تأميم الدين .. سياسة أردوغان الدينية الشاملة

الخميس 21/مارس/2019 - 05:04 م
طباعة تأميم الدين .. سياسة
 
ساليم شيفيك، ترجمة: زينب مصطفى

يعد الدين الإسلامي أحد أهم المرتكزات الفكرية التي ينطلق منها حزب العدالة والتنمية التركي لتحقيق أهدافه ومشاريعه الداخلية وكذلك على المستوى الخارجي، حيث دائما ما يبدي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رغبته في إنشاء دولة جديدة قائمة على أسس دينية. وتحقيقا لذلك فقد كون استراتيجية متعددة المستويات يتعارض فيها الدين مع أسس الجمهورية، وعلى ذلك اعتمدت سياسة أردوغان في تركيا على 3 عناصر مكملة لبعضها:

1-  استخدام مؤسسات وموارد الدولة للتحكم في الخطاب الديني

2-  دمج الجماعات والمؤسسات الدينية داخل كيانات الدولة

3-  تشكيل منظمات ومجتمعات دينية جديدة تسيطر عليها الدولة

التراث التاريخي ومؤسسات الدولة

إن النظم الجمهورية القائمة على أسس دينية أكثر تعقيدا مما يعتقد، على الرغم من أن العلمانية إحدى أهم ركائز الدولة التركية التي أنشاها كمال أتاتورك. إلا أن الدين لعب دور كبير في تشكيل الهوية والثقافة الوطنية. وعلى الرغم من ميول النظام المناهضة للدين والطامحة نحو الحداثة إلا أنه لم يستطع أن يتخلى عن الدين – السلاح الأكثر إغراء-  كوسيلة للتحكم في الخطاب الديني. بالإضافة إلى أنه كان يهدف إلى إنشاء دولة إسلامية جديدة يحكمها أهداف ومصالح الدولة.

حاولت الجمهورية الأولى تحقيق ذلك من خلال استبدال المنظمات الدينية الاجتماعية مثل المنظمات الدينية المستقلة والجماعات المرتبطة بالمؤسسات الدينية التابعة للدولة بشكل جذري حيث تم اعتبار المدارس الصوفية غير قانونية، وتشكلت مؤسسة جديدة تابعة للدولة وهي مديرية الشئون الدينية كبديلا لها ثم أصبحت جميع المساجد تابعة للدولة وعلى الرغم من اتجاهها نحو العلمانية إلا أنها كانت المحور الذى يتقاطع فيه الدين بالدولة. وعليه صارت جميع المساجد وجميع أئمتهم يخضعون لسيطرة الدولة حتى تحكم الدولة قبضتها على الدين بما يخدم أهدافها، وتوسعت استثمارات الدولة في المجال الديني بتشكيل دورات مهنية بهدف معلن وهو تدريب رجال الدين.

حزب العدالة والتنمية والمؤسسات الحكومية

بعد صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة في عام 2002، أصبح الحزب واثقًا من قوته الحقيقية، وتحقيقا للهدف المعلن لحزب العدالة والتنمية المتمثل في إنشاء جيل على أساس ديني حاول استغلال كافة موارد الدولة بحيث أصبح قائما على شرعية دينية ومؤسسية. وبدأ في اتخاذ خطوات لإعادة  تنشيط قواعد امتحانات الالتحاق بالجامعة ومختلف مجالات الحياة الاجتماعية مثل الاحتفال بالليالي الدينية، والزواج الذي كانت تنظمه الدولة في السابق حيث توفر الدعم التعليمي في المدارس الابتدائية والثانوية، وتقديم المشورة الاجتماعية والنفسية في المستشفيات، وتقديم المشورة للزواج، وهكذا استخدام حزب العدالة والتنمية كافة السياسات لتشكيل الحياة الدينية في جميع أنحاء البلاد.

دمج الإسلام الاجتماعي

يشير مصطلح "الإسلام الاجتماعي" إلى جميع المنظمات الدينية مثل المساجد أو المؤسسات الدينية التي لا يتم إنشاؤها أو التحكم فيها بواسطة جهاز الدولة البيروقراطي. وعلى الرغم من قمع النظام الكمالي للمؤسسات الدينية، فقد نجت هذه المنظمات وأصبحت جهات فاعلة في الحياة الاجتماعية في عهد حكم العدالة والتنمية على الرغم من خلافاتهما الايدلوجية، كما أنهم تعاونوا في تحديد شكل المشهد الديني في تركيا، في حين أنها لا تزال غير قانونية، فإن وجودها كان معروفا لدى الجميع، حتى أنهم شاركوا مع الجهات السياسية الفاعلة لفترة طويلة أيضًا. إلى جانب تلك المنظمات ظهرت العديد من المنظمات الإسلامية خلال فترة الجمهورية. والتي كانت ترتكز على نخبة أكثر تعليما، واستطاعت أن تشكل جزءًا أصغر من الإسلام الاجتماعي في تركيا، وتعتمد علاقات حزب العدالة والتنمية مع كافة المؤسسات الدينية على سياسة مفادها أن يحافظ الحزب على إنشاء علاقات متميزة خاصة بجميع أنواع المنظمات الدينية.

وفقًا لذلك، يتيح حزب العدالة والتنمية موارد الدولة لبعض الجماعات الدينية في مقابل الحصول على دعمها أثناء عملية الانتخابات. حيث توجه الدولة الدعم المالي المباشر للمؤسسات التابعة للمنظمات الدينية بما في ذلك المدارس والجامعات والمنظمات الإعلامية. كما ينطوي الدعم ايضا على إتاحة كوادر الدولة لبعض المنظمات الدينية.

وبالنسبة للجماعات الدينية التي تنأى بنفسها عن التحالف، يسعى حزب العدالة والتنمية عادة إلى تشكيل تحالفات مع شخصيات معارضة ودعمها من أجل إما السيطرة على المجتمع ككل أو تقييد نفوذها عن طريق خلق معركة داخل المجتمع. وتحقيقًا لهذه الغاية، يهدف حزب العدالة والتنمية إلى السيطرة على هذه الجماعات أيضًا.

نهج حزب العدالة والتنمية

إداركاً لدور المؤسسات الدينية في التأثير والوصول إلى كافة أفراد المجتمع التركي، لجأت السياسة التركية إلى تكوين تحالفات مع الجماعات الدينية تحت مبدأ (فرق تسد). واتبع حزب العدالة والتنمية هذا النهج ولكن يختلف عن غيره في أنه  يستثمر كميات هائلة من الموارد المالية بحيث تمكنه من عمليات الدمج بين مؤسسات الدولة والمنظمات الدينية.

وتطبيقا لذلك فقد قدم برنامج  Values Education  الفرصة لمساعدة حزب العدالة والتنمية لهذه المنظمات الدينية للوصول إلى مؤسسات الدولة والمدارس ويمنحها دورًا معينًا في إدارة التعليم الديني. وعلى الرغم من الفرق الواضح بين الدولة والإسلام الاجتماعي في الماضي حيث كانت الدولة توجه اهتمامها نحو الكمالية وتمثل المركز السياسي، أما الإسلام الاجتماعي كان أكثر تحالفا مع القوى المحيطية، فقد استطاع حزب العدالة والتنمية خلق مزيج من هذه المنظمات الدينية المنفصلة. كما أن استيعاب هذه المنظمات الدينية في حكومة حزب العدالة والتنمية وجعلها تابعة للإرادة السياسية. ومثل هذا التحالف له تداعيات طويلة المدى. وكلما أصبحت مثل هذه التحالفات ظاهرة، كلما تم طمس الخطوط الفاصلة بين الحكومة والمنظمات الدينية.

المنظمات الجديدة والتحالفات

ارتبط مستقبل الجماعات الدينية بحزب العدالة والتنمية، حيث مثل بقاء حكومة حزب الحرية والعدالة صمام الأمان لتلك الجماعات، وعليه فلم يدع لها خيارا آخر سوى تقديم الدعم للحزب حتى فقدت استقلالها نتيجة التدخلات المستمرة من قبل الحزب بكافة مستوياتها. وأدى ذلك إلى عدم وجود معارضة حقيقية حيث تعرض المجتمع المدني وجميع أشكال التنظيم للاضطهاد الشديد، بحيث أصبح العالم الديني هو المنصة الوحيدة لنشر الأفكار بما يخدم مصالح النظام الهادفة إلى السيطرة على جميع مجالات الحياة، ونشأت تحالفات جديدة بين الجماعات الدينية والأحزاب المختلفة وكان دعم تلك الجماعات مشروطا بما تستطيع أن تقدمه للأحزاب من فوائد، لكنه لم يكن مضمونًا. وكان أردوغان بحاجة إلى المزيد من الرقابة على المنظمات الدينية حتى يضمن ولاءها، حيث ساهمت التداعيات بعد انتهاء التحالف مع حزب العدالة والتنمية وحركة جولن -التي دعمت الحزب بإخلاص لمدة عشر سنوات- في تفاقم مشاكل الولاء، مما دفعه إلى تشكيل مجموعة من المنظمات الدينية الجديدة تمولها وتحكمها دائرة أردوغان المباشرة، والتي غالباً ما تكون أعضاء في أسرته. وكانت مؤسسة خدمة الشباب والتعليم في تركيا(TÜGVA )  والمؤسسة التركية لخدمة الشباب والتعليم(TÜRGEV)  مثالان نموذجيان وبارزان على الجهود المبذولة لإنشاء منظمات دينية جديدة.

تميز المنظمات الدينية الجديدة

على الرغم من أن أنشطة هذه المنظمات جميعها تشبه أنشطة المنظمات الدينية الاجتماعية، إلا أنها تختلف عنها في افتقارها إلى زعيم ديني مركزي وتعاليم دينية. وكان غالبًا ما يتم تعويض ذلك بقراءات انتقائية للنصوص المفكرين الإسلاميين الأتراك المعاصرين مثل "نسيب فاضل كيساكورك"، المعروف بأنه صاحب الأثر الأكبر في تفكير أردوغان وأعماله الإيديولوجية التي كانت مصدر إلهام للنظام السياسي المعاصر. وبرغم عدم وجود إيديولوجية دينية أو نص ديني في تلك المنظمات يتميز به الطلاب والخريجين من هذه المنظمات، إلا أنهم جميعًا يدينون ولائهم الشخصي لأردوغان وحزب العدالة والتنمية.

ومثلت هذه خطوة غير مسبوقة في التاريخ السياسي التركي. فبرغم تفاعل الدين والسياسة مع بعضهما البعض بعدة طرق مختلفة، لم يحاول أي قائد سياسي سابق إنشاء منظمات وحركات دينية جديدة تنتهج سياسته. علاوة على ذلك فإن الكم الهائل من الموارد والجهود المبذولة لتربية الشباب المتدين الموالي لأردوغان سيؤتي ثماره على المدى الطويل، بما يحويه من دلالات تتمثل في رغبة أردوغان في الحفاظ على مركزه السياسي لمدى زمني كبير بالإضافة إلى تمرير هذا الولاء إلى الأجيال القادمة من خلال إنشاء منظمات دينية جديدة، وبهذا يعد حزب العدالة والتنمية استثناءً عالميًا أيضًا. في الوقت الذي تناقش العديد من المنظمات الإسلامية في جميع أنحاء العالم فصل المنظمات الدينية عن الأحزاب السياسية - وأبرز مثال على ذلك حزب النهضة التونسي الذي أعلن عن هذا الانفصال في مؤتمر حزبه الأخير – بينما يقف حزب العدالة والتنمية التركي على الجانب الآخر.  أردوغان  الذي حكم حزب العدالة والتنمية بقبضة حديدية بدون أي خلفية دينية أو تنظيم ديني، يعتزم الآن إنشاء مجتمع ديني يتم تعريفه بالولاء الشخصي لأردوغان. وهذه خطوة سياسية أكثر منها حركة دينية.

سياسة شاملة

تشكل هذه العناصر السابقة سياسة شاملة متعددة الجوانب للسيطرة على المجال الديني في تركيا وتنظيمه. إن استخدام أردوغان لحزبه كممثل حقيقي للإسلام وإقامة تحالفات مع المجتمعات الدينية له سوابق تاريخية قوية. ومع ذلك فإن سياسات حزب العدالة والتنمية خلال العقد الماضي لم تكن صائبة بالقدر الكافي،  من حيث أنه أهدر جانب كبير من موارد الدولة لصالحه، كما أنه لا يعمل على تطوير هذه المؤسسات كبدائل لبعضها البعض ولكن كأجزاء أو طبقات من استراتيجية متكاملة. فلم تكن المنظمات الدينية الناشئة حديثًا خصوم لبعضها البعض ولكن كحلفاء في تشكيل جيل ديني جديد. وأخيرا أدى دمج هذه المؤسسات والمجتمعات المختلفة مع حزب العدالة والتنمية إلى فقدانها استقلاليتها. كانت هذه المؤسسات والمنظمات وسائل أردوغان في السيطرة المباشرة وغير المباشرة على معظم العالم الديني في تركيا للحفاظ على نظام استبدادي.

Salim Çevik, German Institute for International and Security Affairs, March 2019, at:

شارك