المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان

مخاوف متبادلة .. تأثير حالة اللايقين بين القوى السياسية السودانية على المرحلة الانتقالية

الأربعاء 22/مايو/2019 - 06:27 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
محمود جمال عبد العال

تشهد العلاقات بين أطراف التفاوض السودانية حالة من غياب الثقة، وهو ما قد ينعكس عاجلًا أو آجلًا على حالة الانتقال خاصة عند الأخذ في الاعتبار أهمية ضمان الاستقرار السياسي بالسودان لا سيما في ظل استمرار بعض النزعات الانفصالية لدى الجماعات المسلحة التي شملها اتفاق دارفور. وعلى وقع حالة العناد المستمرة بين الطرفين المدني والعسكري في السودان، تبدو الحلول للوصول إلى تداول للسلطة على أساس ديموقراطي كما تطالب قوى الحرية والتغيير في وضع متعثر. يُذكر أن السودان عرف حكمًا ديمقراطيًا لم يدم طويلًا في الأعوام 1964، و1985؛ حيث تبدوا الفترات الانتقالية التي مر بها السودانيون شبيهة إلى حدٍ بعيد بحالة التفاوض المتعثر التي يمر بها السودان اليوم(1).

في هذا السياق، أعلن المجلس العسكري الانتقالي عند إزاحة الرئيس "عمر البشير" المحسوب على التيار الإسلامي من السلطة أن المجلس سيحكم لفترة انتقالية لمدة سنتين، ولكن بسبب ضغوط المعارضة التي تحتشد أما مقرات الجيش وقياداته العسكرية، أُجبر المجلس العسكري الانتقالي على التفاوض والتنازل عن بعض شروطه، حيث قبل بمشاركة التيار المدني له في إدارة المرحلة الانتقالية. وفي مقابل ذلك، في المقابل، تعرض قوى الحرية والتغيير على المجلس العسكري رؤيتها للمرحلة الانتقالية؛ حيث عرضت تواجد ممثل للعسكريين في مجلس السيادة الذي سيتولى زمام الرئاسة خلال المرحلة الانتقالية بينما يقود المدنيين السلطة داخل المجلس، وكذلك عرضت أن يحظى العسكريون بممثلين من خلال حقيبتي الداخلية والدفاع في الحكومة الانتقالية المقبلة المتوقع أن تضم 17 وزيرًا يديرون البلاد في الفترة الانتقالية(2).

انطلاقًا من اختلاف الرؤى بين الجانبين، برزت العديد من الاشكاليات بفعل غياب حالة الثقة بين أطراف التفاوض والتي تبرز خاصة فيما يتعلق بتجميد التفاوض لمدة 72 ساعة وتأخر الإعلان عن تفاصيله النهائية، وفشله مؤخرًا ولجوء قوى التغيير للتلويح بالعصيان المدني. وفي حال تجاوز التصور الأخير للمرحلة الانتقالية مرحلة الخلاف بين الجانبين فإنه سيشهد خلافات طويلة متعلقة بتفاصيل إدارة المرحلة الانتقالية ذاتها.

توازن القوة، وعملية التفاوض

تمكنت الاحتجاجات السودانية بعد أربعة أشهر من الاحتجاجات من الضغط على البشير الذي أزيح عن السلطة، وبحسب محللين فإن هذه الفترة وعلى خلاف الاحتجاجات السابقة في أعوام 1964، و1985 والتي حققت أهدافها فقط بعد 5 أيام و 11 يومًا على التوالي، أعطت منذ بدء الاحتجاجات حتى إزاحة البشير الفرصة لقوى المعارضة السودانية من التشكل وتكوين نوع من أنواع التنظيم، وإجماع الموقعين على إعلان قوى الحرية والتغيير، والذي يضم أربع قوى رئيسية هي "تجمع المهنيين السودانيين"، "الإجماع الوطني"، "نداء السودان"،  و"التجمع الاتحادي المعارض" فيما يتعلق بأهداف إدارة المرحلة الانتقالية.

وضع هذا الإجماع المجلس العسكري الانتقالي الذي يقوده الفريق ركن "عبدالفتاح برهان" في مواجهة جبهة معارضة موحدة إلى حد ما، بحيث تصر على مطالبها وتعيق أي محاولة للهيمنة عليها من جانب العسكريين الذين يقعون تحت ضغوط أخرى تتعلق بتسليم السلطة وإنهاء المرحلة الانتقالية بتشكيل حكومة مدنية  من جانب القوى الدولية كالاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية، والقوى الإقليمية كالاتحاد الأفريقي الذي تدخلت مصر لديه باعتبارها ترأس الدورة الحالية له للسماح بمد تسليم السلطة للحكومة المدنية إلى ثلاثة شهور بعد أن كان أمهلهم شهرًا واحدًا في البداية.

يعتبر البعض أن إدراك قوى المعارضة السودانية أن الحكومات المدنية ذات عمر قصير بالسودان، قامت بالتصعيد والضغط بالاحتجاجات على المجلس العسكري لتحقيق هدفين رئيسين هما؛ تشكيل حكومة انتقالية مدنية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. وبحسب محللين فإن حالة التشنج بين الطرفين تعكس الخوف من أن تسوء الأمور في غير صالح الطرفين خاصة قوى المعارضة المدنية. فرغم اتفاق قادة المجلس العسكري مع قادة المعارضة على العناصر الأساسية للاتفاق بين الطرفين سواءً تشكيل مجلس سيادي يضم عسكريين ومدنيين، أو حكومة انتقالية تنفيذية، ومجلس تشريعي تكون أغلبية الثلثين فيه لقوى الحرية والتغيير، لكن مع ذلك تبقى الأمور في غاية الضبابية، وبحسب محللين يبقى الخلاف الرئيس بين الجانبين حول طبيعة الدور المفترض أن يلعبه العسكريون في المجلس السيادي.

معوقات تجاوز المرحلة الانتقالية

يرى محللون أنه حتى لو تم التوصل لاتفاق بشأن المرحلة الانتقالية وتحديد السلطات بين الطرفين، فإن هناك عدد من التحديات التي تبدو كعائق في طريق تجاوز عنق الزجاجة الذي لم تستطع الثورة السودانية الخروج منه لليوم، ومن أهم تلك التحديات هي الحفاظ على وحدة قوى المعارضة التي تتكون من خليط غير متجانس، حيث تتشكل من 22 حزبًا يمينيًا وإسلاميًا واشتراكيًا، وكذلك عدد من الاتحادات التجارية وأساتذة الجامعات وحركات أخرى شبابية(3).

يبدو الخلاف متوقعًا خاصة فيما يتعلق بالجناح السياسي للمعارضة والتي تضم كلًا من قوى الإجماع الوطني والتي بدورها تعتبر من أكبر التجمعات الحزبية؛ حيث تضم 4 أحزاب رئيسة هي حزب الأمة، والحركة الشعبية لتحرير السودان، حزب المؤتمر الشعبي، والحزب الشيوعي السوداني، وقوى نداء السودان والتجمع الاتحادي الوطني وتتكون من عدد من الأحزاب الصغيرة. وعلى الرغم من اتفاق تلك الأحزاب على أجندة ما بعد "البشير"، إلا أن أعضاء القوى المشاركة في هذه التكتلات داخل قوى التغيير تبدو غير متفقة على من يجب أن يمثل المعارضة أو من هم الأشخاص الذين يجب أن يمثلوا المعارضة في قيادة الحكومة المدنية الانتقالية المقبلة، وكذلك يبرز خلاف حاد بين بعض القوى السياسية وتجمع المهنيين السودانيين حول التخلص من تواجد الحركات المسلحة؛ حيث تُصر بعض القوى السياسية على استبعادهم بينما يصر تجمع المهنيين على ضمهم(4). وهناك تباين آخر بين بعض القوى السياسية ومطالب المتظاهرين التي تعتبر أنها أحيانًا غير واقعية وصعبة التحقيق.

ويبدو أن القوى الإسلامية هي العقبة الأهم أمام الحراك في السودان؛ حيث تتشابك في تحالف طويل الأمد مع النظام السابق، فحزب التجمع الوطني -المستبعد من تحالف القوى والتغيير  دعَّم حكم "البشير" لأكثر من عقدين، وعمل على تمرير وتطبيق عدد من السياسات التي تكرس للدولة الدينية وتهدر حقوق الإنسان-  يتحالف مع رموز نظام الإنقاذ ونخبه المدنية والعسكرية، وهو ما تراه قوى التغيير  يشكل التهديد الأكبر على مسار التحول الديموقراطي في البلاد.

دفع استبعاد هذا الحزب عدد من الأحزاب الإسلامية الموجودة في صفوف المعارضة على شق الصف مبكرًا، وفتح قنوات للتواصل مع أعضاء من المجلس العسكري ذوي التوجهات الإسلامية ومع "برهان" نفسه بشكل مباشر، وهو الأمر الذي كانت من نتائجه إيقاف عملية التفاوض وعملية تسليم السلطة من قبل المجلس بحجة ضرورة وجود إجماع مسبق بين قوى المعارضة على ترتيبات المرحلة الانتقالية(5).

بالإضافة إلى هذه التحديات والخلافات، توجد العديد من الانشقاقات التي حدثت داخل الأجهزة الأمنية في البلاد، وكذلك العلاقة المقبلة بين الحكومة والحركات المسلحة في دارفور، وجنوب كردفان، وولاية النيل الأزرق، وهي تحديات استراتيجية تؤثر على وضع السودان وبقاؤه كدولة موحدة. ويتخوف السودانيون من حالة الصراع المكبوتة بين أجهزة الدولة العسكرية والأمنية كالجيش والشرطة والدعم السريع والتي عمل نظام الحركة الإسلامية في السودان على تأجيج الخلافات فيما بينهم طوال الثلاثين عامًا المنصرمة. ويتعزز هذا التخوف من الرؤية المختلفة للأجهزة الأمنية وقوات الجيش والشرطة من المظاهرات(6).

يظل التحدي الأخطر أمام السودانيين مرتبطًا بالتعامل بين السلطات السودانية بالتحديد المجلس العسكري الحالي والحركات المسلحة في مناطق النزاع التي ذكرت سلفًا؛ حيث ينسب المجتمع الدولي إلى عدد من أعضاء المجلس العسكري الحالي انتهاكات متعلقة بحقوق الإنسان بجانب "البشير" الذي ما زال مطلوبًا للمحكمة الجنائية الدولية بسبب ما وصفته بجرائم حرب في دارفور. فعلى سبيل المثال توجد العديد من التحفظات بشأن نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دجالو "حميدتي" المتهم بالتورط مع الحركة الإسلامية بأزمة دارفور. وتسيطر قوات الدعم السريع التي يقودها "حميدتي" على الخرطوم مما أشاع حالة من عدم الثقة سواءً بين أوساط المعارضة المدنية أو الحركات المسلحة التي قد يتعذر عليها الحوار أو الشراكة مع المجلس العسكري بشأن الحكومة الانتقالية في ظل هذا الوضع(7).

رؤية استشرافية... تطورات الوضع السياسي

وفقًا لما تنبئ به الأخبار الواردة من الخرطوم، فإن المرحلة الانتقالية قد تمتد لثلاث سنوات، بحيث تكون الستة أشهر الأولى بهدف إنهاء حالة الحرب وعدم الاستقرار، كما سيكون لقادة الحراك المدني اليد الطولى في اختيار وزراء الحكومة الانتقالية ممَّن يُشهد لهم بالكفاءة، وكذلك تشكيل مجلس تشريعي من 300 عضو، 200 منهم تختارهم قوى الحرية والتغيير، و100 من الأحزاب السياسية بالاتفاق بين الطرفين، ولجنة تحقيق مشتركة من المدنيين والعسكريين لحماية المدنيين وتقصي الحقائق(8). وتبقى أهم نقاط الاتفاق المزمع الإعلان عنها بشكل نهائي هي تشكيل المجلس السيادي الذي سيضم 11 عضوًا؛ حيث تبقى نقطة ما إذا كانت الأغلبية في المجلس السيادي ستكون للمدنيين أم العسكريين من أهم النقاط الخلافية، فيما يُطرح أمر تبادل الرئاسة بين الطرفين(9).

ويُمكن أن تُعطى خطوة تأجيل الانتخابات الفرصة لحل القضايا المعقدة التي تعيشها السودان مثل إنهاء سطوة الدولة الدينية و معاناة المناطق المهمشة التي تعاني من الصراعات المسلحة، والعمل على رفع العقوبات الدولية، فالسودان يحتاج حسب محللين عملية إصلاح بطيئة تعمل على بناء المؤسسات من خلال عملية تكنوقراطية وديمقراطية لا تعتمد على المؤسسات التي اعتمد عليها نظام الحركة الإسلامية بزعامة "البشير" مع الأخذ في الاعتبار أهمية الولوج إلى قيادات توافقية تستطيع استيعاب مصالح النخب السياسية، والاقتصادية، والعسكرية في البلاد حيث لا يُمكن التعويل على الوصول لحكم ديمقراطي أو نجاح المرحلة الانتقالية دون ذلك.

ختامًا؛ يُمكن الإشارة إلى عددٍ مهم من الضرورات الواجب تطبيقها لبلوغ الدولة وتجاوز حالة الثورة في السودان:

·       ضرورة أن تسعَ القوى السياسية والعسكرية في السودان لتجاوز خلافاتها الشخصية والأيديولوجية لتجاوز حالة عدم الاستقرار السياسي التي يُمكن أن تحفز الجماعات السودانية التي ما زالت تحمل السلاح في وجه الدولة لإشاعة حالة من عدم الاستقرار.

·       ضرورة أن يتوافق السودانيون على جدول زمني بتوقيتات معينة يتم على إثره تسريع العملية الانتخابية التي ستكون أحد أهم أركان إرساء مبادئ الدولة.

·        ضرورة أن تتحلى أطراف التفاوض بروح المبادرة والمبادأة، وتتجاوز مصالحها الشخصية والحزبية، وذلك بهدف بناء الثقة وتجاوز حالة اللايقين التي يعيشها السودانيون منذ عزل "البشير".

·       ضرورة تغليب مبدأ التسامح السياسي بين أطراف الصراع من خلال تقديم التنازلات والتسليم بأن التوافق فرض عين بهدف تحقيق الاستقرار والتنمية الاقتصادية.

·       ضرورة الاستمرار في تغييب لغة العنف بين الأطراف الفاعلة في المشهد السوداني، وذلك لتمكين مرحلة بناء الثقة بين الأطراف.

الهوامش

1.             Willow Berridge, Sudan: The difficult path to democratic rule, Middle East Eye, https://www.middleeasteye.net/opinion/sudan-difficult-path-democratic-rule

2.             Ibid

3.       المعارضة السودانية تتفق على 'إعلان الحرية والتغيير'،  ميدل إيست اونلاين، 2019/02/13،الرابط:

http://tiny.cc/unc36y   

4.             Andrew Tchie, The key hurdles Sudan must clear to install democracy, IISS, (17/5/2019) https://www.iiss.org/blogs/analysis/2019/05/key-hurdles-in-sudan  

5.             Willow Berridge, Sudan: The difficult path to democratic rule, Middle East Eye, Op. Cit.

6.       الخليج أونلاين، 6 قتلى في مظاهرات السودان والجيش يشتبك مع الأمن، 09-04-2019، الرابط:

http://khaleej.online/gvPzYq

7.             Willow Berridge Op. Cit

8.             Sudan negotiators reach 3-year transition deal, Africa Times (15/5/2019) https://africatimes.com/2019/05/15/sudan-negotiators-reach-3-year-transition-deal/

9.       مظاهرات السودان: المجلس العسكري يقول إن الخلاف الأساسي مع قوى إعلان الحرية والتغيير لا يزال قائما، BBC عربي (21/5/2019)، الرابط:

http://www.bbc.com/arabic/middleeast-48345571

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟