريكا الجنوبية من خلال تأسيس اتحاد دول أمريكا الجنوبية (UNASUR) في عام 2008. وتلازم مع تأسيس الاتحاد ظهور خطة شاملة للتنمية، وكان تعزيز مبدأ السيادة قوام هذه الخطة. وقد تم استكمال الخطة بتأسيس مجلس الدفاع لدول أمريكا اللاتينية عام 2008، والذي ينص على تحقيق درجة معينة من التنسيق العسكري الإقليمي فيما بين هذه الدول. ولقد لعبت فنزويلا في 2010 دورًا محوريًا في تأسيس تجمع دول أمريكا اللاتينية (CELAC) مع 33 دولة عضوًا، وذلك لتحقيق التكامل فيما بين دول أمريكا اللاتينية دون استثناء.

وجدت مقترحات تأسيس اتحاد دول أمريكا الجنوبية، وتجمع دول أمريكا اللاتينية (التي اُستبعِدت منها الولايات المتحدة) دعمًا موحدًا من القوى التقدمية التي كانت تحكم دول أمريكا اللاتينية مثل البرازيل والأرجنتين على وجه الخصوص، والإكوادور، وبوليفيا، وأوروغواي، وخلال فترة معينة باراجواي. اصطدم الطموح الذي قادته فنزويلا مع "مبدأ مونرو" الذي استخدمته الولايات المتحدة منذ القرن التاسع عشر للدفاع عن طموحاتها في السيطرة على القارة الأمريكية بأكملها. وحاليًا يستخدم الشعبويون هذا المبدأ تحت شعار "أمريكا للأمريكيين الشماليين".

تمر اليوم جميع المبادرات الدبلوماسية لأمريكا اللاتينية بأزمات متفاوتة نتيجة التغيرات الجذرية التي عصفت بدول أمريكا اللاتينية. ولقد تأثرت فنزويلا بتراجع الحكومات التقدمية في دول القارة؛ حيث باتت سياسة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" الأكثر انتشارًا ورواجًا في المحيط الإقليمي لفنزويلا. على صعيدٍ آخر، مثَّل موت "شافيز" انتكاسة كبيرة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية في فنزويلا سيما أن الرئيس الحالي "نيكولاس مادورو" لم يكن لديه الجاذبية أو السمات القيادية لسلفه.

تأثير العقوبات الاقتصادية

تأثرت فنزويلا سلبًا بالعقوبات والحظر الاقتصادي الذي فرضته عليها واشنطن؛ إذ انخفضت صادراتها من النفط بشكلٍ لافت (ليس فقط بسبب السياسات الانعزالية، والعقوبات، والحظر الاقتصادي، ولكن أيضًا بسبب سوء الإدارة والفساد من جانب الحكومة الفنزويلية نفسها). وقد أدى تراجع إيرادات عائدات النفط، التي يعتمد عليها اقتصاد فنزويلا بشكلٍ كبير، إلى تراجع اقتصادي انعكس على تفاقم أزمة البطالة، وهو ما أدى إلى تزايد موجات الهجرة ناحية دول الجوار للهروب من سوء الأوضاع الاقتصادية. وما زاد الأمر سوءًا تمكن حكومة "مادورو" رغم حالة الفشل وسوء الإدارة الواضح من الفوز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة رغم مقاطعة المعارضة لها.

وإضافة لحالة الانهزام التي بدت على مشروع "شافيز" السياسي والاقتصادي بعد وصول "مادورو" للحكم، حاولت إدارة الرئيس الامريكي الحالي "ترامب" زعزعة الاستقرار في فنزويلا بوسائل عديدة بدأت بالدعم الإعلامي اللامحدود، والمساعدات المالية والاقتصادية للمعارضة، والمبادرات السياسية والدبلوماسية داخل وخارج أروقة مجلس الأمن. وقد وصل التهديد باستخدام القوة العسكرية لصالح رئيس الجمعية الوطنية "جاويدو"، وذلك دون عناء لإخفاء نوايا شرعية هذا الخيار. وبالتالي، لم يعد من الممكن لإدارة "ترامب" التراجع عن فكرة تغيير النظام في فنزويلا خاصة بعد أن كشف "ترامب" عن كافة اوراقه وخياراته السياسية تجاه النظام الحالي في فنزويلا.

خاتمة

تُعد مسألة التنبؤ بما قد تؤول إليه الحالة السياسية في فنزويلا، وذلك لاعتبارات تتصل بتغيرات المشهد الدولي خلال القرن الحادي والعشرين بما في ذلك من تنامي دور الصين وروسيا. وعلى الرغم من نسيان المفهوم الجيوسياسي لأوراسيا لفترةٍ من الوقت إلا أنه أصبح الآن في الصدارة. وأدى هذا التغيير إلى إحياء مفردات ومنطق الحرب الباردة في بعض الأوساط، كما أن عواقبها أصبحت محسوسة في أمريكا اللاتينية. ويعمل "ترامب على استغلال أزمة فنزويلا لإيصال رسالة لمنافسيه التقليديين (موسكو وبكين) مفادها أن أزمة فنزويلا باتت تمثل له ساحة معركة أيديولوجية، وذلك بعيدًا عن فكرة الشرعية أو دعم الديمقراطية.

في المقابل، لن تضحي موسكو وبكين بمكتسباتهم ونفوذهم المتنامي في السنوات الأخيرة؛ حيث قامتا بضخ استثمارات مهمة في مناطق متفرقة في أمريكا اللاتينية والكاريبي. وقد ساهمت هذه الاستثمارات في دعم قطاع الطاقة في فنزويلا؛ حيث تضاعفت عائدات صناعة النفط الفنزويلي في 2018. وبالإضافة إلى ذلك، استطاعت روسيا تحقيق مبيعات كبيرة لأسلحتها ومعداتها العسكرية لفنزويلا؛ حيث تمكنت كاراكاس خلال الفترة الأخيرة من تدعيم قواتها المسلحة إلى أن باتت واحدة من أقوى القوات في المنطقة.

Beatriz Bissio, The Venezuelan crisis and geopolitics: What will the outcome be? DOC RESEARCH INSTITUTE, Accessed at:     

https://goo.gl/dyrUHP   

شارك