الفرص والتحديات ... اللامركزية وتشكيل النخب النسائية المحلية

الثلاثاء 30/أبريل/2019 - 06:42 م
طباعة الفرص والتحديات ...
 
محمد عبد الهادي

في ١٦ مارس من كل عام يتم الاحتفال بيوم المرأة المصرية، يمثل هذا التاريخ حلقة مضيئة في حلقات المواقف الوطنية المعاصرة للمرأة المصرية، حيث شاركت فى ثورة ١٩١٩ وخرجت أول مظاهرة نسائية مؤكدة مشاركتها في الكفاح الوطني فى مواجهة الاحتلال الإنجليزى، مما يدلل أن مسيرة المرأة المصرية لم تكن بمعزل عن الحركة الوطنية أو منفصلة عنها، كما أن ظهور اتجاهات نهضة المرأة تواكب مع بروز تيارات الإصلاح الاجتماعى في مصر.

وفى السنوات القليلة الماضية شاركت المرأة المصرية فى ثورتين متتاليتين خلال ثلاث سنوات 25 يناير 2011 و30 يونيه 2013، ومن ثم تزايدت أهمية دور المرأة، كما تبنت الدولة العديد من الاستراتيجيات والسياسات والمبادرات الهامة التى من شأنها القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة أو اقصائها، أبرزها "الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030" الصادرة عن المجلس القومى للمرأة، باعتباره الإطار المؤسسى والآلية الوطنية الرسمية لمواجهة وسد الفجوات النوعية وتهيئة تكافؤ الفرص ودعم مشاركة المرأة فى عملية التنمية المستدامة التى تستهدفها الدولة، بالإضافة إلى تحقيق إصلاح تشريعى يهدف إلى تغيير القيم والمفاهيم المجتمعية ومعالجة السلوك والممارسات الإدارية التى تعوق مشاركة المرأة في القطاعات المختلفة، وتجعلها لا تتمكن من أن تؤدى الدور المنوط بها فى نهضة مجتمعها.

وفى ظل ذلك شهدت اللامركزية التى تجسدها الإدارة المحلية بوجهيها المُعين والمنتخب فى مصر، تطورات غير مسبوقة فى سبيل الارتقاء بالمرأة وجعلها فاعل محلى، أبرزها إداريا زيادة فى أعداد القيادات النسائية المحلية، والتوسع فى تولى المرأة مناصب رؤساء المجالس القروية، ومجالس الأحياء، والمراكز والمدن، فضلا عن اختيارها فى وظيفة نواب المحافظين، بل أصبحت محافظة، هذ غير وجود نساء مديرات عديدات فى إدارات الأجهزة التنفيذية والوحدات المحلية التابعة لوزارة التنمية المحلية، كما حدث تطوراً دستورياً فى 2014 فيما يتعلق بتخصيص/ أو حجز مقاعد للفئات التى كانت مهمشة أو لم تحظى بتمثيل مناسب فى السابق، وهذه التطورات من شأنها أن تؤدى إلى تمكين المواطنين من مجموعات هذه الفئات فى التمثيل المحلى، ويعد ذلك فى حال تحققه نقطة تحول جوهرية فى كيفية تشكيل المجالس المحلية المقبلة بصورة تتخطى طريقة التسكين لأعضاء هذه المجالس التى كانت تحدث فى السابق.

ويتضح من الإجرءات والنصوص التشريعية المشار إليها آنفاً، والتعديلات المنتظرة لقانون الإدارة المحلية، أن التوسع فى تمثيل المرأة فى الإدارة المحلية يعد خطوة على الطريق نحو تمكين محلى فاعل للنساء وحوزهن سلطات محلية فى عمليات صنع القرار المحلى، وتمتعهن بنفوذ محلى غير مسبوق، وإتاحة مشاركة النساء كقيادات إدارية، وناخبات أو نائبات محليات أو مسائلات عن أداء الخدمات المحلية، وتمثيلهن وليس استبعادهن من الفرص المحلية، بالتالى يوجد تطورات هامة تتعلق بتفعيل النماذج أو الصور الثلاث لمشاركة النساء والمواطنين كافة فى المجالس المحلية، هذا ما سيتأتى مع هيكل الفرصة السياسية التى تتيحها الانتخابات المحلية القادمة، فضلا عن فرصها فى تولى المناصب القيادية فى الوحدات المحلية، وتشير التجارب الدولية فى إطار اللامركزية إلى أن الحوكمة ذات علاقة ارتباط وثيق بتفعيل دور النوع الاجتماعى فى الإدارة المحلية.

وتنطلق الدراسة من إشكالية أساسية مفادها: أنه على الرغم مما تبذله الدولة من جهود، وما تتبعه من سياسات كان لها أثرها فى تحقيق المرأة لمكاسب اقتصادية واجتماعية وسياسية، إلا أن هناك مجموعة من التحديات التى تعوق اندماج المرأة بالكامل فى الحياة العامة، فلايزال دور المرأة وتوليها لوظائف قيادية بالدولة خاصة على المستوى المحلى محدودا. ومن ثم تحاول هذه الدراسة التعرف على وضع المرأة المصرية فى الإدارة المحلية سواء المنتخبة أو التنفيذية، والإطار العام المحدد لهذا الدور، والعوامل المؤثرة سلبا وايجابا فى تولى المرأة المصرية لوظائف قيادية على المستوى المحلى سواء بالتعيين أو الانتخاب، وجعلها نخب محلية.

وتحاول الدارسة الإجابة فى هذا الصدد الإجابة عن تساؤل رئيسى مؤداه: الى أى مدى تلبى اللامركزية تولى المرأة للوظائف القيادية المحلية سواء كانت تمثيلية أو تنفيذية؟ كما تحاول الدراسة الإجابة عن عدة أسئلة فرعية هى: ما هى طبيعة الجهود المبذولة لتعزيز دور المرأة على المستوى المحلى؟ وما هى آليات تحسين وضع المرأة فى القيادة المحلية فى مصر؟.

وتعتمد الدراسة هذه على استخدام نموذج النظم الذى يفتـــرض أن تتـــم عمليـــة وضـــع السياســـات بناء علـــى معالجة مســـائل أو ضغوطـــات معينة، والنموذج العقلاني الشامل من خلال استعراض مجموعـــة كاملـــة من الخيـــارات والتفضيلات التى يمكن تقـــديمها لصناع القرار بالاستناد إلى الأدلة والبراهين وعلـــى معرفـــة واضعـــيّ السياســـات لِمـــا يفضلـــه المواطنيـــن المستهدفين وهن النساء المصريات، ومن ثم اختيـــار الخيار الـــذي يوفر أقصى منفعة عامـــة للمرأة المصرية.

إن الحديث عن الحراك السياسى والإدارى للمرأة المصرية وصعود دورها محلياً، يقتصر على فرص تمثيلها فى الأجهزة التنفيذية والمجالس المحليةـ، والتحديات التى تواجهها، هذ دون تناول الأدور لأخرى كمتلقية أو مستهدفة بالخدمات المحلية، عليه تتطرق الدراسة إلى المحاور التالية:

-       اقتراب النخبة ودراسة وضع المرأة فى الإدارة المحلية: الجدوى والصلاحية المنهجية. 

-       السياسات العامة التوزيعية والتمكين المحلى للمرأة.

-       سياسات وجهود تمكين المرأة المصرية فى ضوء التنمية المستدامة.

-       الإدارة المحلية وتشكيل نخبة نسائية محلية.

أولاً- اقتراب النخبة ودراسة وضع المرأة فى الإدارة المحلية .. الجدوى والصلاحية المنهجية

تستأثر النخبة السياسية بالقوة السياسية وتتخذ القرارات الهامة التى تؤثر على حياة المجتمع، وأنها مجموعة الحكم والإدارة فى الدولة، وتتفق لها السيطرة ومن ضمن العوامل التى تشكل هذه النخبة هى؛ فعل الانتماء العائلى أو النوع أو تجسيد القيم الاجتماعية السائدة، مما يفسر أنماط التفاعل السياسى فى المجتمع، كما يمكن القول أن فى أى مجتمع يتسم توزيع القوة السياسية كغيرها من السلع الاجتماعية بعدم العدالة، وينقسم الأفراد أساسا إلى مجموعتين فقط: أولئك اللذين يحوزون القوة السياسية، وأولئك اللذين لا يملكون شيئا منها، ويفارض فى النخبة أن تكون متجانسة ومتحدة واعية فاعضاؤها يعرف بعضهم بعضا حق المعرفة ولهم قيم ومصالح وولاءات واحدة، وتتميز النخبة بخاصية الحفاظ على ذاتها، وتميل أن تكون مستقلة بمعنى أنها لا تسأل عن أفعالها أمام أى طرف آخرـ أنها وحدها تتولى حسم القضايا وحل المشكلات حسب مصالحها وتصوراتها. وتتمثل مجالات تكوين النخبة فى: تولى المناصب الهامة فى المجتمع، والمشاركة فى صنع القرار، والشهرة السياسية، ومن القنوات والمسالك التى يستخدمها الطامحون إلى القيادة فى الوصول إلى قمة الهرم السياسى الإدارة المحلية مما يهيأ فرصة أمام المرأة أن تكون ممثلة فى النخب السياسية فى الدولة، المحلية منها خاصة(1). 

وفى ضوء المحددين العائلى والقبلى فى تهيئة الفرصة لتشكيل النخب المحلية، يمكن القول أن ما زالت، فى المجتمعات العربية ومنها مصر، تلعب العائلة دوراً أساسياً متعدد الأبعاد، مما يسوغ اعتبارها وحدة سياسية علاوة على كونها مؤسسة اجتماعية، إلا أن مضامين هذا الدور سلبية على وجه العموم، فحيث يسود الشعور بالتوحد مع العائلة لدى الأفراد، مما يصعب زرع ثقافة مدنية على الصعيد القومى تشجع وتحفز من مشاركة المرأة، أو إقامة بنى سياسية حديثة وفعالة كالأحزاب السياسية أو منظمات المجتمع المدنى، حيث أن هذه البنى يتقاطع ويتداخل فى عضويتها وتنظيمها ونشاطاتها المكون العائلى، مما ينعكس سلبيا على وضع وتمثيل المرأة(2).

وفقاً للتفسير الخلدونى لظواهر السياسة والحكم فى الدول الإسلامية والعربية من منظور الصراع بين العصبيات، أى الجماعات القائمة على رابطة الدم أو النسب، وبرغم مضى وقت طويل وتعاقب فترات وحقب زمنية بين الحقبة التى كتب فيها "ابن خلدون" مقدمته الشهيرة، وبين الحقبة المعاصرة، لا تزال العائلة حاضرة بشدة فى الواقع السياسى العربى بوجه عام والمصرى بوجه خاص، بحيث يصعب فهمه بعيداً عن الصلات القرابية. صحيح إن الوطن العربى شهد، وما زال يشهد، تحديثا وتغيرا اجتماعيا، وقد مثلت ثورات الربيع العربى فرصة مؤاتية لاستعياب مفاهيم الانتماءات الأولية وتجاوزها، إلا أن النظام الاجتماعى، ما انفك يرتكز على القبيلة أو العائلة، مع لهذا من انعكاسات سياسية هامة من حيث التجنيد السياسى فى النخبة السياسية، خاصة بالنسبة للمرأة، بحيث يتوقف على الانتماء العائلى وعلاقات النسب والمصاهرة، والتنافس السياسى مع ما يرافقه من تحالفات أو انقسامات يرتبط باعتبارات القربى فى أحيان كثيرة كذلك تلعب العائلة دوراً هاماً فى عملية التربية المدنية والسياسية، إضافة إلى أن العائلة تتواجد بثقل من خلال تمثيلها فى الجهاز الإدارى تكوينا وأداء(3).

وفيما يتعلق باللامركزية وعلاقتها بتشكيل النخبة السياسية كما تشير أدبيات النظم المحلية فى الدول النامية أن من أهم الإشكاليات التى تواجهها المجالس المحلية والبلدية ما يتعلق بالسلوك الاجتماعى والسياسى للنخب المحلية الذى يجنح إلى ترسيخ الفساد، حيث يعكس وجود خلل فى العلاقات بين الفاعلين فى المجتمعات المحلية، ويكشف الخروقات التى تطال عمل المؤسسات ولسلوكيات الفاعلين وممارساتهم، وكيف تم استثار المؤسسات من قبل الفئات المحلية وتجعل منها استراتيجية يتم اعتمادها فى بناء التحالفات وإعادة انتاج الزعامات محلياً ووطنياً(4). هكذا المجالس المحلية والبلدية تعكس المفارقة بين خطاب النخب المحلية الذى يردد اعتبار هذه المجالس وسيلة لتحقيق التنمية المرجوة، وبين واقع المجتمعات المحلية التى تعانى من تردى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وسوء استغلال للموارد المحلية. هذا ناهيك عن إشكالية التنافس حول النفوذ السياسى، مما يدفع أفراد النخبة إلى توسيع شبكات التحالفات ويتجاوزون بذلك المجال الجغرافى المحلى ليتمكنوا من الحفاظ على موقعهم ضمن دائرة الفئات القيادية وصعودهم فى سلم الهرم الاجتماعى واختراق دوائر القرار محليا وقوميا فى تشكيل تراتبية داخل النظم المحلية نفسها ويقوى من أدوار الوساطة، ويجعل هذه النخب تغلب مصالحها الخاصة وعملها يظل ظرفياً يتحرك ضمن رهانات ومصالح لحظية، فهى تبدو أكثر فعالية فى فترات الحصد/ الجنى (فترة الانتخابات مثلا) ضمن علاقات الأسرة وعلاقات القبيلة وعلاقات المصالح تؤثر فى أوضاع الوحدات المحلية وهذا يشير إلى سلوك مركب(5).

وفى ضوء ذلك وتطبيقاً لما سبق، يمكن القول أن؛ خبرة المجالس المحلية المصرية السابقة فى ممارسة الاختصاصات وتلبية الاحتياجات الأساسية وإنفاذها للمواطنين فى المستويات المحلية واجهت عدة إشكاليات تسببت فى إعاقة عملها، من أهمها تأثير العصبية القبلية أو العائلية الذى انعكس على المجالس المحلية والتى برغم أن تشكيلها يأتى عن طريق الترشح والانتخاب المباشر إلا أن واقعها عكس تشابه فى شكلها وأدائها مع مكونات المجتمعات المحلية خاصة التى تقوم على الروابط والتوازنات القبلية الأولية ووجود مصلحة مشتركة تجمع أفراد القبيلة أو العائلة وتوليها جميع نواحى الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية محليا، ظهر ذلك فى سير ونتائج عمليات الانتخابات السابقة(6). وكذلك فى عمليات صنع واتخاذ القرارات المحلية فى المجالس المحلية فى إطار دوافع المصالح المشتركة للمكونات المجتمعية للوحدة المحلية(7).

ثانياً- السياسات العامة التوزيعية والتمكين المحلى للمرأة

إن النظام السياسي يعمل من خلال مجموعة من المؤسسات الرسمية، التشريعية والتنفيذية والقضائية، حيث تعكس العلاقة بين تلك المؤسسات الكيفية التي يقوم بها النظام السياسي في أداءه وظائفه وصنع سياساته العامة، والسياسات العامة تعد نشاط مؤسسى تباشره المؤسسات الحكومية، ويمكن اعتبارها كذلك كتفضيل نخبوى، وتمثل أيضا مخرج أو استجابة النظام السياسى للمدخلات والضغوط والمؤشرات الصادرة إليه من البيئة، والسياسة العامة في أنجح معانيها تتسم بالرشد. وتعبر السياسة العامة عن استجابات النظام السياسى لضغوط وظروف البيئة المحيطة، وفى أحدى معانيها تعد خياراتها ترجمة لتفضيلات السلطة التنفيذية وليس لمطالب المواطنين، وهذا ينعكس على محتوى السياسة العامة التى تتبناها هذه السلطة الحاكمة. يتطابق ذلك مع ما ذهب إليه توماس داى   Thomas DYEمن أن السياسة العامة تشير إلى ما تختار الحكومات القيام أو الإمتناع عن القيام به(8). أى قد يكون جوهر السياسة العامة هو التصدى للمشكلة أو الموقف موضع الاهتمام، أو تجاهلها، وتختلف درجة اشتراك المؤسسات السياسية في رسم السياسة العامة التى تخاطب جهة أو طرف ما من نظام إلى آخر(9).

وفيما يتعلق بسياسات التوزيع وإعادة التوزيع، فتثير السياسة التوزيعية التساؤل حول ماذا يوزع؟ وبأى كمية وكيف يوزع؟ ومن المستفيد؟، وينصرف الأداء التوزيعى للنظام السياسى إلى تخصيص الثروة والسلع والخدمات والفرص الوظيفية والتعليمية على الأفراد والجماعات المكونة للمجتمع ويمكن قياسها عن طريق تقدير كمية القيمة الموزعة وحجم المستفيدين منها(10).

كما أن التقدير السليم للآثار الحقيقية للسياسة العامة ومن خلال تقييم السياسة العامة، من خلال(11):

1.      أثر السياسة على الموقف أو الجماعة المستهدفة (ذلك الجزء من السكان اللذين وضعت السياسة من أجلهم).

2.      تحديد الأثر المرغوب للسياسة.

3.      تقدير أثر السياسة على الجماعة المستهدفة بالنسبة للاحتياج الكلى، بالإضافة إلى قياس آثارها الجانبية المحتملة.

وإن كان التقييم يواجه مشكلات على نحو تحديد أهداف السياسة والجماعات المستهدفة والآثار المرغوبة، والتقييم عن طريق المؤشرات الاجتماعية(12).

عليه، يصعب تحييد فهم علاقات القوة بين الجنسين فى التأثير على بناء الثقة الاجتماعية والسياسية، حيث بقدر ما تتحقق المساواة بين الجنسين، بقدر ما تتشكل وتنعكس الثقة السياسية للنساء فى الدولة ومؤسساتها وقيادتها(13).

وحسب مفهوم الأمم المتحدة "إن عملية تقييم الآثار المترتبة علي النساء او الرجال في جميع المجالات وعلى جميع المستويات بما في ذلك التشريعات أو السياسات أو البرامج. إنها استراتيجية لمراعاة وضع المرأة كجزء لا يتجزأ من عملية تصميم وتنفيذ ورصد وتقييم السياسات والبرامج في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بحيث تستفيد المرأة والرجل بالتساوي حيث أن الهدف النهائي هو تحقيق "المساواة بين الجنسين"(14).

بينما تتمثل مستويات مراعاة المنظور النوعي في السياسات العامة كما يلى(15): إن مراعاة جميع المؤسسات للمنظور النوعي يعتبر عاملاً هاماً في إنجاح ما تقوم به تلك المؤسسات، وتأكيدا لدورها كمشارك فعال ومؤثر في عملية صنع وإتخاذ القرار وحتي تكون التنمية مستدامة.

ومن ثم تشير سياسات التمكين إجمالا إلى تغيير هياكل القوة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيش فيها الأفراد بما يتضمنه ذلك من ضرورة توافر ثقة الفرد بنفسه وبقدراته وإمكاناته ومن ثم استعداده النفسي للاختيار بين البدائل المختلفة فالتمكين ارتقاء بقدرات الأفراد والجماعات في التعامل مع والتأثير في المؤسسات التي تدير شئون حياتهم. و يرى الكثير من الباحثين في هذا السياق أن تمكين المرأة يتطلب تحولاً منتظماً في كافة مؤسسات الدولة ولا سيما تلك التى تقوم على أسس ذكورية(16).

وقد أصبحت عبارة "تمكين النساء"، ضمن خطابات المساعدة والتنمية، شعارا  يرمز إلى الفضيلة، ولكن بلورة هذا الهدف أو بعض متغيّراته، تفرق بين البرامج/المشاريع الليبرالية والأخرى التقدميّة أو الـنسوية"، بالمعنى الواسع للنسوية. أذ تكثر الأمثلة على مدى انتشار شعار "تمكين النساء" وخوائه في آن واحد، ضمن مجموعة واسعة من السياقات، ونفاق خطاب تمكين المرأة في ظل الأثر العكسي الذي تخلّفه السياسات الاقتصادية للشمال على نساء الجنوب(17).

ونادرا ما توصف السلطة ضمن خطابات التمكين كملكيّة إقصائيّة، أو كقدرة تفتقر إلى الأخلاق. في المقابل، تصور على أنّها مطلوبة/مرغوبة، كما يتم تجاهل الدور الإقصائي الذي تلعبه عندما تمارس بشكلها المفرط: فالجميع يتمتّع بالقدرة على امتلاك السلطة في آن واحد، بينما يحتاج البعض إلى المساعدة من أجل استرجاع سلطتهم/ن، وبالتالي، يجب بذل الجهود في سبيل "التمكين." يبتعد هذا الطرح عن المنطق، لا سيما أن مسألة القدرة هي مسألة نسبية ومتفاوتة.

أن نزعم أن النساء والفتيات بحاجة إلى التمكين، يعني أن التحديّات التي يواجهنها هي تحدّيات فرديّة معزولة عن البنى الاجتماعية، في المقابل، يتم تأطير مبادرات "تمكين النساء" على أنّها أعمال خيرية، في حين أنّه يمكن اعتبارها شكلأ من أشكال التعويض.  كما أن النساء يحتجن إلى تشجيع منّظم وجهود براقة وتدخلات، ليصبحن "متمكنّات". فحاجات النساء في عالم الجنوب ليست غامضة أو "متخصصة". لأنّها لا تنتج عن انحرافات أو ميّزات معيّنة. فالنساء تحتجن إلى العدالة الاقتصادية والصحيّة بصفتهن عوامل مجسدة ومعرضة لقيود اقتصاد عالمي قاس، شأنهن شأن الجميع. حيث أن برنامج التمكين الذي يفشل في اعتبار هذه الحاجات أولويّة، سيخذل بالضرورة النساء اللواتي يدّعي خدمتهن. وهذا إخفاق في سياسات التمكين. بينما، ستواصل برامج "تمكين النساء،" الرافعة لشعار الفضيلة ترويجها لمصالح عالم الشمال الاقتصادية ذاتها، والتي ما تزال تضعف النساء في عالم الجنوب(18).

وتعد المرأة المصرية محورا هاما من محاور التنمية وشريك فاعل في مسيرتها ، على أن مشاركة المرأة فى هذا الأمر يتوقف علي ما يكفله لها المجتمع من حقوق وما يتيحه لها من فرص المشاركة في جهود التنمية والتحديث والتطوير والإصلاح . وتعيش المرأة المصرية الآن عصراً يتيح لها المزيد من الانطلاق في خدمة مجتمعها ويكفل لها حقوق التعلم والعمل والمشاركة ويحث علي تواجدها الإيجابي فى مختلف ساحات العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وقد تحقق لها في غضون سنوات قليلة مكاسب طالما نادت بها عبر سنوات طوال في العديد من القضايا المحورية ومنها التعليم والصحة والتشريعات وتولي المناصب القيادية والتمكين الاقتصادي والسياسى. وتجدر الإشارة الى أن مصر صدقت علي المعاهدات والاتفاقيات الدولية الرامية لتعزيز مساهمة المرأة في الحياة العامة والسياسية، كما شاركت فى العديد من المؤتمرات الخاصة بذلك، وتوجت الجهود المبذولة في سبيل النهوض بالمرأة بإنشاءالمجلس القومي للمرأة فى عام  2000 والذى جاء معبراً عن رقيها وتطورها ومسايرتها للتوجهات الحضارية والعصرية وذلك للعمل على تمكين المرأة علي كافة المستويات(19).

وبالرغم من أن الخطاب الرسمى رغم اهتمامه بالمرأة، إلا أنه لا يدعو إلى تغيير علاقات القوة بين الجنسين، أو تأصيل قسمة المساواة، بل بشكل عام يمكن اعتباره خطابا أقرب للتكريم أو التقدير للمرأة عن قيامها بأدوارها التقليدية والنمطية المتعارف عليها مجتمعيا، فهى المرأة التى تحافظ على ترشيد الاستهلاك، وهى المرأة التى تحسن تربية النشء والشباب، وهى المرأة التى تحمى مصر بالإدلاء بصوتها لمصلحة مسار سياسى يحمى البلاد من الإرهاب(20). 

هكذا فإن تأصيل المساواة وتكافؤ الفرص بين الجنسين يمثل آلية أساسية لبناء الثقة السياسية للمواطنين من الجنسين، فى ظل إعلاء سيادة القانون فى إدارة علاقات الحياة السياسية، وممارسة الجميع حقوق وواجبات المواطنة، والمشاركة فى صنع القرار السياسى على الصعيدين القومى والمحلى، مما مكن الدولة ونخبتها من الإلمام بتفضيلات المواطنين كافة، وخياراتهم السياسية، وتستطيع جنى ثقة مواطنيها، وتنمى معدلات المشاركة والتفاؤل بالمستقبل.

ويعتبر التوجه نحو اللامركزية فى أجندة سياسات الإصلاح الحكومى أكثرها انفتاحا نحو المشاركة النشطة للنساء سواء كمنتخبات فى المجالس المحلية أو مسئولات فى الهيئات أو المكاتب التنفيذية، أو مواطنات مستهدفات بالخدمات الحكومية المحلية. ومن المتوقع أن تفيد سياسات التوجه نحو اللامركزية النساء بوجه عام، والمجموعات الأخرى من ذوى الدخل المنخفض وغيرها من المجموعات المهمشة والمحرومة اجتماعيا حيث يمكن توجيه الموارد المتاحة للحكومة المحلية بشكل أفضل بما يحقق مطالب تلك الفئات، كما توفر آليات المساءلة المكفولة بالقانون لهذه الفئات تحميل الحكومة المحلية تبعات قراراتهم غير المستجيبة لمطالبهموتعتبر الحكومة المحلية ساحة مهمة لتدريب النساء سياسيا(21).

ثالثاً- سياسات وجهود تمكين المرأة المصرية فى ضوء التنمية المستدامة

إن المجتمـع المصـري قـد شـهد تغيـرات سياسـية مختلفـة خـلال السـنوات الأخيـرة، بدايـة مـن ثـورة ينـاير  2011، ومن بعدها ثورة30 يونيو   2013 أثرت على فئـات مختلفـة من المواطنين تـأتي المـرأة فـي مقـدمتها. وفى إطار عمل الأمم المتحدة للمساعدة الإنمائية 2013-2017، وقعت الأمم المتحدة وحكومة مصر على اتفاقية شراكة، إطار شراكة الأمم المتحدة للتنمية (UNPDF) الذي يغطي خمس سنوات 2018-2022. وتمت صياغة هذه الوثيقة من خلال عملية تشاورية موسعة حتى تتماشى بشكل مباشر مع الإستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة: رؤية مصر 2030 (SDS)، والتي تتوافق أيضًا مع الأجندة العالمية 2030 للتنمية المستدامة وأهدافها ال17(SDGs). ومن هذه الأهداف العالمية ما يرمي إلى تحقيق تمكين المرأة والمساواة بين الجنسين. وتدعو الأهداف العالمية للتنمية المستدامة إلى اتباع نهج يتعامل مع المجتع ككل من خلال مشاركة جميع فصائله في تنفيذه هذه الأهداف مع تحمل الجميع للمساءلة عن تنفيذها(22).

يذكر أن ما تمثـله اسـراتيجية التنميـة المسـتدامة "رؤية 2030" هو إعادة النظر فى الرؤيـة التنمويـة للدولة لمواكبـة التطـورات العالمية وتتوافق مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (2015 – 2030) وأجندة أفريقيا 2063، وتراعـى الاسـراتيجية مبـدأ تكافـؤ الفـرص وسـد الفجـوات التنمويـة والاسـتخدام الأمثـل للمـوارد ودعـم عدالـة اسـتخدامها، مما جعل الرؤية الاستراتيجية هذه تتضمـن أهدافـاً شـاملة لكافـة مرتكـزات وقطاعـات الدولـة المصريـة(23).

كما أن برنامج عمل الحكومة الحاليةة، والذى يمتد إلى 21/ 2022، ويعرف ببرنامج "مصر تنطلق"، والذى يرتكز على التوجيهات الواردة بخطاب التكليف الرئاسى يونيو 2018 ومبنى على الإتساق مع "رؤية 2030" للتنمية المستدامة، ويأتى فى إطار برنامج الحكومة للإصلاح الاقتصادى والاجتماعى الراهن؛ تناول البرنامج الرئيسى السادس منه: عدم التمييز النوعى، ضمن الهدف الاستراتيجى الخامس(24): تحسين مستوى معيشة المواطن المصرى، تنفيذ عدد من الأنشطة التى تراعى وتستهدف المرأة، واشتمل على: والتمكين السياسى والإدارى.

ووضع المجلــس القومــي للمــرأة عــى اســتراتيجية قوميـة لتنميـة وتمكـين المـرأة المصريـة، تحمـل عنـوان "اسـتراتيجية تمكـين المـرأة المصرية:2030 نحـو وطـن خـالي مـن التمييـز وعـدم المسـاواة،" تهـدف إلى تعزيـز وضـع ودور المــرأة المصريــة في المجتمــع مــن خــلال وضــع سياســات وبرامــج تنمويــة عــى المسـتوى المركـزي واللامركـزي بمـا يتوافـق مـع أجنـدة التنميـة المسـتدامة 2030. حيث يعد المجلس القومي للمرأة هو الآلية الوطنية المعنية بتمكين المرأة المصرية، وسعي إلى وضع استراتيجية وطنية تسهم في تحقيق التنمية الشاملة وتمكين المرأة، في ضوء الدستور المصري بعد أن أسس لبناء اجتماعي قوي تحصل المرأة فيه على حقوقها دون تمييز، ويفسح المجال للتمكين السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمرأة المصرية(25).

وتتسق الاستراتيجية بشكل كامل مع روح وتوجهات “رؤية مصر 2030” واستراتيجيتها للتنمية المستدامة، وتتكامل مع محاور عملها التي تسعى إلى بناء مجتمع عادل يتميز بالمساواة في الحقوق والفرص، ويحقق أعلى درجات التماسك والتكاتف والاندماج بين أبنائه وبناته، كما تتسق مع أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 التي تبنتها دول العالم كمنهاج تنموى متكامل. وصدرت الاستراتيجية في مستهل عام 2017 والذي أعلنه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي عاماً للمرأة المصرية، ويمتد الأفق الزمني لتنفيذها حتى عام 2030. وتشمل الاستراتيجية على أربعة محاور عمل متكاملة وهي التمكين السياسي وتعزيز الأدوار القيادية للمرأة، والتمكين الاقتصادي، والتمكين الاجتماعي، والحماية، فضلاً عن العمل الجاد على تغيير ثقافة المجتمع نحو المرأة، وتعزيز سبل حصولها على حقوقها القانونية. وتحدد الاستراتيجية مجموعة من التدخلات المفصلية التي من شأنها، إذا تضافرت الجهود من أجل نجاحها، أن تحدث النقلة النوعية المطلوبة لتحقيق الانطلاقة الكبرى التي يصبو إليها كل مصري ومصرية.

وكما أن الهدف الخامس من أهداف التنمية المستدامة 2030 يهدف إلى تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات والقضاء على كافة أشكال التمييز، اهتمت أجهزة الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة في مؤتمراتها ودراساتها، بالتأكيد على تكافؤ الفرص بين النساء والرجال، وطالبت بإنشاء آليات في المؤسسات الرسمية بكل دولة من الدول الأعضاء تعني بتحقيق تكافؤ الفرص في كافة المجالات بما يسمن تحقيق إدماج النوع الاجتماعي في خطة الدولة، وتمكين المرأة والقضاء على الفجوات النوعية وقد تبني المجلس القومي للمرأة فكرة ضرورة وجود بناء مؤسسي علي مستوي الوزارات، لتحقيق أهداف تنمية المرأة والنهوض بها، وممارسة حقها الدستوري في المساواة والتصدي لأي ممارسات تمييزية تتعرض لها المرأة في مجال العمل، والوقوف علي المعوقات التي تواجهها من خلال “وحدات تكافوؤ الفرص علي مستوي الوزارات”. وقد قام المجلس القومي للمرأة بالعمل على إنشاء وحدات تكافؤ الفرص بالوزارات، وقد وصل عددها اإلى  32وحدة منها 29 بالوزارات و3 وحدات بالجهاز الاإداري للدولة، وقد قامت هذه الوحدات بوضع آليات عمل، لتوعية المرأة بدورها في المجتمع ورفع قدراتها العملية منها: الندوات الخاصة بالتوعية بحقها في مباشرة حقوقها السياسية “الترشيح-الانتخاب"(26).

وحققت مصر تقدماً ملحوظاً فى مجال تمكين المصرية المصرية، ولا تزال الجهود تتواصل، وذلك من خلال تطبيق نظم للحد من الفقر ونماذج العنف بكافة أشكاله وشمول كافة الفئات دون إقصاء أحد(27).

رابعاً- الإدارة المحلية وتشكيل نخبة نسائية محلية

إن الإدارة المحلية فى مصر تتضمن ١٨٨ مركز، و٢٢٧ مدينة، و٩١  حى، و١٣٣٠ وحدة قروية، و ٢٣٨٠ قرية تابعة، مما يؤكد أن الإدارة المحلية فى مصر ترتبط بسياسات القرب وجميع الخدمات، مما تهيأ افرصة لخلق وتجنيد "نخب محلية"، وتتمثل أهمية زيادة مشاركة المرأة فى الإدارة المحلية، من حيث أن ممارسة المشاركة المحلية ترسخ من مبادئ الديمقراطية والمواطنة محليا بغض النظر عن الأسس الطبقية أو الأثنية أو القبلية والعائلية أو النوع الاجتماعى، وخاصة عند تمثيل جميع الفئات التى كانت مستبعدة (المرأة والشباب والمسيحيين والأشخاص ذوى الإعاقة). أيضا تؤدى المشاركة فى المجالس المحلية إلى تأهيل كوادر سياسية محلية، وتبدو الضرورة لوجود هذه الكوادر المدربة والمؤهلة لتعمل بفاعلية ووعى ناقد فى شئون مجتمعاتها المحلية وتساهم فى تحديد وتلبية الاحتياجات المجتمعية للمواطنين فى الوحدات المحلية، وبالتالى تزداد قدرتها على المشاركة والتأثير والتعامل مع تعقد السياسات لتقوية المجالس المحلية، وهذا ما توفره التربية المدنية(28).

إن نماذج أو صور مشاركة النساء فى العمل المحلى، هى: مشاركتهن كناخبات أو نائبات محليات أو مسائلات عن أداء الخدمات المحلية، أو بمعنى آخر المشاركة فى الانتخابات المحلية والتمثيل فى المجالس المحلية المنتخبة وممارسة المساءلة الاجتماعية، فضلا عن تولى المناصب القيادية المحلية. أى أن المشاركة المحلية بصورها الثلاث تعد حق وعملية فى آن معا وتجعل المرأة فاعل محلى وجميعها منظمة تشريعيا، كما أن التوسع فى دستور 2014 فى أدوات الرقابة للمجالس المحلية وتمثيل فئات كانت مستبعدة من الترشيح والمشاركة يعد خطوة هامة نحو تمكين محلى(29).

ويتلاحظ أن طبيعة العلاقة بين الأحهزة التنفيذية والمجالس المحلية يعد محددا هاما لمدى تفعيل المشاركة المحلية، حيث عانت المجالس المحلية فى مصر قبل حلها فى العام 2011 من انتقاص صلاحياتها وضعف دورها فى استخدام أدواتها الرقابية، كما أن يوجد عدم تمثيل للمرأة بصورة ملائمة. كما لا يوجد أى نوع من اللامركزية المالية إلا فى برامج محدودة هى برامج التنمية المحلية، وهى خمسة برامج فقط داخل المحافظات أو ما تعرف بالديوان العام، من ضمنها(30): قطاع الخدمات (الخدمات الصحية وتنمية المرأة والطفل).

ويلاحظ أيضاً من جميع أنشطة دعم اللامركزية هذه، أنه لا توجد برامج تواجه الأطر المحلية التى تعوق مشاركة المرأة، بل أنها جهود تفتقد بُعد الاستدامة، وتقتصر فقط على أنشطة تعزيز مشاركة المرأة ودعم المترشحات المحتملات فى المجالس المحلية. هذا وبالرغم من الصلة ما بين اللامركزية وتمكين النوع الاجتماعى فى الإدارة المحلية، إلا أن الممارسات الواقعية تحمل تحيزات ثقافية وسياسية، وترسخ من التفاوتات الاقتصادية والمعوقات الإدارية(31).

جدير بالذكر إلى أنه عقب ثورة 25 يناير 2011 حكمت "محكمة القضاء الإدارى" فى 28 يونيه 2011 بوقف تنفيذ قرار مجلس الوزراء السلبى بالامتناع عن حل المجالس الشعبية المحلية القائمة فى كافة وحدات الإدارة المحلية على مستوى الجمهورية، وذلك لأن القضاء الإدارى كان قد أصدر سابقا العديد من الأحكام ببطلان انتخابات المجالس الشعبية المحلية ولكن الجهة الإدارية امتنعت عن التنفيذ(32)، وهذا الحكم فيه إلزام للمجلس العسكرى ومجلس الوزراء بإصدار قرار بحل تلك المجالس(33). وقد أصدر "المجلس العسكرى" المرسوم بقانون رقم (116) لسنة 2011 فى نوفمبر 2011 لحل المجالس الشعبية المحلية وتشكيل مجالس مؤقتة. وخلال تلك الفترات الانتقالية وما بعدها وفى ظل عدم وجود مجالس محلية برزت أهمية هذه المجالس لدورها فى تفعيل اللامركزية وتحقيق كلا من الديمقراطيتين التمثيلية والتشاركية، خاصة للمرأة(34).

وتشير التجارب الدولية فى إطار اللامركزية إلى أن الحوكمة ذات علاقة ارتباط وثيق بتفعيل دور النوع الاجتماعى فى الإدارة المحلية(35)، إلا أنه يلاحظ من جميع أنشطة دعم اللامركزية فى مصر، أنه لا توجد برامج تواجه الأطر المحلية التى تعوق مشاركة المرأة، بل أنها جهود تفتقد بعد الاستدامة. وتتجه مصر وفق الدستور الحالى إلى إلى تخصيص المقاعد واشتراط التمثيل المناسب للفئات الاجتماعية، فى ظل ذلك أصبح هناك حصة أو كوتا بمعنى مقاعد محجوزة لصالح مجموعة أو فئة(36)، لذا يجب مراعاة المنظور النوعى ووضع سياسات لمواجهة مشكلات القروق التى يغذيها المجتمع بين الرجل والمرأة(37). ومراعاة وتعميم المنظور النوعى وانخراط المرأة والرجل فى السياسات والبرامج وتقليل الفجوة فى فرص التنتمية والعمل على تحقيق المساواة كهدف، وهذا ما قد يتحقق فى المجالس المحلية المقبلة(38).

شهدت الإدارة المحلية بتنظيميها أو وجهيها تطورات دستورية غير مسبوقة أبرزها ما يتعلق بتدعيم التحول التدريجى نحو اللامركزية المالية والإدارية والاقتصادية، وتخصيص/ أو حجز مقاعد للفئات التى كانت مهمشة أو لم تحظى بتمثيل مناسب فى السابق، وهذه التطورات من شأنها أن تؤدى إلى تمكين المواطنين من مجموعات هذه الفئات فى التمثيل المحلى، ويعد ذلك فى حال تحققه نقطة تحول جوهرية فى كيفية تشكيل المجالس المحلية المقبلة بصورة تتخطى طريقة التسكين لأعضاء هذه المجالس التى كانت تحدث فى السابق، وذلك فى سبيل مجالس محلية فعالة تشرك النساء.

وشمل الدستور عدة مواد داعمة للمشاركة والترشح للانتخابات المحلية القادمة حيث تم تخصيص نسبة محددة من المقاعد للمرأة والشباب والعمال والفلاحين مع التمثيل المناسب للمسيحيين وذوى الإعاقة، كما أوردت أوردت هذه المادة (180)، حيث؛ إتاحت التمكين السياسى للمرأة والشباب من الجنسين حينما خفض وحدد الدستور سن الترشح فى ألا يقل عن (21) سنة ميلادية، وحصر وظائف المجاس المحلية فى المتابعة والمراقبة مع تمكينها من أدوات رقابية وضمانات أعضائها واستقلالها وتعبئة الموارد المالية وجلب مصادر التمويل المحلى حتى تستطع القيام بدورها المحلى.

هكذا تمثل المجالس المحلية المقبلة باعتبارها مدرسة العمل السياسى وفى ارتباطها بالتنمية السياسية وفى ظل التطورات الدستورية للإدارة المحلية؛ زيادة فرص تمكين المواطنين سياسيا وتهيئة القدرة للأفراد الممثلين لفئات المجتمع على ممارسة التأثير فى التفاعلات داخل المجتمعات المحلية، بشرط أن يأتى الترشيح وتجرى عمليات الانتخابات ضمن أطر تنافسية حقيقية أفضل مما شاهدته انتخابات مجلس النواب الأخيرة، حتى لا يصبح تشكيل المجالس المحلية المقبلة مجرد تسكين للفئات وليس تمكين حقيقى وفعال.

ويقوم المعهد القومى للإدارة، الذراع التدريبي لوزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري، بتنفيذ اختبارات برنامج تأهيل القيادات النسائية، بالجهاز الإداري للدولة، وذلك في إطار الإلتزام بتمكين المرأة، والتأكيد على حقوقها ودورها الحيوى فى تنمية المجتمع، وبناء قدرات المرأة وسعيا لزيادة حصة تمثيلها في المناصب التنفيذية القيادية(39).

كما أن هدف حركة التغييرات والتعيينات بالإدارة المحلية في المحافظات، هو دفع عجلة التنمية، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين للحصول على رضا المواطن في جميع المحافطات، وتبحث دائمًا عن العناصر المتميزة لدفعها إلى مواقع المسئولية. والدفع بالشباب في المناصب القيادية، وأيضا القيادات النسائية للعمل التنفيذى. ويذكر من ضمن البرامج التدريبية تى تعقدها وزارة التنمية المحلية بمركـز التنميـة المحليـة بسقارة، برنامج خاص بالنساء، هو: تنمية المهارات الإدارية والقيادية النسائية، كما أن وزارة التنمية المحلية انشئت وحدة "تكافؤ فرص" وهى إدارة مختصة لتمكين ودعم المرأة، وحد من تضارب المصالح(40).

أما عن أبرز معوقات تمثيل وتمكين المرأة فى الإدارة المحلية، فيمكن القول أن: بالرغم من أن الدستور قد حدد الفئات التى لها حق الترشح فى الانتخابات المحلية، وتتجه الدولة لزيادة تمثيل المرأة فى المناصب القيادية المحلية، وحيث يعتبر هذا فرصة لتعزيز مشاركة فئات بعينها لطالما كان يتم استبعادها من المشاركة، لكن سيظل هذا مقرونا بتغيير قانون الإدارة المحلية ليؤكد على تعزيز مشاركة النساء، وتفعيل المواد الداعمة لمشاركة وتمثيل المرأة فى الانتخابات المحلية المقبلة بشكل نزيه وحر وعادل، ويعالج إشكاليات ومعوقات خوض تجربة الانتخابات المحلية للفئات المذكورة فى الدستور ومن ضمنها المرأة، كما يجب مراعاتها فى تصميم البرامج التدريبية لتأهيل الكوادر المحلية، وهذه المعوقات ترتبط بالسياق العام ومستوى الثقافة السياسية وانعكاسهما على تحديد شكل الممارسة السياسية على المستوى المحلى، حيث أن:

1.      قد عانت المجالس المحلية فى مصر قبل حلها فى العام 2011 من انتقاص صلاحياتها وضعف دورها فى استخدام أدواتها الرقابية، وكانت فى كثير من الأحيان لا تعبر عن احتياجات المواطنين وإنما تعنى بمصالح من يحوز القوة السياسية (السلطة والنفوذ) المحلية، كما افتقدت فى عملها لمفاهيم الحوكمة والشفافية(41).

2.      كذلك اعتبارات ثقافة المجتمع والارتباطات العصبية والانتماءات الأولية (القبلية والعائلية)(42).

3.      قلة تمويل الحملات الانتخابية لدى بعض الأحزاب السياسية ذات المستوى الاقتصادى المتوسط أو المنخفض تشكل عائقا أمام مشاركاتهم ودعم المترشحات النساء(43).

فى ضوء ذلك تبقى الإدارة المحلية حلا لإستيعاب وتمثيل المرأة فى النخب المحلية فى مصر وضمان مشاركتها ويتوقف هذا على تغيير قانون الإدارة المحلية ليؤكد على المشاركة والتمثيل المحليين، وتحديد موعد إجراء الانتخابات المحلية، ومن الأهمية التوسع فى برامج التربية المدنية لتأهيل الكوادر المحلية وذلك لرفع كفاءة العمل المحلى المقبل فى ظل توقعات لزيادة غير مسبوقة لتمثيل فئات جديدة ستحظى بفرص المشاركة فى الانتخابات المحلية القادمة لأول مرة.

مراجع الدراسة

1.       كمال المنوفى، أصول النظم السياسية المقارنة، (الكويت: شركة الربيعان للنشر والتوزيع، ط1، 1987)، ص ص 73-81.

2.       كمال المنوفى، العائلة والسياسة فى الوطن العربى، الفكر الاستراتيجى العربى، العددان 8 و9، (لبنان: معهد الإنماء العربى، أكتوبر 1983)، ص 197.

3.       كمال المنوفى، العائلة والسياسة فى الوطن العربى، ص 181.

4.       شفيق عبد الغنى، النخب المحلية والعلاقات الزبونية: دراسة فى بعض آليات إعادة إنتاج النفوذ بالمجال القروى المغربى، إضافات، العدد 35، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، صيف 2016)، ص ص 141–142.

5.       المرجع السابق نفسه، ص ص 144-149.

6.       محمد العجاتى (وآخرون)، المشاركة المجتمعية عبر المجالس المحلية فى مصر، (القاهرة: منتدى البدائل العربى ومؤسسة الحكومة المحلية بالدنمارك والمعهد الدنماركى المصرى للحوار، 2011)، ص ص 23-27.

7.       محمد العجاتى، تمكين المجالس المحلية بعد الثورات العربية، فى: أيمن عبد المعطى (مراجعة)، المجالس المحلية وتمكين المشاركة المجتمعية: نماذج عربية، (القاهرة: منتدى البدائل العربى للدراسات والمعهد السويدى بالإسكندرية، أعمال ورشة بيروت فى الفترة من 25 إلى 28 يوليو 2015، د.ت)، ص ص 7-11.

8.       كمال المنوفى، أصول النظم السياسية المقارنة، (الكويت: شركة الربيعان للنشر والتوزيع، ط1، 1987)، ص 283.

9.       المرجع السابق نفسه، ص ص 292-293.

10.   المرجع السابق، ص ص 303-304.

11.   نفسه، ص 311.

12.   نفسه، ص 313.

13.   نيفين عبيد، النساء والثقة السياسية فى مصر، مجلة الديمقراطية، العدد 71، يوليو 2018، ص 90.

14.   انظر:

http://www.un.org/womenwatch/osagi/pdf/e65237.pdf

15.   أنظر:

 Ruth Lister. (2009).” A Nordic Nirvana? Gender, Citizenship, and Social Justice in the Nordic Welfare States”. Social Politics,

Vol. 16, Issue 2, pp. 242-278.

16.   ريتو شارما، مدخل إلى المدافعة ، ترجمة المعهد الديمقراطي الوطني للشئون الدولية، لبنان، الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، مكتب شمال أفريقيا، 2002، ص ص 12-14

17.   آريان شاهفيسي، "تمكين النساء"، الإمبرياليّة، وقاعدة ك ّم الأفواه العالمية، كحل: مجلّة لأبحاث الجسد والجندر، مجلّد4، عدد2، شتاء 2018، ص ص 188 – 189.

18.   نفسه، ص 196.

19.   صالح عبد الرحمن أحمد ، المرأة والمحليات فى مصر: دراسة استكشافية فى ضوء الوضع فى العالم، مركز شركاء التنمية، 2008، ص ص 2-3.

20.   نيفين عبيد، مرجع سابق، ص 94.

21.   انظر:

Sylvia Bergh, "Democratic decentralization and local participation: A review of recent
research", Development in Practice, Volume 14, Number 6, November 2004, p 1.

22.   الأمم المتحدة فى مصر، مركز الأمم المتحدة للإعلام بالقاهرة، في الرابط التالى:

http://www.unic-eg.org/?page_id=12178

23.      مصر 2030، ص 2، فى الرابط الآتي:

http://www.sdsegypt2030.com/ sds2030_summary_arabic.pdf

24.   رئاسة مجلس الوزراء - بيان الحكومة الذى ألقاه رئيس مجلس الوزراء أمام مجلس النواب، 3 يوليو 2018، فى الرابط التالى:

http://www.cabinet.gov.eg/Arabic/MediaCenter/CabinetNews/Pages/gov.aspx

25.   الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030، المجلس القومى للمرأة، في الرابط التالى:

http://ncw.gov.eg/wp-content/uploads/2018/02/2017-04-23-strategy-2030.pdf

26.   الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030: الرؤية ومحاور العمل، المجلس القومى للمرأة، في الرابط التالى:

http://ncw.gov.eg/ar/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%83%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A3%D8%A9-%D8%A7/

27.   مصر: عدالة النوع الاجتماعى والقانون، برنامج الأمم المتحدة الانمائى، 2018، ص ص 10 – 13.

28.   شيماء الشرقاوى، المحليات والمجتمع المدنى فى مصر كطريق لإشراك الفئات الأكثر ضعفا، فى: أيمن عبد المعطى (مراجعة)، المجالس المحلية وتمكين المشاركة المجتمعية: نماذج عربية، (القاهرة: منتدى البدائل العربى للدراسات والمعهد السويدى بالإسكندرية، أعمال ورشة بيروت فى الفترة من 25 إلى 28 يوليو 2015، د.ت)، ص ص 138-139.

29.   محمد عبد الهادى، انعكاس الحوكمة على مشاركة المواطنين فى المحليات، مجلة الديمقراطية، العدد 65، (القاهرة: يناير 2017)، ص ص 121-123.

30.   سمير عبد الوهاب، دور الإدارة المحلية فى التنمية المحلية المستدامة فى ضوء الخبرات الدولية، أحوال مصرية، العدد 61، (القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، صيف 2016)، ص ص 27- 28.

31.   كريستن سامبل، نحو حوكمة أكثر فاعلية: كيف تكون اللامركزية مفيدة للمرأة، قضايا برلمانية، العدد 55، (القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ديسمبر 2016)، ص ص 23-24.

32.   المركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، القضاء الإدارى يحكم بحل المجالس المحلية، (القاهرة: 28/ 6/ 2011)، فى الرابط التالى:

http://ecesr.org/?p=3987

33.   مصر: القضاء الإدارى يقرر حل المجالس المحلية الشعبية، bbc arabic، فى الرابط التالى:

http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2011/06/110628_egypt_councils

34.   نهلة محمود، الإدارة المحلية فى مصر: أثر الفجوة بين التشريع والممارسة على مبادئ الحكم الرشيد، فى: أيمن عبد المعطى (مراجعة)، المجالس المحلية وتمكين المشاركة المجتمعية: نماذج عربية، (القاهرة: منتدى البدائل العربى للدراسات والمعهد السويدى بالإسكندرية، أعمال ورشة بيروت فى الفترة من 25 إلى 28 يوليو 2015، د.ت)، ص ص 53-55.

35.   البلديات والحوكمة المحلية الديمقراطية فى سياق الانتقال الديمقراطى فى الدول العربية، مشاورة إقليمية، تونس فى الفترة من 17 إلى 19 ديسمبر 2013، ص ص 1-2، فى الرابط التالى:

http://www.arabstates.undp.org/content/dam/rbas/doc/Events/Strengthening%20municipalities%20and%20democratic%20local%20governance%20in%20the%20Arab%20countries%20in%20transition/CN%20Reg_Cons_%20Municipalities%20%20LG-Arabic%20(Autosaved).docx

36.   المعحم العربى لمصطلحات الانتخابات (عربى – إنجليزى – فرنسى)، البرنامج الانمائى للأمم المتحدة، 2014، ط1، ص 119.

37.   المرجع السابق نفسه، ص 112.

38.   نفسه، ص 37.

39.   وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري بالتعاون مع المعهد القومي للإدارة تبدأ في الإعداد لبرنامج "إعداد القيادات النسائية"، المعهد القومى للإدارة، 22 أكتوبر 2018، فى الرابط التالى:

http://cutt.us/gNXHo

40.   تشمل أصغر قيادة نسائية: حركة تعيينات جديدة في المحليات، أخبار مصر، الجمعة 15 فبراير 2019،  08:30 ص، فى الرابط التالى:

https://www.masrawy.com/news/News_Egypt/section/35/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D8%B5%D8%B1

41.   شيماء الشرقاوى، ومينا سمير، إشكاليات المشاركة من خلال المحليات، سلسلة أوراق البدائل، (القاهرة: منتدى البدائل العربى للدراسات، ، د.ت)، ص ص 3 - 4.

42.   وفاء سمير نعيم، العصبية العائلية والمشاركة السياسية: دراسة حالة فى قرية مصرية، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2016)، ص ص 154-155.

43.   شيماء الشرقاوى، ومينا سمير، مرجع سبق ذكره، ص 5.

شارك