التسامح الديني في مصر .. رصد الحالة الدينية الراهنة (2-2)

الأحد 24/فبراير/2019 - 06:19 م
طباعة التسامح الديني في
 
د. شريف درويش اللبان

سابعًا- شيخ الأزهر في الكاتدرائية والبابا في المسجد

وكان العنوانان الأبرز على موقع قناة CNN الأمريكية "شيخ الأزهر في كاتدرائية ميلاد السيد المسيح" و"البابا تواضرس في مسجد  الفتاح العليم"، وهو ما يعكس معانٍ ذات مغزى كبير عن التلاحم بين المصريين، وتضمنت التغطية الإعلامية كلمة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، والذي أكد أن افتتاح مسجد "الفتاح العليم" وكاتدرائية "ميلاد المسيح"، في وقت واحد يهدف لتجسيد روح الأخوة والمحبة، وفي الوقت نفسه أبرزت وصف البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وهو "مآذن هذا المسجد الكريم، تتعانق مع منارات كاتدرائية ميلاد السيد المسيح".

كما اهتم الموقع بنشر إشادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بنظيره المصري عبدالفتاح السيسي، معتبرًا أنه ينقل مصر إلى "مستقبل أكثر شمولية"، مع افتتاحه أكبر كاتدرائية بالشرق الأوسط، وهو ما نقله أيضا موقع "ديلي ميل "البريطاني، مرفقا بالعديد من الصور الخاصة بالكاتدرائية أثناء العمل بها.

وتصدر عنوان "مصر تفتتح أكبر مسجد وكنيسة في الشرق الأوسط" هذا العنوان تصدر أكثر من موقع عالمي من بينها شبكة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، وصحيفة "نيويورك تايمز"، حيث ذكرتا أنها رسالة تسامح للعالم أجمع. ولفتت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن الأغنية التي شاركت بها الفنانة أنغام، واصفةً أنها غنت للمسلمين والمسيحين تزامنًا مع إضاءة الألعاب النارية في سماء العاصمة الإدارية، كما اهتمت الصحيفة بإبراز كلمة الرئيس السيسي خلال مشاركته بقداس عيد الميلاد. ونشر كلٌ من "دويتشه فيله" الألمانية ووكالة الأنباء العالمية "رويترز" تفاصيل الاحتفال المهيب الذي وقع بالعاصمة الإدارية الجديدة، بالإضافة لإبراز كلمة كلٍ من البابا تواضرس الثاني والشيخ أحمد الطيب.

وعبر موقع التدوينات القصيرة "تويتر"، نشرت وكالة الأنباء الفرنسية فيديو عن قداس عيد الميلاد الذي أقيم عقب افتتاح أكبر كاتدرائية بالشرق الأوسط، متضمنة خلاله مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسي، مرفقة بعدد من المقاطع للأقباط وهم يحملون علم مصر. وعبر موقعها الرسمي، تصدر عنوان "السيسي يدشّن أكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط" وكالة الأنباء الفرنسية، لافتة خلال التقرير الذي نشرته أن بعد تدشين الكنيسة صدحت حناجر المصلّين بالتراتيل الميلادية إيذاناً ببدء قدّاس عيد الميلاد، كما ذكرت تهنأة البابا فرنسيس لمصر بافتتاح الكاتدرائية، والتي جاءت في رسالة عبر الفيديو.

أما موقع "سكاي نيوز" فقد وصف الحدث المهيب الذي عاشته مصر بأنه "حدث نادر"، وذلك تحت عنوان "البابا في المسجد وشيخ الأزهر بالكنيسة"، كما استعرضت تقريرًا آخر يحمل عنوان "السيسي يفتتح مسجد وكنيسة العاصمة الإدارية.. وإشادات عالمية"، وأشار الموقع إلى أن الرئيس السيسي، افتتح أكبر مسجد وكاتدرائية في مصر بالعاصمة الإدارية الجديدة، بحضور مصري وعربي رفيع لحدث حظي بإشادات على المستوى العالمي.

ثامنًا- أيام مجيدة للوحدة الوطنية والتسامح الديني في مصر

كما اهتمت وسائل الإعلام الإيطالية بتفاصيل الحدث مشيرة إلى أنه سطر "يوم مجيد للوحدة الوطنية فى مصر"، حيث  قالت وكالة "سير" الإيطالية : "للمرة الأولى فى تاريخ مصر، يأتى اليوم الذى يُفتتح فيه مكانيْن للعبادة، للمسلمين والأقباط على حد سواء فى آن واحد"، وتابعت الوكالة فى تقريرها الذى نشرته عدة صحف إيطالية : "لقد كان يومًا مجيدًا للوحدة الوطنية فى مصر، بعدما شارك الرئيس السيسي فى افتتاح كلٍ من المسجد والكنيسة".

وقد اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية جهود الرئيس السيسي لتعزيز الحرية الدينية مثالا يحتذى لجميع قادة وشعوب الشرق الأوسط، وقالت وزارة الخارجية الأمريكية فى بيان بمناسبة زيارة وزير الخارجية الأمريكي للقاهرة. وأشادت الخارجية الأمريكية بالجهود التي يبذلها الرئيس السيسي لتعزيز الحرية الدينية، وهي التي تمثل مثالاً يُحتذى لجميع قادة وشعوب الشرق الأوسط. وحرص وزير الخارجية الأمريكي بومبيو خلال زيارته للقاهرة على مناقشة كيف يمكن للولايات المتحدة أن تساعد في دعم جهود الرئيس السيسي لإصلاح الخطاب الديني وتعزيز التسامح بين الأديان.

ولدى زيارته لمصر زار مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكية الكاتدرائية والمسجد بالعاصمة الإدارية الجديدة، وقال إنه زار كاتدرائية "ميلاد المسيح" ومسجد "الفتاح العليم"، وكانت زيارة مميزة جدًا وعظيمة، مشيرًا إلى أن المسجد والكاتدرائية يُعَدَان شرفًا للإنسانية ومنارةً للتسامح الديني والتعايش. وأضاف "بومبيو"، خلال لقاء خاص على فضائية "النيل للأخبار" أنه في مثل تلك الأماكن يتعايش المسلمون والمسيحيون ويؤدون شعائرهم الدينية بالطريقة التي يفضلونها في إطار من التسامح والأمن. إن مصر السيسي دخلت التاريخ المعاصر من أوسع أبوابه .. بوابة التسامح الديني.

تاسعًا- المسلمون يفدون الأقباط بدمائهم وأرواحهم

لعل أهم ما يؤشر لأننا أصبحنا نحيا عصرًا جديدًا غير مسبوق تلك البطولات الرائعة لمسلمين يحمون أقباطًا ويفدونهم بدمائهم الذكية وأرواحهم التي ترتقي في السماء مصحوبة بدعوات المصريين جميعًا مسلمين وأقباطًا، وأبرز هذه النماذج من الشهداء في عصر التسامح الديني الراهن الرائد الشهيد مصطفى عبيد، الذى استشهد خلال تفكيك عبوة ناسفة بعزبة الهجانة بمدينة نصر قبيل ساعات من الاحتفال بأعياد الميلاد المجيدة في يناير الماضي، كان يعلم دائمًا أن ساعته قريبة وأن مكافأته الحقيقية هى الشهادة فى سبيل ما كان يؤمن به.. وهو حماية الوطن من الجبناء.. وواجبنا جميعًا أن نروي قصته كى تُوثق وتعرفُها الأجيال القادمة وتفخر وتحتذى بها، وتتعلم أنه ليس هناك أغلى من الوطن. ليس هناك أغلى من المصريين بغض النظر عن دينهم.

 كان الرائد الشهيد مصطفى عبيد نموذج حي للبطولة والفداء .. نموذج مصري صرف للشهامة والجدعنة، كان – كما يقولون - ابن موت، وإن كان الموت لا يجرؤ أن يجاهر بينه وبين نفسه أنه اختطف حياة هذا البطل، ولَمَ لا ، وقد آلَ الله على نفسه في كتابه العزيز، بأن أمثال مصطفى عبيد لا يموتون بل يظلون أحياءً عند ربهم «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، ويظلون أحياءً في ضمير أسرهم وأصدقائهم ومعارفهم، بل يظلون أحياءً في ضمير أمتهم.

لقد فدى الشهيد مصطفى عبيد أبناء وطنه بروحه ودمه، ولم يبخل على وطنه بأعز ما يملك الإنسان، وضرب مثالًا للوطنية والتفانى فى حب مصر لحمايتها من أعداء الحياة. وهذا ليس مستغربًا فالرائد الشهيد قد تربى في بيتٍ زاخر بحب الوطن؛ فوالده هو اللواء أركان حرب عبيد الأزهري، والذي كان قلقًا من عمل نجله بالمفرقعات بحكم عمله كضابط بالقوات المسلحة، إلا أن الإبن البطل كان يحب عمله، وغير مستعد للتضحية به، وكان البطل يطمئن والده بأن جهاز الشرطة لا يجبر أحدًا على الالتحاق بالمفرقعات، وعندما طلب منه والده النقل لأي مكان آخر إلا أنه رفض، وكان متميزًا في وظيفته، وكان دائمًا ما يقول إن عمله رسالة في حب الوطن، وليس مجرد وظيفة يؤديها، وهذه ذروة الغيمان وسنامه، عندما يصل القيام بالعمل إلى مرتبة الإيمان بقيمة هذا العمل ورسالته.

ومن بين نماذج التسامح الديني وسماحة الإسلام أيضًا الشيخ سعد عسكر إمام مسجد مدينة نصر الذي أبلغ أحد حراس الكنيسة بوجود قنبلة أعلى سطح المسجد، عندما أدرك أن هناك ما يريب فوق سطح المسجد، فقاده يقينه وخوفه على إخوانه الأقباط إلى سرعة الإبلاغ عن ذلك، ليعود الهلال ليعانق الصليب في الذكرى المئوية لثورة 1919 التي شهدت هذا التلاحم الفريد بين عنصريْ الأمة المصرية.

وذكر الشيخ سعد عسكر" أن خبير المفرقعات الشهيد مصطفى عبيد كان يصرخ في المواطنين ليبعدهم عن القنبلة قبل تفكيكها، وأن الشهيد البطل أبعد جميع زملائه عن مكان العبوة الناسفة لأن الأجواء كانت متوترة للغاية، قائلاً: "الشهيد البطل تصدي للعبوة الناسفة بمفرده وأبعد زملاءه عن العبوة".

ولم يكد شهر أعيد الميلاد المجيدة وافتتاح أكبر مسجد وكاتدرائية يلملم أوراقه حتى شهدنا شهيدًا آخر يقدم روحه فداء للوطن دفاعًا عن سيدة قبطية من أهالي منطقة سكنه تعرضت للتحرش واستغاثت لإنقاذها، وترجع تفاصيل الواقعة عندما تم إبلاغ قسم شرطة البساتين، الثلاثاء 22 يناير، بحدوث مشاجرة وسقوط قتيل بدائرة القسم. وبالانتقال والفحص تبين أنه حال سير ربة منزل (30 سنة)، قام (ع. إ. م 40 سنة- نقاش)، بالتحرش بها، فاستغاثت بالمارة فتدخل (مكوجي- 36 سنة)، دفاعاً عنها، من منطلق طبيعة الشعب المصري الرافضة لكل أشكال التحرش والظلم دفاعًا عن المرأة بغض النظر عن ديانتها، وهو الأمر الذي أثار حفيظة المتهم فقام بالتعدي عليه بسكين محدثا إصابته بطعنة نافذة بالصدر من الجهة اليسرى، وجرح قطعي باليد اليمنى وتوفي متأثرا بإصابته، وعلى إثر ذلك تجمع الأهالي وقاموا بالإمساك بالمتهم والتعدي عليه بالضرب محدثين إصابته بجرح غائر بمقدمة الرأس وكدمات بالجسم.، وتم ضبط المتهم والسلاح المستخدم في الواقعة، وبمواجهته اعترف بارتكاب الواقعة، وتأيدت الواقعة بشهادة (مبيض محارة- 44 سنة)، وجاري العرض على النيابة.

عاشرًا- عِناق المناسبات والأعياد الإسلامية والمسيحية

إن عناق المسلمين والأقباط والمسجد والكاتدرائية والهلال والصليب، انعكس على عناق المناسبات والأعياد الإسلامية والمسيحية في آنٍ واحد؛ فبينما احتفل الأقباط بعيد الميلاد المجيد، استقبل المسلمون شهرًا عربيًا جديدًا، حيث توافق يوم الإثنين 7 يناير مع غرة شهر جمادي الأول، وهو الشهر العربي الخامس من السنة العربية، والذي يسبق شهر رمضان المبارك بأربعة أشهر.

وثمة مناسبات عديدة توافقت فيها مناسبات وأعياد إسلامية، مع أخرى مسيحية، ففي 11 سبتمبر الماضي، بينما كان المسلمون يستقبلون السنة الهجرية الجديدة، كانت الكنيسة الأرثوذكسية تحتفل بعيد "النيروز" وهو احتفال رأس السنة القبطية، وذلك بختام عام 1734 قبطي وبدء عام 1735. وعيد "النيروز" أو "الألنيروز" أو "النوروز" القبطي هو أول أيام السنة المصرية من شهر توت ومعناه فى اللغة القبطية "الأنهار"، وهو موعد اكتمال موسم فيضان النيل سر الحياة عند المصريين وموسم الخير والبركة وخصوبة الأرض، وهو أيضا أول أيام شهر توت عيد رأس السنة المصرية عند المصريين القدماء وأول أيام السنة الزراعية الجديدة، إذ كان الفلاح المصري القديم يتبع التقويم القبطى المعروف الآن في زراعته.

وفي 21 أغسطس الماضي، احتفل المسلمون بعيد الأضحى المبارك في العاشر من ذي الحجة، عقب الانتهاء من وقفة عرفات، احتفل الأقباط بنهاية صوم السيدة العذراء الذي يستمر لمدة أسبوعين.. احتفالات الأقباط بـ"صوم العذراء" شهدتها كنيسة العذراء بالزيتون والكنيسة الأثرية في مسطرد، كما أقيمت أضخم الاحتفالات بدير السيدة العذراء فى درنكة بأسيوط. وفي ديسمبر عام 2015، وللمرة الأولى منذ 457 عاما، توافقت أعياد الكريسماس، أو ميلاد المسيح عن الكاثوليك، مع المولد النبوي الشريف، في 12 من شهر ربيع الأول، وهي المصادفة التي حدثت عام 1558 ميلادية، الموافق لسنة 966 هجرية.

وحرصًا ممن قدموا طلبًا بالتعديلات الدستورية إلى مجلس النواب، ومعظمهم مسلمون، أنهم أبقوا على "كوتة" الإخوة الأقباط في مجلس النواب إيمانًا بتواجدهم الفاعل في مجلس النواب في هذه المرحلة الفارقة التي يمر بها الوطن، وإيمانًا بكل ما قدمه أقباط مصر من أرواحهم ودمائهم وأموالهم ودور عبادتهم فِداءً للوطن، وهو الموقف الوطني الذي لم يتخلَ الأقباط عنه يومًا.

حمى الله مصر .. وجعل أهلها في رباط إلى يوم يُبعثون .. وأدام الله علينا نعمة التسامح الذي بدأنا بالكاد نحيا أرقى عصوره.

شارك