الدور التركي في ليبيا .. الآليات وحدود التأثير

الثلاثاء 16/أبريل/2019 - 06:55 م
طباعة الدور التركي في ليبيا
 
مصطفى صلاح

تتحرك تركيا داخل الساحة الليبية في خطوط متوازية، فهي تقدم دعمًا لافتًا للكتائب المسلحة، وتدعم العناصر الموالية لها، وتستقطب القيادات التي تقبل التعاون معها، حتى لو كانت لا تحمل مواقف أيديولوجية واضحة ومؤيدة لها، ولعل تصريح المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي أحمد المسماري في 13 أبريل 2019، بأن هناك خطوطًا مفتوحة بين تركيا ومالطا جوًا وبحرًا بتقديم الدعم العسكري للمجموعات العسكرية في طرابلس، وأضاف المسماري بأن هناك رحلات جوية مباشرة من تركيا إلى مصراتة تنقل مسلحين من جبهة النصرة في سوريا، خاصة بعد ملاحظة تزايد أعداد المقاتلين الأجانب، ومن ثم كانت هذه الإشكاليات بمثابة الدافع الأول لإعادة النظر من جديد حول جدلية، وحدود وطبيعة الدور التركي في ليبيا.

بدايات الدور

كان الموقف التركي حاضرًا وبقوة منذ اندلاع الأزمة الليبية ولكن من أجل الحرص على المصالح التركية الاقتصادية في ليبيا التي تقدر  بنحو 15 مليار دولار، كما تشكل السوق الليبية أبرز أهم النشاطات التركية ويوجد نحو 120 شركة تركية. وبعد سقوط النظام الليبي بقيادة الرئيس معمر القذافي اتجهت سياسة تركيا تجاه تقديم الدعم للتنظيمات المسلحة الممثلة في حزب العدالة والبناء المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، وميليشيات مدينة مصراتة في الغرب الليبي، ومن قبل قدمت أنقرة الدعم للجماعات المسلحة في تحالف فجر ليبيا في مواجهة عملية الكرامة التي أطلقها الجيش الوطني الليبي في مايو 2014، بقيادة "خليفة حفتر"، وهو ما تسبب في توتر علاقاتها مع الشرق الليبي، حيث وجه قائد الجيش الليبي في الشرق "خليفة حفتر" اتهامات لتركيا بدعم "الإرهاب" في ليبيا، وأصدرت حكومة الشرق الليبي قراراً بإيقاف التعامل مع كافة الشركات التركية في ليبيا رداً على سياساتها الداعمة لتحالف "فجر ليبيا".

ولا تخفي تركيا سياساتها الداعمة للجماعات الإسلامية في العالم العربي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، خاصة في ظل سياسة حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم الحريصة على تقديم نفسه كحزب إسلامي، ومنذ وصوله إلى الحكم في عام 2002، أضحت سياسة تركيا الخارجية تنحاز إلى هذه الجماعات في تحركاتها ضد الدول الحاضنة لها، بالنسبة لليبيا قدمت تركيا الدعم للجماعات الإسلامية بعد سقوط الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، مرورًا بدعم جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والجماعات المسلحة في سوريا، وعليه فإن السياسة التركية ترتسم في اتجاه واضح وهو تبني التحالفات مع الجماعات الإسلامية في الوطن العربي.(1)

بالنسبة لليبيا؛ تحاول تركيا استغلال الجماعات الإسلامية من خلال الدعم الدائم والمتواصل في تحقيق العديد من السياسات الاقتصادية التي من شأنها توفير المشاريع الاقتصادية مثل عمليات إعادة الإعمار، وفتح الموانئ أمام السلع، ومجالًا للنفوذ في بلد يعتبر من أكثر البلدان اهمية واستراتيجية في البحر المتوسّط، في ظل السياسة الهادفة للتوسع في الأسواق الخارجية من خلال التجارة، وفتح أسواق جديدة.

وفي هذا الإطار يمكن القول بأن الأهداف التركية لا تقتصر فقط على تحقيق التوغل الاقتصادي في العديد من دول العالم الثالث؛ وليس أيضًا مجرد تمكين تلك الجماعات المتطرفة من زعزعة استقرار ليبيا، بل تقويض دول الجوار الجغرافي خاصة مصر التي بعد الإطاحة بحكم الإخوان الذين تدعمهم أنقرة، ومن ثم يتمثل الهدف الأساسي هو تحقيق مزيد من  حالة عدم الاستقرار التي من شأنها تنفيذ أجندتها الخاصة بالتوسع تحت مظلة العثمانية الجديدة.

تورط مستمر

هناك العديد من الدلالات على التورط التركي في تمويل الجماعات الإرهابية المسلحة، وهو ما أثار ردود الفعل الإقليمية والدولية حول القلق من تدفق هذه الشحنات من الأسلحة؛ حيث ضبطت السلطات الليبية في ميناء الخمس البحري غرب ليبيا في 17 ديسمبر 2018، شحنتي أسلحة، ضخمتين وذخائر وحمولات قادمة من ميناء مرسين التركي، وحسب بيان الجيش الليبي فإن عدد الذخائر الواردة في هاتين الشحنتين بلغ 4,2 مليون رصاصة، بما يكفي لقتل قرابة 80% من الشعب الليبي، إضافة إلى الآلاف من المسدسات والبنادق.

ومن قبل أوقفت السلطات اليونانية سفينة أسلحة تركية في يناير من نفس العام كانت في طريقها إلى ليبيا، وأشارت وسائل الإعلام اليونانية أن خفر السواحل اليوناني تمكن من ضبط سفينة محملة بمواد تستخدم لصنع متفجرات وهي في طريقها إلى الأراضي الليبية، . ورغم أن السفينة كانت تحمل علم تنزانيا إلا أنها أخذت حمولتها من مينائي مرسين والإسكندرونة التركيين، وعثرت السلطات اليونانية على ما يقارب 29 حاوية تحتوي على مواد تستخدم لصناعة المتفجرات. ويتعارض ذلك مع سياسات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة اللذين فرضا حظرًا على بيع ونقل وتوريد الأسلحة إلى ليبيا منذ 2011.

إن عملية تهريب الأسلحة والصواريخ إلى ليبيا جاءت لاستهداف قوات الجيش الليبى، عوضًا عن معالجة الإرهابيين المصابين فى معارك مع القوات المسحلة الليبية وبالتالي كان ذلك من أهم الأدوار المؤثرة لتركيا في الملف الليبي لتوفير لهم الدعم المالى واللوجيستى لقدرة الجماعات التابعة للإخوان على البقاء على الساحة سياسيًا وعسكريًا.(2)

وكشف موقع ويكيليكس في يوليو 2016 عن جانب مهم في طبيعة الدور التركي في نقل أموال الليبي عبد الحكيم بلحاج، من خلال رسالة صادرة عبر بريده الإلكتروني عام 2013 عرض فيها على مصرفي تركي تابع للحزب الحاكم (العدالة والتنمية) طلب المساعدة لتهريب مبالغ مالية لأجل المحافظة عليها واستثمارها، مقابل دفع عمولة 25 بالمئة من المبلغ، وكان المبلغ وقتها حوالي 15 مليون دولار.

هذه العينة من الوثائق تكشف بشكل جلي عن تقاطع المصالح بين تركيا وإسلاميي ليبيا، حيث يتم تبادل المنافع الاقتصادية داخل لعبة الإيديولوجيا المتمثلة في توفير الغطاء السياسي للجماعة الإسلاميّة بشكل الذي يجعلها مصدرًا للربّح المالي التركي وما يسهل لها هي نفسها تهريب أموالها واستثمارها في مناخ آمن بعيدا عن الفوضى الليبية التي ساهمت فيها تركيا نفسها، وبعيدا عن معاناة الاقتصاد الليبي المحلّي.

إن دور تركيا كان واضحًا في دعم الجماعات المتطرفة في ليبيا منذ ثورة 17 فبراير، وتحديدًا جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة التى يقودها الإرهابى عبد الحكيم بلحاج، فمن ناحيه قدمت لهم الدعم غير المحدود لبسط سيطرتها على عدد من المناطق الليبة، من ناحية أخرى كان الداعم الأول للإرهابي على الصلابي ليكون المسئول الأول عن توجيه الدعم التركى والقطرى إلى الجماعات المتطرفة فى ليبيا، كما أن عمليات تهريب الأسلحة والصواريخ إلى ليبيا لاستهداف قوات الجيش الليبى، ومعالجة الإرهابيين المصابين فى معارك مع القوات المسحلة الليبية كان من أهم الأدوار المؤثرة لتركيا في الملف الليبي لتوفير لهم الدعم المالى واللوجيستى لقدرة الجماعات التابعة للإخوان على البقاء على الساحة سياسيًا وعسكريًا.(3)

بالإضافة لذلك اتهم أحمد المسماري الناطق باسم الجيش الوطني الليبي كلا من تركيا وقطر بتمويل ودعم عدة قنوات فضائية تبث من الدوحة واسطنبول وتعمل على إثارة الفوضى والتحريض على الجيش في ليبيا، وأيضًا احتضان اجتماعات لممثلين لتنظيمي القاعدة والإخوان، لضرب الاستقرار في ليبيا ومواجهة الجيش الليبي، بعد إطلاقه معركة طرابلس.

حدود التأثير

بجانب الدور العسكري الذي تقوم به تركيا في دعم الجماعات المسلحة،سعت تركيا -التي تحافظ على الصمت عندما يتعلق الأمر بالمبادرات الفرنسية والإيطالية التي دعمت جهود مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة- إلى إيجاد مكان لها في مؤتمر باليرمو الذي عقد في صقلية، وكذلك سعت للمشاركة في كافة الترتيبات السياسية الإقليمية والدولية، وعلى خلفية الدور التركي المثير للقلق بالنسبة للجيش الوطني الليبي؛ أعلن المشير خليفة حفتر لأول مرة أنه سيقاطع المؤتمر لتجنب الجلوس على الطاولة نفسها مع تركيا وقطر وغيرهما من المنافسين الإسلاميين.(4)

وعلى الرغم من الخلاف بين حكومة الوفاق والمشير خليفة حفتر، إلا أن الجانبين أعلنوا اللقاء في باليرمو في 12 نوفمبر 2018، ولكن تم استبعاد تركيا وقطر من ذلك الاجتماع غير الرسمي، الذي حضره رئيس الوزراء الإيطالي، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، ورئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف، ورئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى، ووزير الخارجية الفرنسي جان إيف دريان، ورئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك.

كما أطلقت تركيا مبادرات جديدة قبيل انعقاد مؤتمر باليرمو، في 5 و6 نوفمبر2018، عقد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، ورئيس الأركان العامة ياسر غولر وإيشلر، اجتماعات في طرابلس ضمت السراج وخالد مشري ووزير الداخلية فتحي علي باشاغا. خالد المشري هو من بين قادة حزب العدالة والبناء المنتمي إلى الإخوان المسلمين، ويرتبط باشاغا بميليشيات مصراتة التي لها عداء دموي مع حفتر. خلال الزيارة، ناقش الطرفان مساهمة تركيا في  تشكيل الجيش الليبي، بما في ذلك تدريبها وتوحيد القوات العسكرية (الميليشيات) المتنافسة، كما تمّت مناقشة استثناءات التأشيرة.(5)

الهوامش

1)      شاحنات الأسلحة.. أهداف ومخاطر الدور التركي في ليبيا، على الرابط:

 https://al-ain.com/article/the-libyan-army-turkeylibya

2)      جناية أردوغان على ليبيا.. تفاصيل الدور التركي المشبوه لدعم الإرهاب وعناصر داعش، على الرابط:

http://cutt.us/qO5v3

3)      الدّور التركي في ليبيا... سياسة الاستثمار في الخراب!، على الرابط:

http://cutt.us/axJW6

4)      المناورات الليبية التركية، على الرابط:

https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=15012019&id=04e01104-baaf-46c3-a53f-dcb19e157404

5)      قطر وتركيا و"العبث" بالشؤون الداخلية لليبيا، على الرابط:

http://cutt.us/yyfP2

شارك