أكاديمية الشروق .. نحو نظرية إعلامية متكاملة تفسر الظواهر الإعلامية الراهنة

الخميس 02/مايو/2019 - 07:41 م
طباعة أكاديمية الشروق ..
 
د. شريف درويش اللبان

قليلٌ هى الفعاليات الإعلامية والثقافية الجادة التي تبتعد عن الشكلانية والمظهرية التي أصبحت تسيطر على كل منتدياتنا ومؤتمراتنا العلمية منها وغير العلمية، ومن بين هذه الفعاليات التي تعكس هذا الواقع الجدير بالاحترام والتقدير المؤتمر العلمي الرابع للمعهد الدولي العالي للإعلام بأكاديمية الشروق، والذي عُقِدَ الشهر الماضي تحت عنوان: "بحوث الإعلام ومنهجية التكامل المعرفي في إطار التحولات الدولية الراهنة وتداعياتها"، المؤتمر عُقد برعاية د. خالد عبد الغفار وزير التعليم العالي والبحث العلمي والأستاذ محمد فريد خميس مؤسس أكاديمية الشروق، وإشراف د. محمد سعد إبراهيم عميد المعهد وسيادة اللواء الدكتور أحمد عبد الرحيم رئيس مجلس إدارة الأكاديمية ود. سهير صالح إبراهيم وكيل المعهد ود. فاطمة شعبان أبو الحسن مقرر المؤتمر.

وقد شَرُفتُ بأن أكون مُعَقِبًا على جلسة البحوث الأولى المعنونة: "منهجية التكامل المعرفي والتداخل النظري والمنهجي" والتي رأسها د. حسن عماد مكاوي عميد كلية الإعلام جامعة القاهرة الأسبق، وقد عُرِضَت في هذه الجلسة المتميزة سبعة بحوث لباحثين من جامعات مصرية وعربية مختلفة بدءًا من جامعتيْ الإمام محمد بن سعود والملك عبد العزيز السعوديتيْن وجامعة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة وجامعة "باتنة 1" بدولة الجزائر علاوة على جامعة الإسكندرية وأكاديمية الشروق المصريتيْن.

100 سنة من نظريات الإعلام دون الوصول لنظرية متكاملة

في بداية تعقيبي على بحوث هذه الجلسة التي تتناول منهجية التكامل المعرفي والتداخل النظري والمنهجي في بحوث الإعلام، كان يجب أن أعرج على التطورات والإشكاليات التي تواجه نظريات الإعلام والاتصال على مر تاريخها غير الطويل، وقلتُ إن العام القادم يشهد مرور 100 عام على أول ظهور لهذا النوع من النظريات التي كانت تستهدف دومًا تحديد حجم تأثير وسائل الإعلام على الجمهور، وهل هذا التأثير كبيرًا أم محدودًا أم معتدلاً؟.

100 سنة من نظريات الإعلام والاتصال .. ونحن لم نصل إلى نظريات إعلامية متكاملة، بل إن كل ما توصلنا إليه نظريات أغلبها مستعارٌ من علوم أخرى مثل علم السياسة أو التاريخ أو الحاسب الآلي أو تكنولوجيا المعلومات أو علوم اللغة واللسانيات أو علم النفس أو علم الاجتماع وغيرها من العلوم.

وقد يقول البعض إن هذا هو التكامل المعرفي والتداخل النظري والمنهجي بين علم الإعلام والعلوم الأخرى، ولكن هذه الإشكالية تُعَدُ دالة في الوقت نفسه على حداثة علم الإعلام وعدم قدرة منظريه وممارسيه والباحثين فيه على الخروج بنظريات ومناهج جديدة مفسرة للظواهر الناتجة عن الظاهرة الإعلامية أو تستطيع إخضاع هذه الظواهر للدراسة وفق مناهج وأدوات جديدة ناتجة عن علم الإعلام وليست مجلوبة أو منحولة أو مستعارة من خارجه.

ورغم ذلك، فإننا لا نعني بأُطروحتنا النقاشية هذه انغلاق علم الإعلام على نفسه، لأننا من أكثر المؤمنين بتفاعل الظاهرة الإعلامية مع سياقات أخرى كثيرة سياسية واقتصادية ونفسية واجتماعية ولغوية وإدارية ومعلوماتية؛ فالدراسات البينية جد مهمة في فتح آفاق لا حصر لها من التكامل المعرفي والنظري والمنهجي، ولكن هذا يعكس في الوقت نفسه قصورًا فاضحًا في علم الإعلام نفسه يتمثل في عدم وصوله إلى مرحلة النضج والاكتمال والاستقلالية رغم نشوء الظاهرة الإعلامية منذ أوائل القرن السابع عشر مع صدور أول صحيفة مطبوعة وبث أول محطة إذاعية أمريكية في العام 1919 وبدء تجارب البث التليفزيوني عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ناهيك عن دخولنا منذ ما يزيد عن عقديْن من الزمان إلى عصر الفضائيات والإنترنت، علاوة على قيام علم الإعلام بانتحال نظريات من علوم أخرى منذ قُرابة 100 عام.

الافتقار إلى نظريات إعلامية مفسرة للظواهر الراهنة

ومن أسفٍ أنه لا توجد حتى وقتنا هذا أية نظريات إعلامية عربية مفسرة للظواهر الإعلامية في السياقات العربية بوجه عام أو السياقات الوطنية في كل دولة عربية على حدة، بما يعكس المعايير الثقافية والهوياتية لهذه البلدان العربية، والتي تختلف حتمًا تمام الاختلاف عن مثيلتها في الدول الغربية التي تستعير بحوثنا الإعلامية العربية نظرياتها ومداخلاتها ومقارباتها النظرية لبحث ظواهر إعلامية عربية صرفة.

لا أحد يعرف على وجه اليقين كيف ولماذا استُخدمت التكنولوجيات الاتصالية الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي ضدنا بشكلٍ يخرج عن طبيعة هذه الوسائل والشبكات في العمل على التواصل بين البشر وتحسين ظروف معيشتهم، فإذا بها تُستخدم كوسائل للتحريض والحشد والاستقطاب والقطيعة بين البشر واستهداف تصفية الرموز الوطنية والحض على الكراهية ونشر الأفكار المتطرفة.

لا أحد يعرف كيف أججت التكنولوجيات الاتصالية الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي ما يسمى بثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، وفي الوقت الذي ظن البعض أن هذه الثورات آخذة في الانحسار اعتقادًا بأن الدول العربية قد وعت الدرس، واستطاعت أن تعرف آليات عمل هذه التكنولوجيات والشبكات، إذا بنا نستيقظ على حقيقة أصبحت راسخة وهى أن تلك الثورات لم تكن سوى الموجة الأولى، ونحن الآن في خضم الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي، ويمكن أن ندرك ذلك ببساطة بأن نولي وجوهنا غربًا نحو الجزائر أو جنوبًا نحو السودان.

عودة قدرة وسائل الإعلام على التأثير القوي والديناصوري

وقد حاولتُ أن أجد إطارًا نظريًا أصيلاً ومبتكرًا مفسرًا لهذه الظاهرة الغريبة والفريدة في آنٍ واحد، فقلت في تعقيبي بمؤتمر أكاديمية الشروق إن تأثيرات وسائل الإعلام تحولت من القوة في التأثير بمعيار أن الرسالة الإعلامية هى بمثابة "طلقة سحرية" عام 1920 إلى محدودية التأثير عام 1940، ثم تحول هذا التأثير إلى تأثيرات معتدلة عام 1968، إلا أن هذه التأثيرات عادت إلى قوتها المعهودة في عام 1984. ولعل الكتاب النبوءة للكاتب البريطاني جورج أورويل هو الذي تنبأ بعودة قوة الميديا وتأثيرها على هذا النحو، رغم أن الكتاب صدر للمرة الأولى في ستينيات القرن الماضي.

إن عودة قوة وسائل الإعلام الضخمة إلى تأثيرها الديناصوري واللحظي على المجتمعات أصبح أمرًا ملحوظًا ويتعارض مع كل ما ذهبت إليه نظريات الإعلام، وهو ما يجعل الظاهرة الإعلامية والاتصالية في تطورها اليومي والمتلاحق تسبق قدرة المنظرين وأساتذة الإعلام وباحثيه على صياغة النظريات المفسرة لكل ما يحدث حولنا من ظواهر يعجز كل التراث العلمي النظري في إيجاد إطار تفسيري مقنع لها.

ما بين "الطلقة السحرية" و"فيروس" السوشيال ميديا

وقمتُ بالتعقيب على البحث المقدم من د. محمد بن علي القعاري الأستاذ المشارك بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وعنوانه: "التداخل النظري والمنهجي في النظرية الإعلامية .. دراسة نقدية"، وتساءلتُ: هل نحن بصدد العودة إلى الجذور في نظريات الإعلام .. إلى نظرية الطلقة السحرية Magic Bullet؟، وأجبتُ ربما، لأننا نعيشُ الآن ما يعادل تأثيرها وهو "فيروس السوشيال ميديا".

ولعل هذا ما يفسر ثورات ما يُطلق عليه الربيع العربي في موجتها الأولى التي شملت تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن وموجتها الثانية في الجزائر والسودان، بل وارتداد تأثير هذا الفيروس إلى مَن شاركوا في تصنيعه وتعليبه وتصديره للمنطقة العربية، ففي الشمال .. في فرنسا نجد ثورة أصحاب السترات الصفراء، كما نجد فيروس داعش يرتد إلى أوروبا والولايات المتحدة، وهم مَن سمحوا بتمكينه من تجنيد عناصره عبر تويتر. إننا في حاجة ماسة لمداخل نظرية جديدة لدراسة هكذا ظواهر، نحتاج إلى الإلمام بشكلٍ أكثر عُمقًا بالمجتمع الشبكي Network Society، والذي ابتدعه الألماني "مانويل كاسلز"، نحتاج إلى التحليل الشبكي Network Analysis، والذي يوضح لنا آليات انتشار فيروس الثورة والتحريض والشائعات عبر حسابات السوشيال ميديا.

إن نظريتيْ "انتقال المعلومات على مرحلتين" و"ترتيب الأولويات" اللذيْن تحدثت عنهما الدراسة الحالية أصبحتا جزءًا من تراث الماضي في نظريات الإعلام بعد ما أصابته التكنولوجيات الاتصالية والإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. الآن المعلومة أو شبه المعلومة أو حتى ما يمكن أن أُطلق عليه "المغلوطة" يتم توزيعها على سكان الكرة الأرضية في ثوانٍ معدودة دونما انتظار لانتقالها على مرحلتين أو أكثر أو أقل قليلا. كما أننا لم نعد نعلم يقينًا مَن يرتب أجندة مَن؟، هل الوسائل الإعلامية هى التي ترتب أجندة الجمهور وأولوياته أم ما يحدث هو العكس من ذلك تمامًا؟. اليوم أصبحت الصحف وبرامج "التووك شو" تأخذ أولويات معالجاتها من السوشيال ميديا.

أكذوبة تأثير وسيلة إعلامية واحدة دون سائر الوسائل

وتوجد ثمة أكذوبة كُبرى وهى أن الصحافة فقط أو التليفزيون فقط أو الإنترنت أو الاتصال الشخصي فقط هو الذي يقوم بترتيب أولويات الجمهور، وهو أمرٌ غير صحيح، لأن بعض الدراسات الإعلامية تتعامل مع الجمهور وكأنه يقبع في معمل كفأر تجارب كبير، لأن الجمهور يؤثر في ترتيب أولوياته كل هذه الوسائل مجتمعة، وهو ما افترضته النظرية الأصلية، وليس تطبيقاتنا البحثية المصرية العربية التي افترضت أن وسيلة إعلامية واحدة هى التي تقوم بترتيب أولويات الجماهير..!.

وكان البحث الثاني للدكتورة مريم نريمان نومار بقسم الإعلام جامعة "باتنة 1" بدولة الجزائر بعنوان: "المناهج المختلطة في الدراسات الإعلامية الجديدة"، وتثير هذه الدراسة إشكالية مهمة، وهى ميل الباحثين العرب في مجال العلوم الإنسانية لاستخدام المقاربات المنهجية الكمية أو الكيفية بشكلٍ منفصل، رغم أهمية التكامل بينهما. والمشكلة الأكبر من وجهة نظرنا هو "تكميم الكيفي وتكييف الكمي"، وهو ما يعني لي عنق المنهج والأداة البحثية بما ليس فيهما، فنجد مثلاً تحليل المضمون الكمي بطبيعته يُستخدم أيضًا كأداة كيفية، وفي المقابل نجد أدوات ومداخل كيفية مثل تحليل الخطاب وتحليل الإطار يستخدمان خطأً كأدوات كمية وتوضع لهما جداول وتكرارات ونسب، وهى المشكلة التي تتؤدي إلى مزيد من القصور الأداتي والمنهجي.

الإعلام المصري هو الذي يمنح الإعلام المعادي فرص الهجوم على مصر

أما البحث الثالث فكان للدكتور إيهاب حمدي جمعة المدرس بقسم الإعلام بكلية الآداب جامعة الإسكندرية وعنوانه: "منهجية التكامل المعرفي بين الخطاب الإعلامي وعلوم اللغة واللسانيات: الاستراتيجيات التداولية في تحليل الخطاب السياسي للقنوات التليفزيونية الفضائية المعادية نموذجًا بالتطبيق على تغطية افتتاح المسجد والكاتدرائية"، وعلقتُ على هذا البحث وقلتُ إن بداية طرح الباحث وطرح الإعلام المصري عامةً لأطروحة "أكبر مسجد وكاتدرائية" في الخطاب، وهو ما استغله الإعلام المعادي لأن "أكبر مسجد وكاتدرائية" يستلزم أكبر ميزانية في التاريخ مخصصة لدور عبادة لا تعدمها مصر، ومن هنا فقد أعطى الإعلام المصري الإعلام المعادي والسوشيال ميديا الذريعة بأن هذان "الأكبر في الساحة وتكاليف الإنشاءات" كان ينبغي توجيه المخصصات المالية لهما لما هو أهم للصحة والتعليم والصناعة وتوفير فرص عمل للشباب.

كان الأفضل والأوقع للإعلام المصري أن يعتمد في خطابه على طروحات أخرى مثل أطروحة (التسامح الديني)، أو أطروحة (المسجد الجامع والكاتدرائية الخاصة بالعاصمة الجديدة) وهو أسلوب كان معروفًا في العِمارة الإسلامية عند إنشاء العواصم الجديدة منذ قديم مثلما هو الحال عند إنشاء مدينة الفسطاط (مسجد عمرو بن العاص) أو إنشاء مدينة القاهرة (الجامع الأزهر)، أو أطروحة (التعايش وقبول الآخر).

وذكرتُ كذلك أن كلمة "المعادية" في عنوان الدراسة جاءت غائمة، لأنها تصف هذا الإعلام بـ "المعادي"، في حين أنه يصفنا بالوصف نفسه، في ظل موقفنا الواضح والصريح من قطر وتركيا اللتيْن تأويان عناصر جماعة الإخوان الإرهابية وتوفر لإعلام الجماعة إمكانات البث والتمويل والمساندة الإعلامية واللوجستية، فكلمة "المعادي" كلمة مضللة، فكأننا نقف موقف "المسالم" مع هذا الآخر "المعادي"، وهو أمرٌ غير حقيقي، فالدولة المصرية فيما بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013 لا تُسَالِم مَن يُعاديها، ولا تُصَالح مَن يَمُدُ يَدَهُ إليها بالقتل والدمار والخراب، الدولة المصرية تضرب أعداءها في ليبيا وتقصف معسكرات قطعان الإرهابيين، وتشارك في الحصار الاقتصادي لقطر جراء تطاولها على مصر وشقيقاتها الخليجيات، هذا علاوة على الحرب الإعلامية الضروس بين مصر وإعلام أهل الشر ووسائل الإعلام القطرية والتركية والدولية المتعاطفة معه.

إن هذه الدراسة غاية في التميز لأنها قدمت تأصيلاً معرفيًا ونظريًا لتداولية الخطاب وارتباطها بعلم اللسانيات والحِجَاج ومفاهيم المغالطة وأساليبها لإقناع الناس بالباطل من القول كما يحدث من قِبَل إعلام أهل الشر الذي يسهل كشفه وتفنيد خطابه الإعلامي المزعوم.

تحليل المشاعر والعواطف على شبكات التواصل الاجتماعي

والبحثُ الرابع الذي قمتُ بالتعقيب عليه في هذه الجلسة التي رأسها د. حسن عماد مكاوي عميد كلية الإعلام جامعة القاهرة الأسبق، هو البحث المقدم من د. طارق الخليفي المدرس بقسم الإعلام بكلية الآداب جامعة الإسكندرية وعنوانه: "تنقيب بيانات وسائل التواصل الاجتماعي واستخداماتها في البحوث الإعلامية: تحليل المشاعر نموذجًا".

وتتمثل الوظيفة الرئيسة لتحليل المشاعر في تحديد ما يفكر فيه الناس، واستخلاص وجهات نظرهم حول موضوعات معينة باستخدام التكنولوجيا، اذ يقلل تحليل المشاعر بشكلٍ كبير الحاجة الى مسح أعداد كبيرة من المستندات لاستخلاص الآراء. إن تحليل المشاعر باختصار عبارة عن تقنية تسعى الى مواجهة التحدى المتمثل في تحديد معلومات ذاتية واستخراجها من كميات كبيرة من البيانات غيرالمنظمة من خلال الجمع بين تقنيات استخراج البيانات وتعلم الآلة ومعالجة اللغات الطبيعية واسترجاع المعلومات وإدارة المعرفة. ويشير استخراج الرأى إلى مهمة إيجاد آراء الاشخاص حول كيانات محددة باستخدام اللغويات الحاسوبية ومعالجة اللغات الطبيعية لتحديد المعلومات الذاتية واستخلاصها من النصوص المصدر، ويهدف تحليل المشاعر الى تحديد قطبية الفرد فيما يتعلق بالحكم أو الحالة العاطفية، ويستخدم للتحليل الآلى للنصوص والموارد التقييمية وغالبا ما ينظر الى استخراج الرأى وتحليل المشاعر على أنهما مترادفان ويعبران عن معنى متبادل ايضًا.

وقلتُ إن هذا البحث يعد من أهم وأخطر البحوث المقدمة لهذا المؤتمر، لأنه يشير إلى إمكانية تحليل المشاعر الإيجابية والسلبية (تحليل عام) وتحليل العواطف المتمثلة في الإعجاب والحب والحزن والسخرية والدهشة (تحليل أكثر عمقًا) على شبكات التواصل الاجتماعي.

ويستهدف تحليل المشاعر والعواطف على السوشيال ميديا رصد مشاعر الناس الإيجابية والسلبية وكذلك تعاطيهم العاطفي تجاه الموضوعات والقضايا والأشخاص، وهى مسألةٌ جد خطيرة، لأن مثل هذا النوع من التحليل يمكن من خلاله رصد ظواهر مجتمعية مهمة، والأسوأ من ذلك هو إمكانية قيام جهاتٍ معينة بإمكانية التحكم في هذه الظواهر باكتشاف محفزات وجودها والعمل على تفاقمها.

إمكانية قيام دول معادية في إدارة المِزَاج العام لدولةٍ أخرى

إن آلية تحليل المشاعر والعواطف من خلال استهداف بيانات ضخمة خاصة بدول أو مجتمعات معينة تمكن شركات محددة ودول بعينها من جمع معلومات وبيانات وخصائص الشعوب ومشاعرها الإيجابية والسلبية وعواطفها تجاه الأشخاص والقضايا وهو ما يؤدي إلى اكتشاف الأسباب الدافعة إلى مثل هذه المشاعر الإيجابية أو السلبية، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إمكانية قيام بعض الدول بإدارة المِزاج العام في دولة أخرى أو مجتمع معين Mood Management، وهو ما قد يساعد على توجيه هذا المجتمع للخروج على النظام العام، أو تكوين اتجاه سلبي نحو قيادته وحكومته، بل ويمكن استغلال ذلك في بث مشاعر الإحباط والاكتئاب في هذا المجتمع لتدميره نفسيًا من الداخل، وهو قمة الحروب النفسية الحديثة في عصر شبكة الإنترنت والسوشيال ميديا.

وطرح د. مبارك الحازمي الأستاذ بكلية الاتصال والإعلام بجامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية في ورقته البحثية الرصينة المعنونة "الإعلام وأزمة التحولات الدولية الراهنة وتداعياتها" عديدًا من القضايا والإشكاليات الجديرة بالبحث والدراسة، مثل الإعلام والإرهاب ومنهجية التكامل المعرفي، والإعلام والعولمة وأزمة تهجين الهوية، والإعلام وإدارة أزمات تفكيك الدول والتعويم التاريخي للمجتمعات، والإعلام ومستقبل السيادة الوطنية للدول، وكلها قضايا مهمة وإشكاليات كُبرى في حاجة إلى مناقشة متعمقة لاستجلاء أبعادها المطروحة وأبعادها الأخرى الجيوبوليتيكية والاقتصادية والنفسية والسسيولوجية للشعوب والمجتمعات والدول.

تضمين متطلبات ودوافع الجمهور في تصميم المواقع الحكومية

ثم طرح د. أحمد فاروق رضوان أستاذ العلاقات العامة بكلية الاتصال جامعة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة دراسته المهمة "إدراك المتعاملين لفاعلية الموقع الحكومي الإلكتروني. واستهدفت الدراسة قياس فاعلية توظيف محتوى الموقع لتحقيق الهدف من إنشائه، وفي التواصل مع المتعاملين، ومدى سهولة استخدام الموقع، والملاءمة والتي تُعني بقياس توافق شكل ومحتوى الموقع مع طبيعة المنظمة الحكومية وهويتها.

وتُعد هذه الدراسة دراسة تجريبية مهمة تم خلالها بناء موقع إلكتروني حكومي تم تصميمه من حيث الشكل والمحتوى من نسخة ضابطة وثلاث نسخ تجريبية، وإجراء اختبار مقياس من خمسة عناصر لقياس إدراك كل مجموعة لجودة الموقع.

وقلتُ إنه كان من المفيد لهذه الدراسة أن تقوم بشكلٍ مسبق بدراسة استطلاعية على المتعاملين المحتملين مع الموقع الحكومي بغية التعرف على متطلبات ودوافع استخدام الجمهور للموقع الحكومي، وذلك لتضمين هذه المتطلبات في تصميم الموقع ومحتواه وأدواته التفاعلية. كما ذكرت أنه كان من المفيد تبني مدخل "يُسر الاستخدام" Usability لقياس مدى يسر استخدام الموقع بالنسبة لجمهور المتعاملين معه.

أهمية دراسة الظواهر الصحفية التاريخية والشخصيات المنسية

وفي نهاية الجلسة عرض د. رامي عطا صديق أستاذ الصحافة المساعد بالمعهد الدولي العالي للإعلام بأكاديمية الشروق ورقته البحثية المتميزة "التحليل التاريخي النقدي: نحو تجديد مدخل قديم في بحوث الصحافة"، واستهدفت هذه الدراسة تطوير استخدام مدخل التحليل التاريخي النقدي في بحوث تاريخ الصحافة عبر قراءة تحليلية نقدية مقارنة لعددٍ من الدراسات التي أُجريت حديثًا في مجال تاريخ الصحافة، وذلك بُغية التوصل لرؤية شاملة تنتهج مبدأ التكامل المعرفي تأخذ في الاعتبار السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والتشريعية والتكنولوجية، حيث تفتقر معظم الدراسات لوضع هذه السياقات في الاعتبار مما يوقعها في تقاطعات شديدة التعقيد مع الواقع المُعَاش، وهو ما لم يكن مطروحًا على الإطلاق عند دراسة الظاهرة التاريخية.

وقد أبديتُ إعجابي الشخصي بالباحث الدكتور رامي عطا صديق الحائز العام الماضي على جائزة المواطنة من المجلس الأعلى للثقافة لاهتمامه بتاريخ الصحافة، رغم أن كثيرًا من الباحثين الشباب يعزفون عن خوض غِمَار هذا الفروع من فروع الدراسات الصحفية رغم أهميته.

وقلتُ نحن في حاجة إلى تضافر جهود الباحثين مع جهود د. رامي لإجراء عديد من البحوث التي تتناول الظواهر الصحفية التاريخية والفترات المنسية والشخصيات الصحفية التاريخية التي لم تجد حظها في الدراسة والتمحيص. وأعتقد أن ما كانت تقوم به مكتبة الإسكندرية في سلسلة "ذاكرة مصر المعاصرة"، والتي صدر فيها مجلدان متعلقان بمدرسة "أخبار اليوم" ومدرسة "دار الهلال" الصحفية، وكذلك ما كان يقوم به أستاذنا الراحل العظيم د. يونان لبيب رزق في سلسته الرائعة "الأهرام ديوان الحياة المعاصرة" يمكن أن يتم إحياؤه بجهود د. عطا وأمثاله لكي يتم إنتاج عشرات المجلدات التي تنقب في تاريخ الصحافة المصرية التي تعد توثيقًا للتاريخ المصري المعاصر.

شارك