المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان

اضطراب ما بعد الصدمة: تغطية الصحفيين المصريين للأحداث الصادمة (1-2)

الإثنين 15/أبريل/2019 - 07:13 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
د. شريف درويش اللبان

لعل نشوب حريق بمحطة سكك حديد مصر، نتج عن اصطدام جرار قطار دون سائق، بمصدات حديدية بالرصيف، ما أدى إلى انفجار خزان الوقود نتيجة السرعة العالية ونشوب حريق هائل تسبب في وفاة نحو ٢٢ شخصًا، وإصابة 40 آخرين ممن تصادف وجودهم على الرصيف يفتح ملف الأحداث الصادمة التي غطاها الصحفيون والإعلاميون المصريون في السنوات الأخيرة الماضية من تفجير لمساجد وكنائس والهجوم على أكمنة وحوادث إرهابية وتفجير طائرات.

لقد شهدت السنوات الأخيرة تزايد أحداث العنف والإرهاب وحوادث الطرق والقطارات والطائرات والجرائم المختلفة من الأحداث الصادمة التي يهرع إليها الصحفيون لتغطيتها فيشاهدون القتلى والدماء والأشلاء، وكثيرًا ما يلتقون بأهالي ضحايا هذه الأحداث فيروْن دموعهم ويشهدون صراخهم وعويلهم على مَن فقدوهم ويستمعون لعشرات القصص المؤلمة لناجين ومصابين، وقد تترك تغطيتهم لهذه الأحداث أثرها النفسي عليهم؛ فتداهمهم الذكريات المؤلمة لهذه المشاهد، وتطاردهم الكوابيس المزعجة، ويُصابون باضطرابات في النوم، وقد يصلون إلى الاكتئاب بل قد يشعرون بآلام جسدية مفاجئة كزيادة في معدل ضربات القلب أو صعوبة في التنفس، وكلها تندرج تحت ما يسمى باضطراب ما بعد الصدمة Post-Traumatic Stress Disorder.

ورصدت هذه الأعراض للمرة الأولى دراسة علمية أُجريت في عام 1999 تناولت الجانب النفسي للصحفيين الذين يغطون الأحداث الصادمة؛ حيث بينت أن الصحفيين بعد تغطيتهم لهذه الأحداث يشعرون بالقلق وتطاردهم صورٌ لا يمكنهم محوها من ذاكرتهم لمشاهد الضحايا والدماء، وقد يشعرون بالذنب، ويعانون من اضطرابات في النوم، وتظل في أنوفهم رائحة الجثث.

المصورون الصحفيون الأكثر تعرضًا للمشاهد الصادمة

ويؤكد الكثيرون أن المصورين الصحفيين هم الأكثر تعرضًا للمشاهد الصادمة من أي شخص آخر في غرفة الأخبار، فهم يذهبون بأنفسهم  لتغطية القصص ولا يستطيعون تأدية مهامهم إلا بتواجدهم في قلب الحدث، وقد توصلت دراسة نشرت عام 2003 طُبقت على 875 مصورًا صحفيًا إلى أن 98٪ منهم يتعرضون للصدمات النفسية عند تغطيتهم للأحداث الصادمة كجزء من وظيفتهم اليومية.

ولهذا كان من الضروري على المؤسسات الصحفية تأهيل المحررين والمصورين الصحفيين نفسيًا لتغطية مثل هذه الأحداث بمشاهدها المؤلمة، إضافةً لتأهيلهم على التعامل مع أهالي ضحايا هذه الأحداث حتى لا يتسببوا في إلحاق أى ضرر معنوي بهم.

وفي ضوء العدد المتزايد للأحداث الصادمة سواء الناتجة عن تزايد حالات العنف أو الإرهاب أو الكوارث الطبيعية، أو الناتجة عن الحوادث المتكررة للسيارات والقطارات وغيرها تبرز الحاجة إلى إجراء مزيدٍ من الدراسات للتعرف على الأثر المتراكم لتغطية الصحفيين لهذه الأحداث على سلامتهم النفسية.

في هذا الإطار جاءت الدراسة المهمة للباحثة الدكتورة رحاب محمد أنور مدرس الصحافة بقسم الإعلام بكلية الآداب جامعة المنيا في محاولة للتعرف على العلاقة بين تغطية المحررين والمصورين الصحفيين للأحداث الصادمة واضطراب ما بعد الصدمة لديهم، مع محاولة للوقوف على الدور الذي تقوم به المؤسسات الصحفية في تدريب صحفييها الذين يقومون بهذه المهام و تقديم الدعم المعنوي لهم.

أول دراسة عربية ترصد الآثار النفسية لتغطية الأحداث الصادمة

وتنبع أهمية هذه الدراسة من عدة اعتبارات منها أنها تمثل أولى المحاولات في الدراسات الإعلامية العربية التي تتطرق للآثار النفسية لتغطية الأحداث الصادمة على المحررين والمصورين الصحفيين من خلال دراسة أعراض اضطراب ما بعد الصدمة لديهم نتيجة تغطيتهم لهذه الأحداث، علاوة على قلة الدراسات المطبقة على القائم بالاتصال في العملية الإعلامية بوجه عام على الرغم من أهميته الكبيرة ودوره الرئيس في هذه العملية.

وتمثل الدراسة محاولة لارتياد مجال الدراسات البينية للاستفادة من العلوم الأخرى، وتستفيد هذه الدراسة من مجال علم النفس، كما تمثل الدراسة محاولة للتعرف على الدور الإنساني الذي تمارسه غرف الأخبار عند التعامل مع العاملين بها.

وقد تبين من خلال مسح التراث العلمي السابق اهتمام الدراسات الأجنبية بالجانب النفسي للقائمين بالاتصال الذين يقومون بتغطية الأحداث الصادمة، سواء كانت هذه التغطية لمناطق الحروب أو تغطية لأحداث صادمة ضخمة، أو لأحداث صادمة يومية كحوادث القطارات والسيارات والهجمات الإرهابية على المدارس ودور السينما في محاولة للتعرف على الآثار النفسية لتغطية هذه الأحداث على القائمين بالاتصال.

الدراسات الأجنبية ركزت على بحث أعراض اضطراب ما بعد الصدمة

وركزت هذه الدراسات بشكلٍ خاص على بحث أعراض اضطراب ما بعد الصدمة بين القائمين بالاتصال الذين يقومون بتغطية هذه الأحداث، في الوقت الذي لم تتطرق فيه أي دراسة عربية لهذا المجال البحثي رغم ما تعانيه بعض دولنا العربية من الحروب والصراعات على أراضيها وما يشهده صحفيوها يوميًا من مشاهد لجثث وأشلاء ودماء، ورغم ما تعانيه دول عربية أخرى ومنها مصر من أعمالٍ إرهابية ينتج عنها كثيرٌ من الخسائر البشرية إضافةً لتصاعد أعمال العنف التي ينتج عنها أيضًا عديدٌ من الضحايا غير الحوادث المتكررة للسيارات والقطارات وغيرها، والكوارث الطبيعية كالسيول والتي غالبًا ما تجتاح بلادنا ربما مرة على الأقل سنويًا، وغيرها الكثير من الأحداث التي ينتج عنها مشاهد مؤلمة ويكون لزامًا على المحررين والمصورين الصحفيين -بحكم عملهم- أن يشاهدوها وأن يشهدوا ردود الأفعال المؤثرة لأهالي ضحايا هذه الأحداث، والتي غالبًا ما تترك أثرها النفسي عليهم.

من هنا تتزايد الحاجة إلى الاهتمام ببحث التغطية المهنية لهذا النوع من الأحداث للتعرف على طبيعة ما يتعرض له المحررون والمصورون الصحفيون من ضغوط أثناء قيامهم بمهامهم وبيان الأثر النفسي لذلك عليهم مع التعرف على حدود الدور الذي تؤديه المؤسسات الصحفية في تأهيل محرريها ومصوريها لأداء هذه المهام في محاولة للتقليل من الآثار النفسية السلبية التي قد تصيبهم.

انعكاسات تغطية الصحفيين المصريين للأحداث الصادمة

وفي إطار ما تقدم فإن مشكلة هذه الدراسة التي أجرتها د. رحاب أنور تتمثل في رصد تغطية المحررين والمصورين الصحفيين للأحداث الصادمة اليومية والتعرف على انعكاساتها على اضطراب ما بعد الصدمة لديهم وكذلك محاولة الوقوف على الدور الذي تقوم به المؤسسات الصحفية في تأهيل وتدريب صحفييها للقيام بهذه المهام، وذلك في إطار مجموعة من المتغيرات الوسيطة وهى النوع وسنوات الخبرة والقسم الذي يعمل به الصحفي.

وسعت الدراسة لتحقيق هدفين رئيسييْن وهما التعرف على علاقة تعرض المحررين والمصورين الصحفيين للأحداث الصادمة من خلال تغطيتهم لها بظهور أعراض اضطراب ما بعد الصدمة عليهم، وكذلك التعرف على دور المؤسسات الصحفية التي ينتمون إليها في تهيئتم لتغطية مثل هذه الأحداث وتقديم الدعم المعنوي لهم أثناء وبعد التغطية.

وفي سبيل تحقيق هذين الهدفين سعت الدراسة لتحقيق أهداف فرعية مهمة منها: التعرف على معدل تغطية المبحوثين للأحداث الصادمة خلال العام الماضي، وشدة تغطية الأحداث الصادمة التي يتعرض المبحوثون لها، وشعور المبحوثين عند تغطيتهم للأحداث الصادمة، واتجاهات المبحوثين بعد تغطيتهم للأحداث الصادمة، ومعدل اضطراب ما بعد الصدمة بين المبحوثين، والأساليب التي يتبعها المبحوثون في مواجهة الضغوط النفسية التي يتعرضون لها بعد تغطية هذه الأحداث، ودور المؤسسات الصحفية في تهيئة المبحوثين لتغطية مثل هذه الأحداث، وتقديم الدعم المعنوي للمبحوثين بعد تغطيتهم لها.

وقد قدمت الباحثة إطارًا معرفيًا وثيق الصلة بموضوع دراستها يتسم بالثراء، حيث أوضحت أنه كثيرًا ما يتعرض الصحفيون للأحداث الصادمة وخاصةً الذين يقومون بتغطية الحروب، أو الصحفيون المنتمون لدول يكون فيها الصراع والعنف جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، أو إذا كانوا صحفيين محليين يغطون حوادث يومية كحوادث السيارات والقطارات والطائرات والكوارث الطبيعية والجرائم المختلفة، وعادة ما تتطلب هذه التغطية إجراء مقابلات مع أسر الضحايا أو الناجين من هذه الحوادث، ومن المتوقع أن تغطيتهم لمثل هذه الأحداث قد تترك آثارها النفسية عليهم؛ فقد يعانون من أعراضٍ كالأرق، والكوابيس، والصداع، والقلق، وربما يجدون أنفسهم محاصرين من خلال الصور المتكررة المؤرقة في كل مرة.

إصابة أكثر من ربع صحفيي الحروب باضطرابات ما بعد الصدمة

وقد بلغت نسبة الانتشار لاضطرابات ما بعد الصدمة لدى صحفيي الحروب وفق إحدى الدراسات السابقة 28,6%، وهى النسبة نفسها لدى قدامي المحاربين، وهى نسبة أعلى من نسبة الانتشار بين ضباط الشرطة (7% إلى 13%)، وفي كل الحالات عدا حالة واحدة تطورت اضطرابات ما بعد الصدمة بعد بدء الصحفيين عملهم في مناطق الحروب، وقد لاحظ الباحثون أنه رغم ذلك لم يتلقَ الصحفيون تدريبات مكثفة للتعامل مع العنف مثل ضباط الشرطة والجنود.

وفي هذا السياق يذكر "أنتوني فاينشتاين" Anthony Feinstein أستاذ الطب النفسي في جامعة "تورنتو" ومؤلف كتاب "صحفيون تحت النار": عن الآثار النفسية لتغطية مخاطر الحرب على الصحفيين (2006) ، أن "مراسلي الحروب لديهم أعراض اكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة  وقلق أكثر من الأعراض التي يعاني منها الصحفيون الذين يغطون الأحداث المحلية، ثم عاد وأشار إلى أنه قد أكمل مؤخرًا دراسة عن الصحفيين المحليين الذين يعملون في دول مثل المكسيك، توصل فيها إلى أن "مستوى معاناة هؤلاء الصحفيين من هذه الأعراض ملموس مثل الصحفيين الذين يذهبون إلى العراق ” نتيجة وجودهم في بلدان معدلات العنف فيها عالية".

وعلى الرغم مما قد يشعر به الصحفيون من اضطرابات نفسية بعد تغطية الأحداث الصادمة إلا أنهم لايفصحون عنها بل عادة ما يفضلون الإنكار، وذلك مخافة أن يوصف الصحفي بأنه ضعيف أو غير كفء، وهو ما يؤدي إلى تعزبز ثقافة "المعاناة في صمت" داخل غرف الأخبار عندما يتعلق الأمر بمثل هذه الأمور النفسية أو التي تتعلق بالصحة العقلية لهم وذلك لحرصهم على الحفاظ على وظائفهم والتقدم في حياتهم المهنية، وتحقيق السبق الصحفي في ظل المنافسة، وهو نفسه ما كان يفعله آلاف الجنود الذين كان يعودون من العراق وأفغانستان إلى بلادهم بقلق الاكتئاب والمشاكل النفسية الأخرى، وما يقرب من نصف أولئك الذين يحتاجون إلى علاج لايسعون لذلك لأنهم يخشون من أن يؤثر عليهم هذا الأمر في الترقيات الوظيفية والأمر نفسه بالنسبة للصحفيين.

ضرورة تجرد الصحفيين من مشاعرهم على باب صحفهم

ولأن ما تعلمه الصحفيون في الجامعة هو أنه ينبغي عليهم أن يتجردوا من مشاعرهم على باب صحفهم وأن يحافظوا على وجود مسافة بينهم وبين ما يقومون بتغطيته من أحداث وأن يحافظوا على تركيزهم؛ حتى يتمكنوا من سرد القصة من منظور خارجي ولأن فكرة إدخال العاطفة في السرد أدى إلى "تليين" أو"تأنيث" الأخبار؛ وهي مسألة تتعارض مع الموضوعية فليس هناك مكان للعاطفة في التقارير الموضوعية فالعاطفة تعني المشاركة، وقد خلّقت هذه الفكرة ثقافة تعزز الصمت والقمع بدلا من التعبير والإفصاح، باختصار فإن القواعد التنظيمية الصارمة للانفصال والموضوعية يمكن أن تكون أضرت بالصحة النفسية للصحفيين من خلال تشجيع الصمت ومنع الكلام وبالتالي الخوف من البحث عن علاج، وهو ما يجعل من الصعب على الصحفيين التعامل مع الصدمة النفسية داخل بيئة العمل وبدلًا من اللجوء إلى المساعدة المهنية يعتمد الصحفيون على أفراد الأسرة للتعامل مع ما يشعرون به معاناة نفسية.

وقد دعا عديدٌ من العلماء والممارسين لإنسانية غرفة الأخبار وزيادة الوعي بالجانب العاطفي والنفسي لدى العاملين في المجال الصحفي. ويرون أن دور غرفة الأخبار هو أمر حتمي أثناء التعامل مع الأحداث الصادمة، إنها مسئولية كل غرفة أخبار للتحقق من السلامة النفسية لكل صحفي يغطي الأحداث الصادمة. وقد وجهت بالفعل غرف الأخبار في بعض دول العالم مزيدًا من الاهتمام للآثار النفسية لتغطية الصدمات.

التدريب هو الطريقة المثلى لإعداد الصحفيين لتغطية الأحداث الصادمة

يعد التدريب الطريقة المثلى لإعداد الصحفيين لتغطية الأحداث الصادمة من خلال توفير التجارب التعليمية للصحفيين في سيناريوهات صدمة وهمية لإعداد الصحفيين لأسوأ ما يمكن من الحالات، و ينبغي أيضًا على غرف الأخبار أن تعطي تحذيرًا كافيًا حول شدة الحدث الصادم قبل دخول المراسل المشهد؛ فمسئولية غرفة الأخبار ذات أهمية كبيرة أثناء إعداد الصحفيين للصدمات النفسية.

وهناك مراكز أنشئت لعلاج الصدمة لدى الصحفيين مثل "مركز دارت Dart  للصحافة والصدمة" في الولايات المتحدة، وهو شبكة عالمية من الصحفيين وأساتذة الصحافة متاح عليه موقع دردشة على الإنترنت، ويقدم نصائح حول أساليب التعامل ما بعد الصدمة، وتتضمن قائمة النصائح "أخذ فترات راحة"، وضرورة وجود مستمع حساس، وتعلم كيفية التعامل مع الإجهاد، ومن المهم أن يعي الصحفي أن استقراره العقلي يجب أن يكون بعيدًا عن الثقافة الصحفية الرصينة، حيث يميل الصحفيون إلى الابتعاد عن الاعتراف بالإجهاد النفسي، وأن اﻟﺗﮐﯾف ﺑﻌد ﺣدث ﺻﺎدم هو أمر يختلف من ﺷﺧص لآخر.

ويقترح فران نوريس وهو أستاذ باحث في "المركز الوطني لاضطراب ما بعد الصدمة" بالولايات المتحدة أن يُجبِر رؤساء أقسام الأخبار الصحفيين على الحصول على إجازة بعد تغطية أي حدث صادم حتى يهدأوا قليلاً ويتمكنوا من الاستمرار في تغطية القصص المرتبطة بالحدث دون الشعور بالضعف أو عدم القدرة على المنافسة، ويؤكد أن رؤساء غرف الأخبار يعرفون جيدًا أعراض اضطراب ما بعد الصدمة فغالبًا ما مروا بنفس الأعراض، ويمكنهم ملاحظة علامات هذا الاضطراب على العاملين معهم.

ويوصي روجر سيمبسون المدير التنفيذي لمركز "دارت" المديرين بالاستماع عن كثب للصحفيين العاملين معهم أثناء تغطية الصدمة،  وإذا رأوا أن صحفيًا قد يواجه صعوبة في استكمال تغطية الحدث، فإنه يجب على المديرين وقتها أن يتركوا الصحفي بعض الوقت حتى يتخلص نوعًا ما مما يشعر به، ويقترح أيضًا البقاء على اتصال مع عائلة الصحفي ومحاولة تقديم المساعدة له بأي طريقة ممكنة، وأخيرا.

اعتمدت الدراسة على الاستبيان والذي تم استخدامه في التعرف على معدل تغطية المحررين والمصورين الصحفيين للأحداث الصادمة وشدة ما يواجهونه من صدمات عند تغطيتها وعلاقته باضطراب ما بعد الصدمة لديهم، مع محاولة الوقوف على الدور الذي تلعبه المؤسسات الصحفية في دعمهم معنويًا عند تغطية هذه الأحداث، كما اعتمدت الدراسة على المقابلة المتعمقة للاستفادة مما توفره هذه الأداة من تفاصيل، وإعطاء الأمثلة، وشرح التجارب، وطرح العديد من الجوانب التي قد لا يستطيع الاستبيان تقديمها.

وقد راعت الباحثة عند إجراء المقابلات عقدها مع كل صحفي منفردًا لرفع الحرج عن كلٍ منهم وهو يتحدث عن شعوره عند تغطيته لهذه الأحداث ويتذكر ما شاهده وما شعر به أثناء قيامه بمهمته، كما أكدّت للمبحوثين أنها لن تذكر أسماءهم في سياق البحث حفاظًا على الجانب الأخلاقي في إجراء البحث، وضمانًا للحصول على الاستجابات الصادقة والحقيقية.

وتحدد مجتمع الدراسة في المحررين والمصورين الصحفيين المعنيين بتغطية الأحداث الصادمة اليومية، وهم محررو قسم الحوادث والمصورين الصحفيين، بالإضافة إلى محرري أقسام الأخبار والتحقيقات وغيرها من الأقسام الميدانية الذين قد يتم الاستعانة بهم -أحيانًا- في تغطية هذه الأحداث.

دراسة ميدانية على 130 صحفيًا مصريًا

وراعت الباحثة في اختيار عينة الصحف أن تكون صحفًا يعمل بها محررون ومصورون  يمثلون مختلف الفئات العمرية ومختلف سنوات الخبرة للتعرف على تأثير هذه العوامل على معدلات اضطراب ما بعد الصدمة لديهم، ومن ثم وقع اختيار الباحثة على صحف "الأهرام" و"الأخبار" و"الوفد" باعتبارها الصحف التي تضم العدد الأكبر من المحررين والمصورين الصحفيين المخضرمين إضافةً إلى عددٍ من الشباب الأقل خبرة، وصحف "اليوم السابع" و"الوطن" و"الشروق" باعتبارها الصحف التي تضم شباب المحررين والمصورين الصحفيين من ذوي الخبرة القليلة والمتوسطة، وقد تم إجراء الدراسة داخل هذه الصحف بأسلوب العينة المتاحة، وقد بلغ عدد مفردات العينة (130) مبحوثًا.

وقد أشارت نتائج الدراسة إلى أن أكثر الأحداث الصادمة التى قام الصحفيون بتغطيتها خلال العام الماضي كانت "حوادث السيارات" حيث بلغ متوسطها (2,33) وانحرافها المعياري (1,53)، وقد أشار (19,2%) من المبحوثين إلى أنهم قاموا بتغطّية هذه الحوادث شهريًا وهو ما يعني ارتفاع معدلات حدوث هذه الحوادث مقارنة بغيرها.

 وجاءت فى المرتبة الثانية "حوادث انهيار المباني" حيث بلغ متوسط هذه النوعية من الأحداث (2,19)، وتلاها الحرائق الهائلة وبفارق بسيط حيث بلغ متوسطها (2,05)، وفى المرتبة الرابعة "حوادث القطارات" وبلغ متوسطها (1,93)، وتلاها "حوادث تفجيرات الكنائس" بمتوسط (1,87)، ثم "جرائم القتل" وبلغ متوسطها (1,84)، وذكر (6,9%) من العينة أنهم يقومون بتغطية مثل هذه الحوادث شهريًا، وجاء فى المرتبة السابعة تغطية "حوادث إرهابية أخرى ترتبت عليها خسائر بشرية" بمتوسط (1,68)، وتلاها تغطية "حوادث الاعتداءات الجنسية" بمتوسط (1,59)، وبعدها وبفارق بسيط تغطية "الكوارث الطبيعية كالسيول" بمتوسط (1,58)، ثم تبعتها "حوادث تفجيرات المساجد" وبفارق ملحوظ إلى حدٍ ما حيث بلغ متوسطها (1,37)، وجاء فى المرتبة الأخيرة تغطية "حوادث الطائرات" بمتوسط (1,15).

وهكذا يتضح أن أكثر أنواع الأحداث الصادمة التى قام الصحفيون بتغطيتها خلال العام الماضي كانت حوادث السيارات وانهيار المباني والحرائق وحوادث القطارات، وتلاها تفجيرات الكنائس وجرائم القتل والحوادث الإرهابية والاعتداءات الجنسية والكوارث الطبيعية كالسيول، وأخيراً تفجيرات المساجد وحوادث الطائرات.

نصف الصحفيين عينة الدراسة قاموا بتغطية أحداث صادمة خلال العام الماضي

وبالنسبة لمعدل تغطية الصحفيين للأحداث الصادمة، تبين أن قُرابة نصف العينة قاموا بتغطية الأحداث الصادمة بمعدل متوسط (47,7%) أي كل بضعة شهور تقريبًا، وتلاهم (26,9%) من المبحوثين قاموا بتغطية هذه الأحداث بمعدل منخفض أي مرة إلى مرتين مثلًا، في حين قام رُبع العينة (25,4%) بتغطية الأحداث الصادمة بمعدل مرتفع ما بين كل شهر إلى معظم الشهور، وهو ما يعني أن غالبية المبحوثين يقومون كثيرًا بتغطية الأحداث الصادمة ما بين كل بضعة أشهر إلى كل شهر، وهو ما يعكس تكرار هذه الأحداث وشيوعها وكأنها جزء من الروتين اليومي لهم. 

ونستكمل في الجزء الثاني عرض نتائج هذه الدراسة المهمة.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟