هل يؤسس أردوغان للـ "الأحادية السياسية " بإعادة الإنتخابات فى إسطنبول ؟

الأربعاء 15/مايو/2019 - 08:47 م
طباعة هل يؤسس أردوغان للـ
 
إيمان زهران

للمرة الأولى منذ العام 2002 تراجعت شعبية حزب العدالة والتنمية وتداعت تنظيماتة السياسية أمام قوى المعارضة بالإنتخابات المحلية الأخيرة والتى إجريت فى مارس الماضى، وذلك بالرغم من التحالفات السياسية التي عقدها الحزب الحاكم  ورئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان مع أحزاب أخرى، والتعديلات الاخيرة بقانون الانتخابات، كي تتوافق مع رؤيتة التوسعة نحو الهيمنة داخليا وإنجاز إستحقاقات إستراتيجية "العثمانية الجديدة" إقليميا.

وبالنظر لما أسفرت عنه نتائج الإنتخابات المحلية و خسارة الحزب الحاكم لصالح المعارضة بلديتي أنقرة وإسطنبول إلى جانب عدد آخر من المدن الرئيسية أهمها أنطاليا ، فقد أصبح من الواضح أن "العدالة والتنمية" يراهن على "إعادة" انتخابات إسطنبول بالتحرك نحو الحشد والتعبئة وإقناع شرائح المقاطعة وتعديل رأي المتحفظين من أنصاره ، وهو ما إنعكس على تصريحات الرئيس  اردوغان وغيره من قيادات الحزب بأنهم "فهموا رسالة الناخب" وسيعملون على أساسها. ومرتكزين فى ذلك الرهان على نموذج "إعادة الانتخابات البرلمانية في 2015"، حيث تمت الإعادة وحصد الأغلبية البرلمانية بعد حوالي 5 أشهر من الانتخابات، حيث خاف أنصاره من فوز المعارضة وعودة تركيا لما قبل العدالة والتنمية. ليضعنا أمام عدد من التساؤلات أولها ما يتعلق بمدى مصداقية التوافق لتيارات الإسلام السياسي مع النهج الديموقراطى، لاسيما حين تفرز صناديق الاقتراع نتائج تتعارض مع مصالحهم ورؤيتهم حول "الأحادية السياسية"، كذلك ما هى السياقات الداعمة لعملية الإعادة والتحركات المحتملة لمختلف فواعل وأطراف العملية الإنتخابية؟ 

سياقات الإعادة

أعلنت لجنة الإنتخابات العليا فى تركيا إعادة الإنتخابات فى البلديات الكبرى فى  23 يونيو المُقبل، لتضعنا امام عدد من المؤشرات والسياقات الداعمة لذلك القرار والمحفزة للتوجهات الأردوغانية نحو إستكمال متطلبات "الأحادية السياسية"، وذلك من خلال: 

§     سياقات قانونية:  فقد إستند قرار اللجنة العليا للإنتخابات وبالتوازى مع خطاب الرئيس أردوغان على نقطتين، الأولى تتمثل فى مخالفات تتعلق برؤساء صناديق الاقتراع والثانية مخالفات تقنية تتعلق بالأظرف واللوائح.

الجدير بالذكر، أن مثل هذه الإنتهاكات ليست استثنائية، إذ أن أغلب الإنتخابات التركية دائما ما يصاحبها شكاوى حول تلك النقطتين، ولكن  كان دائما ما يتم إهمالها لعددة أسباب، أهمها: أن من يتقدم بتلك الشكاوى هى المعارضة وليس الحزب الحاكم، وثانيا أن الفارق عادة ما يكون كبيراً، فلا يؤثر على النتيجة. مثال: حالة الاستفتاء الذي جرى في عام 2017، وإنتقال الدولة إلى النظام الرئاسى.

بالنظر إلى ذلك، فيعتبر ذلك السياق القانونى يحمل فى تناولة نوع من "الإزدواجية المعيارية" وهو ما يدفع بالحديث عن إحتمالية ممارسة ضغوط سياسية على اللجنة العليا للإنتخابات لإعلان حالة "إعادة الإنتخابات"، حيث دائما ما كان ليلتفت لتلك الشكاى ، إلا أنه الأن تم الأخذ بتلك الخروقات المتكررة والإستناد عليها لإعادة الإنتخابات. 

§     سياقات ديموغرافية:  تتعلق تلك السياقات بنظرية "مراكز الثقل"، فقد أسفرت النتائج على خسارة أردوغان لمراكز ثقلة الديموغرافية، فخسارة أنقرة وأسطنبول وعدد من الولايات الأخرى، يحمل عدد من الدلالات، أهمها: ضربة لرمزية المشروع السياسي لأردوغان الدافع نحو مزيد من مركزة سلطة حكم البلاد في قبضتة،  كذلك بداية لخروج مناطق الأناضول الأوسط من تحت سيطرة العدالة والتنمية وزعامة أردوغان.

الجدير بالذكر، أنه بجانب ثقل العاصمة، فالبلديات المركزية بتركيا تُعد البنية السكانية والاقتصادية التي اعتمد عليها أردوغان في صعود زعامته. إذ كان يعتبر خطه السياسي تمثيلاً للنخب الاقتصادية التجارية والصناعية المُحافظة لمنطقة الأناضول، ذات الأواصل العميقة مع العالم التركي في أوسط آسيا؛ في مواجهة النخب السياحية والبنكية في كل من إسطنبول وأزمير، المتداخلة مع أوساط الأعمال الأوروبية والأميركية. ومن ثم فهزيمة الحزب الحاكم  في إسطنبول، إلى جانب ولايات المركز مثل: أنقرة وأزمير وأنطاليا، تعني خروج مدن الثقل الاقتصادي والسياسي والرمزي الثلاث في البلاد من تحت سيطرته.

§       سياقات سياسية : بجانب لما هو مشاع بأن الإنتخابات البلدية تمثل فى جوهرها تصويتاً على ثقل شعبية الرئيس أردوغان، فكذلك يحرص الحزب الحاكم "العدالة والتنمية" بإعادة الإنتخابات على الحصول على ما يزيد على 50٪ من المقاعد، لترسيخ الوصول إلى الهدف الذي رسمه الرئيس رجب طيب أردوغان فيما يسميه "تأسيس الجمهورية التركية الجديدة – العثمانية الجديدة"، وهو هدف يسعى لتحقيقه على مراحل، تنتهي مرحلته الأولى عام 2023، الذي يوافق الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية.

ومن المهم القول هنا أن تلك الإنتخابات ستعقبها فترة طويلة تمتد إلى أربعة أعوام دون خوض انتخابات في تركيا، ومن ثم فنتائجها تمثل انعكاسا للاستقرار الداخلى والذى بدورة  سيمنح مؤشرات إيجابية مهمة للاقتصاد الداخلى ومدخلاً لجذب الاستثمار الأجنبي.

تحركات مُحتملة

ثمة عدد من التحركات المُحتمل حدوثها من جانب كل حزب العدالة والتنمية "الحزب الحاكم"، وحزب الشعب الجمهوري وقوى المعارضة، وذلك قبيل انتخابات الإعادة لضمان الكتل التصويتية، وذلك من خلال:

§       حزب العدالة والتنمية :

حيث من المُرجح الإعتماد على ثلاث تحركات لضمان النجاح بإستحقاق الإعادة، وهى :

التحرك الأول -  إستقطاب المقاطعة: 

وذلك بإقناع المقاطعين من قاعدته الشعبية بالعزوف عن المقاطعة والذهاب إلى صناديق الاقتراع للتصويت لصالح الحزب، على أن يتم ذلك من خلال اعتماد خطاب وطنى يصف العملية الإنتخابية من خلالها بأنها معركة مصيرية في وجه المؤامرات الداخلية والخارجية وحرب على الاقتصاد ومعركة لتحقيق الأمن والاستقرار.

التحرك الثانى -  إستقطاب الأكراد: 

                وذلك بإستمالة أكراد إسطنبول للتصويت لصالح حزب العدالة والتنمية. وهو ما يمكن ترجمتة بالتحركات الأخيرة حيث سمحت السلطات لمحامية زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان بلقائه في جزيرة آمرلي لأول مرة منذ عام ٢٠١١، و أعلن الأخير رسالة موجهة منه إلى قوات سوريا الديموقراطية يدعو فيها إلى تغليب الحوار والسياسة على القتال في العلاقة مع تركيا.

التحرك الثالث – إستقطاب القوميين:

وذلك بالتحرك نحو توحيد الناخبين واستقطاب المزيد من القوميين. وقد يأتي ذلك تحت شعار عملية عسكرية أو خطر عسكري خارجي. حيث أن مجمل الناخبين القوميين الذي صوتوا في الانتخابات البلدية الأخيرة في إسطنبول بلغ عددهم حوالي 1.4 مليون تقريباً ويشمل ذلك حزب الحركة القومية المتحالف مع حزب العدالة والتنمية، وحزب "إي" المتحالف مع حزب الشعب الجمهوري المعارض، حيث منهم حوالي 850 ألف صوت لمصلحة مرشح المعارضة. فإذا استطاع حزب العدالة والتنمية حرمان المعارضة من شريحة منهم، أو حصل هو على شريحة إضافية، فقد يساعد ذلك في إنجاز إستحقاق "الإعادة" لصالحة.

§       قوى المعارضة:

حيث من المُرجح الإعتماد على ثلاث تحركات لضمان تكرار النجاح بإستحقاق الإعادة، وهى :  

التحرك الأول -  إستقطاب المقاطعين من المؤيدين:

وذلك بإستهداف مقاطعى الإنتخابات من مؤيدين قوى المعارضة  وتحفيزهم  من خلال الدعاية الإيجابية للعودة للمشاركة بإنتخابات الإعادة. فمعظم تلك الشريحة ممن قرروا "المقاطعة" كانوا يعتقدون أن حزب العدالة والتنمية سيربح مجدداً وأنه لا فائدة من الذهاب الى الصناديق للتصويت. ومن ثم ، فقد أصبح لدى هذه الشريحة حافز أكبر الآن للذهاب للتصويت لصالح "قوى المعارضة" لأنّهم أدركوا أن الفوز ممكن بالفعل وأن "العدالة والتنمية" بدأ يفقد شعبيتة.

التحرك الثانى - إستقطاب معارضى الحزب الحاكم:

                حيث أن الحزب الحاكم جعل من نفسه هدفاً "داخليا" من خلال خوضه معركة مع جميع الأطراف غير المؤيدة له، ومع شريحة من الأطراف الموالية له التي ساهمت في تحقيق النجاح للحزب سابقاً وظلت حتى وقت قريب جزءًا منه. وفى حال نجاح إستقطاب قوى المعارضة للأطراف الغير مؤيدة للحزب الحاكم، فإن ذلك التحرك من الممكن أن يجذب الأصوات الكردية المعارضة للـ "العدالة والتنمية"، وربما جزءا من الأصوات التقليدية للحزب الحاكم، لا سيما الأصوات التي عبر عنها عبدالله غول وداوود أوغلو.

التحرك الثالث - تقوية تحالف "قوى المعارضة":

يتمثل ذلك التحرك فى ضمان إستمرار وتجانس تحالف قوى المعارضة الحزبية، وذلك تمهيدا للحصول على أصوات الأحزاب المجهرية الأخرى في إسطنبول والتى تميل فى توجهاتها إلى المعارضة، فإذا ما استطاعت المعارضة إقناعها أو بعضها بالانسحاب أو التحالف معها، فستحصل على الأرجح على معظم أصواتها.

فى النهاية  ،،

من الصعب التنبأ بالحسم عند الحديث عن إعادة الإنتخابات فى ظل تنوع وتشعب المعطيات القانونية والسياسية والديموغرافية لسياق العملية الإنتخابية، فنتائج إعادة الإنتخابات تبدو مفتوحة على عدة سيناريوهات وغير مضمونة العواقب بالنسبة للعدالة والتنمية والشعب الجمهوري على حد سواء. حيث ستسعى الأحزاب بطبيعة الحال لإقناع الناخبين وخصوصاً المتحفظين أو المقاطعين منهم بالتصويت لمرشحها. وستعمد إلى إرسال رسائل إيجابية خلال الحملة الانتخابية، وكذلك العمل على نسج تحالفات مع الأحزاب الصغيرة التي حاز مرشحيها عشرات الآلاف من الأصوات، حيث تبدو نسب تصويتية مؤثرة في ظل معادلة الفارق الضئيل بين المرشحين، لكن كل ذلك لن يكون قادراً على حسم النتيجة أو الجزم بتوجهات الناخب التركى والذى سيكون أحد أهم العوامل المؤثرة في صياغة قراره هو تقييمه لأداء الأحزاب بعد إعلان نتائج الانتخابات الأخيرة ومدى تأييده لقرار الإعادة. ليبقى المحك الأهم والأخطر في انتخابات الإعادة هو اعتراف الجميع بنتائجها وعدم التشكيك بنزاهتها واستقلالية اللجنة التي تديرها لما لذلك من تأثيرات سلبية مباشرة على مصداقية التجربة الديمقراطية التركية والتى تتجة بتحركاتها الأخيرة نحو "الأحادية السياسية".

شارك