محاولات التعزيز .. التحركات الإسرائيلية السياسية والأمنية وفرص اليمين المتطرف بإنتخابات 2019

السبت 06/أبريل/2019 - 07:17 م
طباعة محاولات التعزيز ..
 
إيمان زهران

مع اقتراب موعد الإنتخابات النيابية "الكنيست" فى الربع الأول من إبريل القادم، وحالة من الزخم السياسي تسيطر على خريطة الأحزاب والقوى السياسية بالداخل الإسرائيلى، لترفع من معدل التنافس إلى ما يفوق العمل التقليدى، وينقلنا نحو موجه جديدة من السياسات التنافسية أشبة بما سمى بـ "التنافس الإزاحى"، مُرتكزين فى ذلك على الخطاب الأمنى المتداخل مع الأحداث النوعية المتشابكة مع الدولة العبرية، ليدفع بنا للتساؤل حول مدى إستفادة كتلة اليمين ونتياهو من التحركات السياسية والأمنية الأخير لإقتناص مقاعد الكنيست بإنتخابات 2019 وماهيه السيناريوهات المُحتملة حال تعادل الأصوات لصالح الكتلتين الأبرز على الساحة الإسرائيلية.

قضايا ممتدة

دائماً ما تصاحب الإنتخابات النيابية جُملة من القضايا ذات الإهتمام الممتد، والتى تحظى بحالة من الجدل السياسي والانتخابي في إسرائيل، وتحتل قمة أولويات الرأي العام، ويمكن بيان تلك القضايا فى الثلاث التالية: 

-      أولى تلك القضايا ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية - الاجتماعية التي طبقها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على مدى السنوات السابقة، والتي أدت إلى تزايد معاناة فئات من الطبقة الوسطى ومعها الطبقة الفقيرة.

-      بينما القضية الثانية، فهى تتعلق بعملية التسوية السياسية مع الفلسطينيين، وما قد تنتهى إليه التحركات نحو ما بات يُعرف إعلاميا بـ "صفقة القرن".

-      القضية الثالثة، وهى القضية الأمنية والتهديدات التي تواجه الأمن الإسرائيلي فى ظل اكتساب الجماعات المصنفة كونها جماعات إرهابية أرضاً واسعة على حدود الدولة الإسرائيلية من جهة، وعدم توصل الدول الغربية لتسوية نهائية مع إيران حول حدود مشروعها النووي وخططها التوسعية فى الإقليم العربى من جهة أخرى.

إخفاقات نتنياهو

على الرغم من نجاح رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو طيلة الفترات السابقة فى تسويق "المعادلة الأمنية" لتكون فى صدارة إهتمامات الرأى العام الإسرائيلى مقابل التدنى فى إدارة السياسات الإقتصادية، إلا أنه بالإنتخابات الحالية لـ "كينيست 2019" أصبح من الصعب إدارة الليكود بقيادة نتنياهو للعملية الإنتخابية وفقا للمعادلة التقليدية ذات الأولوية الأمنية، لعدد من الإعتبارات، تتمثل فى :

-      فشل فى حسم الأجندة الأمنية: فلم ينجز نتنياهو طيلة السنوات السابقة أجندتة الأمنية التى لاطالما روُج لها، فحركة حماس لم يردعها وجود نتانياهو في الحكم واشتبكت في حربين كبيرتين مع إسرائيل عامي 2012 و2014. كما أن حزب الله الذي حارب إسرائيل في عام 2006 لم يكرر الدخول في مواجهة جديدة منذ ذلك الوقت بسبب قوة الرد الإسرائيلي وبسبب الظروف الإقليمية المتغيرة، وهو الرد الذي جاء في عهد حزب كاديما - أخطر الانشقاقات عن الليكود والذي قاده آرييل شارون عام 2005- ، بما يؤكد أن قوة مواجهة "الإرهاب" ليست مرهونة بوجود الليكود في الحكم أو شخص نتنياهو.

-      الإخفاق فى تسويق القناعات الحزبية:  فثمة إدراك يسعى لتسويقة النخبة الحاكمة والسياسية فى الإسرائيل حول "تكلفة مخاطر الإرهاب"، وهو إدراك غير دقيق وذلك لعدد من الملاحظات: أولاً تكلفة المخاطر المحتملة من جانب الجماعات الجهادية في سيناء يتحمل عبئه الجيش المصري والذى إنجز العديد من الإستحقاقات الأمنية وأخرها عملية "المجابهه الشاملة"، ثانياً تراخى قوة حركة حماس في الآونة الاخيرة بسبب توتر علاقاتها بمصر وهو ما قد ينعكس على إمكانية استعادة حماس قوتها العسكرية وإمكانياتها التسليحية، بينما ثالثاً فيتمثل فى تعقد خريطة المواجهات داخل سوريا ولبنان، والتي جعلت النصرة في مواجهة قوات الأسد و"داعش" معا، ودفعت بحزب الله لتوجيه قوته صوب دعم الأسد وقتال "داعش" والنصرة؛ مما أدى لخفض المخاطر الأمنية على اسرائيل من جهة حدودها الشمالية ومن دون تكلفة كبيرة على جيشها.

-      فشل فى إدارة الملف الإيرانى: فلم يحقق نتنياهو ما أعلن عنه من: "مواجهة ايران وإجبارها على التخلي عن مشروعها النووي ولو باستخدام الخيار العسكري من دون الرجوع لواشنطن"، فقد ثبت أنه مجرد بربوجندا إعلامية مارسها نتانياهو على مدى سنوات دون إى إنجاز يُذكر، كما إنه لم ينجح في إقناع الدول الكبرى التي تفاوض إيران بعدم السماح لها في أي تسوية محتملة لهذا الملف بالامتناع عن عمليات تخصيب اليورانيوم.

-      التورط فى تهم الفساد: نقطة أخرى تتعلق بالإخفاق على مستوى "النزاهه والشفافية"، فبعد نحو عامين من التحقيق، قرر المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية أفيحاي ماندلبليت، في 28 فبراير 2019، توجيه لائحة اتهام ضد نتنياهو وتقديمه للمحاكمة بتهم تلقي الرشوة والاحتيال والحنث بالعهد، في ثلاثة ملفات مختلفة. وذلك فى سابقة تُعد الأولى من نوعها حيث توجيه لائحة إتهام ضد رئيس حكومة إسرائيلية وهو في منصبه.

تحركات يمينية

ثمة عدد من التحركات يتبعها قوى اليمين والذى يرأسة نتنياهو تتسم إحداهما بالتحركات السياسية ، وفى ومقدمتها ما نجح فى إنتزاعة من إعتراف أمريكي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، أخرى ذات طابع أمنى تمثلت فى القصف الإسرائيلي الأخير على قطاع عزة، وهو ما إتضح فى الأبعاد والدلالات والإنعكاسات التالية:

*التحركات السياسية

في 11 مارس 2019، اصطحب نتنياهو كلًا من السيناتور الأميركي المقرب من ترامب، ليندسي غراهام، والسفير الأميركي في إسرائيل، ديفيد فريدمان، في جولة في مرتفعات الجولان، ليعلن خلالها غراهام إن هناك توجهًا داخل الكونغرس الأميركي للاعتراف بهضبة الجولان جزءًا من دولة إسرائيل، وإرتكز ذلك الإعتراف فى مضمونة على ثلاث مستويات، حيث:

-      المستوى الأول:  يتعلق بمحاولات دعم نتنياهو - الساعى لولاية خامسة - في انتخابات الكنيست الإسرائيلية المقبلة، والتي يواجه فيها تحديا كبيرا واتهامات بالرشوة والفساد، فبجانب ما يحظى به ترامب من تأييد كبير فى أوساط اليمين واللوبيات الصهيونية، فتوقيت الإعلان الأمريكي بشأن "سيادة الجولان" جاء كمحاولة من ترامب لتعزيز موقف نتنياهو السياسي قبل الانتخابات؛ إذ تشير استطلاعات الرأي الإسرائيلية إلى تساوي شعبية كل من حزب الليكود، بقيادة نتنياهو، وحزب "أزرق أبيض"، بزعامة رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي الأسبق "بيني غانتس".

 

-      المستوى الثاني: يتعلق بحسابات انتخابية لترامب نفسه وذلك بتعزيز فرصه الانتخابية عام 2020، وذلك من خلال محاولة استرضاء القاعدة العريضة للمسيحيين الإنجيليين الذين صوتوا لصالحه بأعداد كبيرة في انتخابات عام 2016، وكذلك استمالة اللوبي الصهيوني النافذ في واشنطن لصالحه ولصالح الحزب الجمهوري، خاصة في ظل التوتر القائم بين هذا اللوبي ودوائر في الحزب الديمقراطي جراء تراجع التأييد لإسرائيل في صفوف الديمقراطيين، وخصوصًا في أوساط القاعدة الشبابية الأكثر ليبرالية للحزب، بمن فيهم اليهود.

 

-      المستوى الثالث: فيرتبط بتصور إدارة ترامب لطبيعة وشروط وشكل الحل المستقبلي للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، والصراع العربي- الإسرائيلي وهو ما أعلن عنه تحت مسمى "صفقة القرن"، فالواضح أن إدارة ترامب تسعى لإعادة رسم ملامح الصراع ووضع محددات جديدة له وذلك بتبني مفاهيم اليمين الإسرائيلي وتصوراته وأهدافه، وتفريغ الحقوق الفلسطينية والعربية من القضايا الجوهرية والمركزية، بحجة صعوبة التوصل إلى حلول توافقية لها، ومن ثم لا يبقى قضايا حساسة يمكن أن تفجر خلافات تفاوضية وهو ما يسعى له قوى اليمين وفى مقدمتهم "بنيامين نتنياهو" للحفاظ على بقاءة.

*التحركات الأمنية

دائماً ما تكون "غزة" الأداة الأولى نحو عسكرة السياسات الإنتخابية، فقبيل أى إنتخابات نيابية فى الدولة العبرية، يبادر قاداتها على إختلاف إنتماءاتهم الأيدولوجية بضرب غزة وفقا لذريعة "الأمن الإسرائيلي"، وفى عام 2019، جاء ضرب غزة ليعكس عدد من دلالات متمثلة فى :

-      التصدى لتصريحات أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب "اسرائيل بيتنا"، وربط حادث استهداف شمال تل أبيب بصاروخ من قطاع غزة للتذكير بأسباب استقالته من منصب وزير الدفاع بحكومة نتنياهو، مُصرحا بـ " أن الحكومة الإسرائيلية تحاول تحقيق تهدئة قبل الانتخابات، وأن الثمن هو التضحية بأمن إسرائيل".

-      قرار قصف قطاع غزة و الرد على حركة حماس لا يُعد قرارا عسكريا وإنما قرارا سياسيا، فمن الصعب على نتنياهو أن يعلن الحرب قبل الانتخابات، لكن يجب عليه التحرك عسكريا لتقويض حماس، ليثبت لشعبه أنه يبذل مجهودا لحمايتهم، فى ظل عدد من إستطلاعات الرأى والتى ترجح أن بعض الإسرائيليين يشعرون بأن نتنياهو لا يحقق الأمن لهم.

-      إستحضار الخطاب التقليدى الخاص بـ "أمن إسرائيل" وذلك قبيل إنتخابات الكنيست فى إبريل المُقبل، وإعادة الطرح الإعلامى لخطر حركة حماس والأذرع الداعمة لها على الأمن الإسرائيلى وتصدى قوى اليمين بزعامة نتنياهو لمثل هذا التهديد الأمنى.

سيناريوهات مُحتملة

من الصعب حصول أى من المعسكرين المتنافسين على الأغلبية الكاملة وتشكيل الحكومة، خاصة وأن أغلب إستطلاعات الرأى الإسرائيلية تؤشر إلى عدم إنجاز كلاً من قائمة "كاحول لافان" و"الليكود" إستحقاقهما الإنتخابى بالشارع السياسى وعدم إستطاعة أى منهم تشكيل إئتلاف حكومى، ومن ثم فإذا لم يبادر نتنياهو بـ "مفاجأة انتخابية"، كالتي قام بها في الانتخابات الأخيرة، وأسفرت عن تشكيله حكومة ضيقة كنواة للائتلاف، فإن احتمال تشكيله الحكومة المقبلة يؤول إلى الصفر، وهو الاحتمال ذاته لإمكانية فوز معسكر "المركز" بأغلبية 61 عضوا.

الجدير بالذكر، أن إشكالية سياسية كهذه حلت فى السابق بحكومة "وحدة وطنية" بين المعسكرات الإسرائيلية، مثل: حكومة ليفي أشكول عشية النكسة، وحكومتي يتسحاك شامير وشمعون بيرس في ثمانينيات القرن الماضي، لكن في العام 2019، الوضع إختلف مع إعلان حزب "العمل" بقيادة آفي غباي، وقائمة "كاحول لافان" بقيادة بيني غانتس ويائير لبيد، أنهما لن يكونا جزءا من حكومة يشارك فيها نتنياهو، وهو ما قد يضع مخرجاً لـ "الحكومة الوطنية" وفقا لإحدى السيناريوهات الثلاث:

1.      التناوب بين غانتس و نتياهو

في حالة تساوي المعسكرات في إسرائيل ، فسيتم الخروج من المأزق السياسى عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية بين "الليكود" و"كاحول لافان"، ويتناوب على رئاستها غانتس ونتنياهو، ولكن ذلك السيناريو مُستبعد خاصة وأنه سيتسبب فى تحطم مصداقية غانتس وسينهيه سياسياً.

الجدير بالذكر، أنه وفقا للقانون الإسرائيلي، عقب 7 أيام من الانتخابات على الرئيس الإسرائيلي "رؤوفين ريفلين" تكليف أحد أعضاء الكنيست بتشكيل الحكومة بعد مشاورات مع القوائم الفائزة، ويمنح رئيس الحكومة المُكلف مهلة 28 يوما قابلة للتمديد بـ14 يوما إضافيا، وإن لم ينجح في مهمته، فعلى ريفلين أن يجري مشاورات حكومية مجددا، ويحق له في ختامها تكليف عضو كنيست آخر بتشكيل الحكومة، وإذا فشل هذا العضو بتشكيل الحكومة، فإن أغلبية أعضاء الكنيست المنتخبين بإمكانهم طلب تكليف عضو كنيست ثالث بتشكيل الحكومة، وإن فشل عضو الكنيست الثالث في مهمته، فإن إسرائيل ستذهب لانتخابات مجددا خلال تسعين يوما. وقد تستمر هذه المداولات لسبعة أشهر، وتستمر حكومة نتنياهو خلالها بتسيير الأعمال دون أن يستطيع الاستقالة منها أو إقالة أي من أعضائها، بحسب القانون الإسرائيلي.

2.      حكومة "وحدة وطنية" مع الليكود بدون نتنياهو:

يرتكز ذلك السيناريو على ما أعلنته قائمه "كاحول لافان" بكونها على استعداد لإقامة حكومة "وحدة وطنية" مع الليكود "في مرحلة ما بعد نتنياهو، ليصبح السؤال: " هل يوجد في الليكود من يستطيع الخروج والتمرد على نتنياهو؟، فعلى مدار سنوات حكمه نجح في القضاء على كافة التمردات الداخلية ضده. وحاليا، على الرغم من أن نتنياهو أكثر ضعفا بسبب لوائح الاتهام، إلا أنه يمنع التقليل من قدراته السياسية ومن سيطرته المطلقة على حزب الليكود، الذي يبدو أنه أقرب إلى طائفة أكثر منه إلى حزب سياسي ديمقراطي، وقد يفسر هذا الاحتمال أسباب إصرار نتنياهو على إفشال الوزير السابق عن حزب الليكود "غدعون ساعر"، الذي سربت صحيفة "يسرائيل هيوم"، قبيل الانتخابات، أنّه "يتآمر" مع ريفلين لتكليفه بتشكيل الحكومة بدلا من نتنياهو.

3.      انشقاق أحد أحزاب اليمين:

يظهر ذلك السيناريو فى حالة فشل الليكود في التخلص من نتنياهو، حيث قد يظهر طريق بديل عبر إمكانية إنشقاق أحد أحزاب اليمين واقترابها من أحزاب المركز، فإن تقدمت قائمة "كاحول لافان" بفارق كبير (مثل 5 مقاعد) عن "الليكود"، سيسعى غانتس ولبيد إجتذاب أحزاب مثل "يسرائيل بيتينو" أو "كولانو" لمعسكرهم في مقابل عدد من المقاعد الحكومية، لكن تلك الأحزاب دخولها للكنيست غير مضمون نظراُ لتذبذبها حول نسبة الحسم.

إجمالاً،،

ثمة انطباع على الساحة السياسية الإسرائيلية بأن الانتخابات المقبلة ليست "المباراة النهائية"، إنما مباراة "نصف النهائي" تمهيدًا للانتخابات المقبلة التي ستشهدها إسرائيل لاحقا إن قرر المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية تقديم نتنياهو للمحاكمة مجددًا، بعد انتهاء الاستماع إلى أقواله، وما إذ ستنتقل إسرائيل لمرحلة ما بعد نتنياهو أم لا. فالحسم النهائى لإنتخابات "كنيست 2019" يتوقف فقط على الوضع النهائى لنتنياهو وليس على العملية التصويتية وفرص كلاً من كتلة "كاحول لافان" و "الليكود"، وإلى ذلك الحين، فمن المتوقع أن تستمر الفوضى السياسية فى إسرائيل إلى أن يتم الحسم.

شارك