المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

تحركات استفزازية... في فهم الاعتداءات الإيرانية على أمن الخليج

السبت 18/مايو/2019 - 03:54 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
مرﭬت زكريا

أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية في 13 مايو/ أيار لعام 2019 عن تعرض أربع شاحنات تجارية مدنية لعمليات تخربيه بالقرب من الساحل الشرقي لإمارة الفجيرة، فضلاً عن تعرض ناقلتين سعوديتين لهجوم تخريبي بالقرب من المياه الاقتصادية للإمارات العربية المتحدة؛ حيث أشار بعض المحللين إلي وجود عدد من المؤشرات التي تؤكد ضلوع إيران في ذلك منها؛ تهديدها الدائم بإعاقة تدفق النفط ردًا على العقوبات الأمريكية، فضلاً عن تعليق رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني "حشمت الله فلاحت بيشة" قائلاً " أثبتت انفجارات الفجيرة أن أمن الضفة الجنوبية من الخليج الفارسي هش". وعليه، تمتلك طهران تاريخ طويل من الاعتداءات البحرية على سفن دول الخليج، بل وعلى السفن الأمريكية ذاتها.

ويشير بعض المحللين إلي رغبة طهران إذ كانت هي فعلاً من قامت بهذه العملية التخريبية في إرسال بعض الرسائل من خلالها بأنها  موجودة و قادرة على المواجهة في حال تعرضها للتهديد. ومن ناحية أخرى، تطرق بعض الباحثين إلي تساؤل رئيسي حول هل إيران قادرة حقاً وتمتلك كل المقومات اللازمة للمواجهة والتصعيد مع واشنطن؟ وهو ما سنحاول توضيحه فيما يلى:- 

أولاً- تاريخ الاعتداءات البحرية الإيرانية على دول الخليج

تحاول طهران منذ جلاء الاستعمار البريطاني عن الخليج العربي إلي السيطرة عليه، وهذا ما أدى إلي اختيار الولايات المتحدة الأمريكية لشاه إيران ليكون بمثابة شرطي للخليج. كما أثرت الحرب العراقية الإيرانية بالسلب على العلاقات الإيرانية الخليجية؛ حيث انحازت دول الخليج في ذلك الوقت إلي جانب بغداد في مواجهة طهران مما أدى إلي تعميق الخلافات بين الطرفين.

من ناحية أخرى، تتنافس كل من المملكة العربية السعودية و الجمهورية الإسلامية على النفوذ و الزعامة في الشرق الأوسط باعتبارها منطقة نفوذ حية لكل منهما. وبرزت الاعتداءات الإيرانية البحرية على دول الخليج في البيان الصادر عن قمة مجلس التعاون الخليجي في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني لعام  1983 جراء تعرض البحرية الإيرانية لسفن النفط في مداخل الخليج العربي، مما أدى لتدخل القوى الكبرى لحماية هذه المضايق باعتبار أن المسؤولية ليست محليه و لكن عالميه، نظرا لأهمية النفط كسلعه استراتيجية للأمن والسلم العالميين وللاقتصاد المرتبط بتوفيرها(1).

فكثيراً ما تهدد طهران بغلق المضايق الحدودية مثل مضيق هرمز وباب المندب، وكان يتكرر ذلك مع كل مشكلة تتعرض لها و سيما مع الولايات المتحدة الأمريكية، و أخرها مع حادثة سحب واشنطن الاعفاءات الممنوحة لثماني تتمثل في (الصين، الهند، اليابان، تركيا، إيطاليا، اليونان، كوريا الجنوبية وتايوان)، لإجراء معاملات نفطية مع طهران، على خلفية خوفها من ارتفاع اسعار النفط في السوق العالمي أو نقص المعروض(2).

ثانياً- رسائل طهران... ما وراء الاعتداءات  

كانت ترغب الجمهورية الإسلامية في إرسال بعض الرسائل إلي الولايات المتحدة الأمريكية و حلفاءها (دول الخليج، إسرائيل)، بأنها قادرة على المواجهة و تمتلك المقومات اللازمة لذلك؛ حيث يعد الحرس الثوري الإيراني من اقوى التنظيمات المسلحة الموجودة في المنطقة. كما يملك كل من الجيش و الحرس الثوري قواته البرية والجوية والبحرية. ويضم جيش حراس الثورة بنيات عسكرية تنفذ أنشطة خاصة مثل "قوة القدس" و "الباسيج" لأعمال المقاومة، فضلاً عن المعدات العسكرية القادمة من بريطانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، التي تم استيراد الكثير منها قبل ثورة عام 1979(3).

من ناحية أخرى، تستطيع إيران التعايش مع العقوبات الاقتصادية و الدليل على ذلك هو قدرتها على التكيف مع العقوبات الأمريكية التي تم فرضها في عهد الرئيس الإيراني الأسبق "أحمد نجاد"؛ حيث تتباهى طهران دائماً بقدرتها على الالتفاف على العقوبات الاقتصادية و النجاة من أثارها، وهذا ما أشار إليه الدبلوماسي والمفاوض النووي السابق "سيد حسين موسويان" بقوله "حتى لو لم يستطع الإيرانيون تصدير نقطة نفط واحدة، فلن يتخلوا عن حقوقهم.... فخلال الحرب التي تلت الغزو العراقي من 1980 إلى 1988 كان وضعنا أسوأ من هذا بكثير".

وعليه، فطهران التي حاولت التكيف مع العقوبات الاقتصادية لما يزيد عن 35 عاماً، يمكنها التعايش مع العقوبات الحالية من خلال السوق السودة و انخراط الحرس الثوري في أعمال غسيل الأموال العالمية، فضلاً عن قدرة نظام الجمهورية الإسلامية على إرجاع التحديات الخارجية والداخلية إلى مؤامرات معروفة، مما يمكّنه من تفادي الضغوط وتعزيز شرعيته في آنٍ واحد(4).

ثالثاً-هل يمكن أن يؤدى التصعيد الإيراني الأمريكي لحرب وشيكة؟

أبدت الولايات المتحدة الأمريكية و الجمهورية الإسلامية الكثير من مظاهر التصعيد و التهديد المتبادلة بين و التظاهر بامتلاك كلا الطرفين للمقومات اللازمة للدخول في حرب، ونتج عن ذلك قيام الولايات المتحدة الأمريكية بأرسال حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" وبعض القاذفات من طراز "بي 52" إلى المنطقة، فضلاً عن فرض واشنطن عقوبات جديدة على قطاع التعدين الإيراني بما يتضمن (منتجات الصلب والنحاس والألومنيوم)، بهدف حظر الصادرات الإيرانية من الأسواق الدولية(5).

في المقابل ردت الجمهورية الإسلامية بما يشبه حالة الخروج الجزئي من الاتفاق النووي، في إشارة إلي تعليق بعض المواد سيما التي تتعلق بتخصيب اليورانيوم و الاحتفاظ بالكمية المتاحة لديها من الماء الثقيل مع عدم الالتزام ببيعه في الأسواق الدولية، مع منح القوى الدولية مهلة ستين يومًا من أجل اتخاذ إجراءات جديدة لمواصلة التعاملات المالية والتجارية معها قبل الإقدام على خطوة تصعيدية جديدة بداية من 8 يوليو/حزيران القادم(6).

فعلى الرغم من كل محاولات التصعيد من قبل البلدين، إلا أنه من غير المعقول بالنسبة للطرفين الدخول في حرب فعلية تستنزف موارد كل منهما؛ فبالنسبة لطهران من غير الممكن بالنسبة لها مهما بلغت قوتها العسكرية الدخول في حرب مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تعد بمثابة أقوى دولة على مستوى العالم من الناحية العسكرية، فمن الممكن بالنسبة لطهران الدخول في حرب بالوكالة في الشرق الأوسط، التهديد بإغلاق المضايق مثل هرمز وباب المندب، تمويل عدد كبير من الميليشيات لتحقيق أهداف سياستها الخارجية ليس أكثر.

أما فيما يتعلق بواشنطن فهي أيضاً يوجد لديها ما يمنعها عن التورط في حرب جديدة في المنطقة، فمازالت الخسائر التي منيت بها في فيتنام و العراق ماثلة أمام أعين الشعب الأمريكي، فإذا كانت الإدارة الأمريكية الحالية المتمثلة في الرئيس "دونالد ترامب" و حزب المحافظين التابع له مستعدة للتصعيد مع طهران، لكن الولايات المتحدة الأمريكية في النهاية هي دولة مؤسسات و قرار الدخول في حرب ليس سهل أو يتم اتخاذه على المستوى الفردي من قبل رئيس أو حزب بعينه.

ختاماً:  اتضح مما سبق أن كلا الطرفين لا يريد الدخول في حرب مفتوحة مع الأخر ، ولكن يرغب كل منهما، سيما الولايات المتحدة الأمريكية في استخدام سياسة الضغوط التصعيدية من أجل أن يضطر الطرف الأخر للرضوخ لمطالبه؛ حيث تحتاج طهران إلي ابراز قدراتها سيما فيما يتعلق بدورها الإقليمي و علاقتها مع القوى الكبرى لتحسين موقفها التفاوضي إن اضطرت لذلك، أما بالنسبة لواشنطن فتريد العودة إلي طاولة المفاوضات مرة أخرى و إعادة الحديث حول بعض القضايا الشائكة مثل بنود الغروب، برنامج الصواريخ الباليستية فضلاً عن دور إيران في الشرق الأوسط.  

الهوامش:

1.       أمنية عبد الوهاب محمد زكى، السياسة الخارجية لإيران تجاه دول الخليج العربي “2010-2016”، المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية، الاقتصادية و السياسية، 17/7/2016، متاح على الرابط التالي:

 https://democraticac.de/?p=34164 .  

2.       مرﭬت زكريا، بعد قرار وقف الاعفاءات ...هل تستطيع تركيا وقف مبيعات النفط الإيراني، 3/5/2019، المركز العربي للبحوث و الدراسات، متاح على الرابط التالي:

 http://www.acrseg.org/41194?fbclid=IwAR0cZpgUuLXL50udT7s7oB1-W2cvcQajR03oFQ1TDVA2p6vgWX0D7rdcuVo .  

3.       ما هو حجم القوة العسكرية الإيرانية، 17/4/2016، روسيا اليوم، متاح على الرابط التالي:

   http://cutt.us/WF1P1 .

4.       روكسان فَرمانفرمايان، مناعة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، 16/4/2013، مركز الجزيرة للدراسات، متاح على الرابط التالي:

 http://studies.aljazeera.net/ar/files/iranandstrengthfactors/2013/04/2013410113918205987.html

5.       تصعيد جديد، لماذا قررت إيران تخفيض مستوى التزاماتها النووية؟ 12/5/2019، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، متاح على الرابط التالي:

 https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/4738  

6.       ضغوط إضافية: لماذا فرضت واشنطن عقوبات على قطاع التعدين الإيراني؟ 14/5/2019، الوكالة نيوز، متاح على الرابط التالي:

  http://cutt.us/SlfC5 .

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟