المظالم الاجتماعية وتنامي جبهة الراديكاليين في وسط مالي

الأربعاء 10/أبريل/2019 - 07:03 م
طباعة المظالم الاجتماعية
 
جيمس بلاك - ترجمة: محمود جمال عبد العال

يتناول جيمس بلاك (JAMES BLAKE) في مقاله في مجلة الفورين بوليسي تحركات عددٍ من الجماعات الراديكالية في مناطق وسط مالي مستغلين في ذلك المظالم المحلية وأعمال العنف الطائفي بين عرقيات الفولاني، والدوغون، والبامبارا، وذلك أملًا منهم في إحياء فكرة الخلافة انطلاقًا من مناطق وسط مالي.

العنف العرقي

يُورد الكاتب قيام مجموعة مكونة من 100 رجلًا مسلحًا يرتدون زي عرقية الدوغون بقتل أكثر من 160 مدنيًا من أصل عرقية الفولاني. وكان من بين الضحايا أطفال ونساء، وأحرقوا كذلك العديد من المنازل. وليست هذه المرة الأولى التي تحدث فيها مثل هذه الحوادث. ورغم الاتهام الرسمي من الحكومة المالية للدوغون بارتكاب الحادثة إلا أنهم نفوا ذلك. وتُورد التقارير الحقوقية أن مناطق الفولاني تشهد العديد من نوعية هذه الحوادث بل وأكثر فتكًا من ذلك في حملات ممنهجة ضد عرقية الفولاني المسلمة الذين يضطرون للفرار من أراضيهم. وعلى سبيل المثال، شهد يناير/كانون الثاني 2019 هجومًا على قرية كولوغون التي تقطنها عرقية الفولاني المسلمة، وتم قتل 37 شخصيًا من مجتمع فولاني. ويدعو بلاك (JAMES BLAKE) قوة الساحل الخامس لمكافحة الإرهاب (التي تضم تشاد، وبوركينا فاسو، ومالي، وموريتانيا، والنيجر) إلى جانب فرنسا تحت رعاية أممية إلى التكامل لتحقيق الاستقرار في مناطق وسط مالي لوقف المزيد من حوادث التطهير العرقي والهجمات الانتقامية، وكذلك لقطع الطريق أمام الحركات الراديكالية لاستغلال عرقية الفولاني كحاضنة شعبية لها على الأرض هناك.

صراع الموارد

يسكن مناطق وسط مالي مجموعات من عرقيات الفولاني، والدوغون، والبامبارا. والفولاني هم مجموعة عرقية مسلمة من الرُعاة، وينتمي إلى هذه العرقية حوالي 38 مليون شخص في مناطق وسط وغرب أفريقيا. وتضم مجموعة الدوغون حوالي 800 ألف شخص، ولا تدين بأيٍ من الأديان السماوية الثلاث، ومعظمهم من المزارعين. وتُعد عرقية بامبارا أكبر المجموعات من المزارعين، ويمارس كثير منهم الإسلام. وتعيش هذه العرقيات الثلاث حالة من المظالم والمشاكل المتبادلة التي غالبًا ما تتصل بالنزاعات على الأرض والمياه.

في السياق ذاته، استفحلت الصراعات التي كانت تُحل في الماضي بسهولة ولكن باتت الآن أكثر صعوبة وتعقيدًا. ووفقًا لتقرير هيومن رايتس ووتش 2018، أصبحت النزاعات في وسط مالي أكثر تعقيدًا بسبب تغيرات المناخ التي جعلت الدوغون ينتقلون إلى مناطق جديدة بحثًا عن الماء والعشب، وكذلك نتيجة تزايد أعداد سكان هذه العرقية.

ظهور الجهاديين

                استطاعت الجماعات الجهادية أن تجد لنفسها موطئ قدم استغلالًا لتخوفات مجتمع الفولاني. وقد انتشرت مجموعة من الحركات الجهادية في مناطق وسط مالي وبوركينا فاسو منذ عام 2015. وقد ذاع صيت مجموعتين هما:

1.       مجموعة دعم الإسلام والمسلمين (JNIM): وهي مجموعة تابعة لتنظيم القاعدة، وكانت قد أعلنت في وقتٍ سابق عن مسئوليتها عن هجوم مارس/آذار 2018 الذي استهدف السفارة الفرنسية في واغادوغو، والهجوم على قوات بوركينا فاسو في ديسمبر/كانون الأول 2018.

2.      مجموعة أنصار الإسلام: تشكلت هذه المجموعة في عام 2016، وحصلت على دعمٍ من كلٍ من تنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى.   وتضم عناصر أغلبهم من قبائل الفولاني التي تعاني من تفاقم المظالم.

ورغم أن هذه الجماعات لم تسيطر على أراضٍ في وسط مالي إلا أنها تمكنت من تأمين قواعد لها لشن غارات على القرى والبلدان القريبة؛ حيث يستهدفون عرقيتي الدوغون وبامبارا، وكذلك قوات الأمن أو من يتعاون معها بالمعلومات. ونفذت مجموعة دعم الإسلام عددًا من الهجمات الإرهابية بدعوى الانتقام لعرقية الفولاني المسلمة. وسعت الجماعات الجهادية في وسط مالي لاستغلال مظالم مجموعة الفولاني التي خسرت أرضها لصالح الدوغون لاستقطاب أبنائهم وزيادة سلطتها وقواعدها الجماهيرية في هذه المناطق. ويذكر الكاتب أن كثيرًا من أبناء الفولاني انضموا إلى هذه التنظيمات بسبب سخطهم من الفساد الحكومي، وارتفاع معدلات الجريمة بمناطقهم، وتنامي حالات الاضطهاد الحكومي. ووفقًا لتقرير هيومن رايتس ووتش 2018، يُسهم زعيم عرقية الفولاني في تجنيد السكان المحليين لصالح هذه التنظيمات الجهادية.

الفولاني، ومزاعم الإرهاب

ويتهم مجتمع الدوغون عرقية الفولاني بالإرهاب نتيجة انضمام كثير من أبنائها للجماعات الجهادية، وترصد تقارير المنظمات الدولية أن التحالف بين مجتمع الفولاني والجماعات الجهادية ليس طبيعيًا لأن الجماعات الجهادية لا تهتم بمعالجة المظالم المجتمعية التي تجعل عرقية الفولاني تنضم للتنظيمات الجهادية انتقامًا لمظلوميتها لدى الحكومة المركزية، ولكن تُركز اهتمامها على إنشاء الخلافة. ونتيجة غياب دور الحكومة المالية في هذه المناطق، تمكنت عرقية الدوغون من تكوين مجموعات للدفاع على النفس أواخر عام 2016. وتدعي هذه المجموعات مكافحة الإرهاب ولكنها في الحقيقة نظمت عددًا من الهجمات المنظمة والعشوائية ضد مجتمع الفولاني. ويعتقد الفولاني أن هذه الجماعات لها علاقة وثيقة مع حكومة مالي المركزية.

أشار تقرير المحققين الدوليين، وتقرين منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن الحكومة المالية تتحمل مسؤولية انتشار الجماعات الإرهابية في مناطق وسط مالي، وذلك لعجزها في معالجة المظلوميات المحلية، وفشلها في التحقيق في الجرائم المرتكبة بحق عرقية الفولاني التي أصبحت وقودًا للجماعات الإرهابية إضافة إلى منحها الضوء الأخضر لمجموعات الدفاع عن النفس لتوفير الأمن في المناطق التي تغيب عنها القوانين وسلطة الحكومة. ويرى بلاك (JAMES BLAKE) أن استراتيجية الدفاع عن النفس ودعم تنظيمات مسلحة خارج إطار الدولة يُسهم بشكلٍ كبير في تأجيج مشاعر الانتقام والخروج عن القانونية وتجاوز حقوق الإنسان مما يساعد في نمو حركات مسلحة مضادة، واعتبر أن ذلك يقودنا إلى حالة الطبيعة الأولى التي تحدث عنها هوبز  "حرب الكل ضد الكل". ووفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، قُتل 289 مدنيًا خلال 99 حادثة طائفية. ووفقًا للتقرير نفسه، اضطر أكثر من 10000 شخص في منطقة موبتي إلى الفرار من منازلهم نتيجة العنف الطائفي خلال عام 2018 فقط.

                ختامًا؛ يدعو بلاك في هذا المقال إلى ضرورة أن تُفعل حكومة مالي سلطتها في مناطق وسط البلاد لحماية المدنيين سواءً من مجتمع فولاني أو غيره. إضافة إلى دعم حكومة مالي من خلال توفير برامج التدريب لإنشاء هيئات أمنية فعالة ونزيهة في وسط البلاد لتحل محل مجموعات الدفاع عن النفس والميليشيات. ويجب ألا تقتصر القوة الأمنية الجديدة على مجموعة عرقية معينة حتى لا يُثير ذلك الانقسامات الطائفية. وفي الوقت نفسه، يجب توسيع وجود الأمم المتحدة في وسط مالي لحماية مجتمع الفولاني، والذي يُمكن أن يتضمن إنشاء قاعدة أخرى عسكرية جديدة بالقرب من مناطق نشاط التنظيمات الجهادية.

 

شارك