المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان

دبلوماسية التنمية.. استراتيجية الهند بعد فوز "ناريندرا مودي"

السبت 01/يونيو/2019 - 06:50 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
آية عبد العزيز

استطاع الحزب الحاكم "بهاراتيا جاناتا" بزعامة "ناريندرا مودي" رئيس الوزراء الهندي الحالي في إحراز تقدم في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي بدأت في 11 أبريل/ نيسان 2019 وحتى 19 مايو/ أيار 2019، ليحقق فوزًا كبيرًا على حزب المعارضة "المؤتمر" بقيادة "راهول غاندي"؛ حيث احتل المرتبة الأول بحصوله على 302 مقعد، من أصل 542 مقعد، هو العدد الذي يزيد عن عدد المقاعد المطلوبة لتحقيق الأغلبية في البرلمان وعددها 272 مقعدًا، ليعد أول حزب يحقق أغلبية برلمانية مرتين على التوالي منذ عام 1984.

 وقد وعد "مودي" إبان حملته الانتخابية بإعادة بناء الهند دولة قوية وشاملة داعمًا استمرار سياساته القائمة على تحقيق التنمية الاقتصادية، وجعل الهند من أهم القوى الدولية الكبرى، والفاعلة في النظام العالمي، بجانب تبنيه شعار "معًا ننمو"... "معًا نزدهر". (1)

دلالات التصويت لليمين الشعبوي

مثلت الانتخابات البرلمانية التي بلغت نسبة المشاركة فيها 66% تقريبًا مقارنة بـ 58% في انتخابات عام 2014، استفتاءًا قويًا على استراتيجية "مودي" في إدارة البلاد خلال الخمس أعوام الماضية، وقدرته على جعل الهند قوى دولية كبرى، خاصة مع تبنيه سياسة التصعيد الحاد مع باكستان على غرار التفجير الانتحاري الذي تعرضت له قافلة شبة عسكرية في 14 فبراير/ شباط وأسفرت عن مقتل 40 جنديًا هنديًا،(2) وتعهده باتخاذ إجراءات أكثر صرامة مع النزعات الانفصالية في كشمير ذات الأغلبية المسلمة، مع تنامي وتيرة التوترات على الحدود مع باكستان.

كما عززت تنامي قوى اليمين المتطرف على الصعيد العالمي، بالرغم من تعرض الحزب الحاكم للكثير من الانتقادات، نتيجة سياساته العنصرية التي تحمل في طياتها الانحياز للقوميين من الهندوس على حساب الأقليات الأخرى، وتراجع معدلات النمو الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة إلا إنه استطاعت الفوز على حزب المعارضة الذي تبني إبان حملته الانتخابية النهج الثوري والهجومي على سياسات "مودي" دون تقديم برنامج واضح يمكن التحرك من خلاله لمواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية المتعلقة بالأمن القومي الهندي. (3)

تحولات السياسة الخارجية الهندية

شهدت السياسة الخارجية الهندية عدد من التحولات الاستراتيجية، كان أبرزها مع صعود "مودي" إلى السلطة؛ حيث سعى إلى دفع الهند إلى أن تكون قائدة عالمية، لضمان بقاءه في الحكم، مع انتهاجه سياسات اقتصادية قائمة على الانفتاح، وإقامة شراكات استراتيجية مع جميع دول العالم، لدعم الاقتصاد الداخلي، وزيادة فرص الاستثمار لمواجهة معدلات البطالة المتزايدة.

وفي هذا السياق، لعبت المتغيرات الدولية والإقليمية دورًا واضحًا في صعود "مودي" واستمراره مرتين متتاليين في منصبه دون منافس قوى، تجلت على النحو التالي:

1.      الإرهاب؛ ففي مرحلة ما بعد 11 سبتمبر بدأت الدول في الإعلان عن استراتيجيتها في مكافحة الإرهاب، وطرح سبل للتعاون والتنسيق مع الدول المجاورة، والقوى الدولية الكبرى للتصدي لكافة آليات دعم الإرهاب العالمي، علاوة على تجفيف منابع التمويل الخاصة به، خاصة عندما تم استخدامه كأداة من قبل الدول القومية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية.

الأمر الذي استغلته الهند، مدعومة بتفاعلها الاقتصادي المتزايد مع دول العالم، لاستهداف باكستان في وقت كانت فيه "إسلام أباد" غير قادرة، وأحيانًا غير راغبة، على السيطرة على انتشار التنظيمات الإرهابية المتمركزة على أراضيها. كما إن القيادة الهندية أعلنت عن موقفها الرافض وللدول الراعية للإرهاب، وداعمة لاستراتيجية الولايات المتحدة في مكافحته.

2.      تغير المناخ؛ تعالت الدعوات من قبل بعض الدول للحد من تنامي ظاهرة الاحتباس الحراري، لمواجهة تغير المناخ وارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية بشكل ملحوظة، على خلفية زيادة التلوث الناتج عن التصنيع غير الآمن، مما أدى إلى انخراط الهند مع بقية العالم، بما في ذلك الصين، وأعلنت التزامها بالاتفاقيات التعاونية والإطارية لمكافحة تغير المناخ. وفي عام 2016، أعلنت الهند أنه يجب على جميع الدول أن تكون ملتزمة قانونًيا بتحقيق الأهداف الرئيسية لاتفاقية تغير المناخ ثم صادقت على اتفاقية باريس.

3.      صعود الصين؛ ساهمت التحولات الناشئة في منطقة آسيا، في تغير موازين القوى فيها لصالح الصين على كافة الأصعدة، مما أدى إلى رغبة الهند في مواجهة هذه القوى مستندة على الدعم الأميركي، وكذلك العلاقات الوثيقة مع حلفاءها مثل اليابان وأستراليا وفرنسا.

وعليه فقد استمد "مودي" شرعيته ليس فقط من سياساته الإصلاحية الداخلية، ولكن من تحركاته الخارجية التي تدعم موقف الهند، وثقلها في التفاعلات الدولية الموازية للصين.

4.      تراجع باكستان؛ أدى ثبات السياسة الباكستانية، وانشغالها بالتطورات الداخلية، وعدم قدرتها على فرض هيمنتها على كاملة سيادتها الجغرافية، علاوة على تنامي الفاعلين من غير الدول على أرضيها، إلى انحياز القوى الكبرى تجاه الهند في خلافاتها مع باكستان.

 ويرجع ذلك إلى النظر إلى تحركات الهند تجاه باكستان في إنها في سياق حماية أمنها القومي، والحفاظ عليه من تسلل بعض الجماعات الإرهابية إليهم عن طريق الحدود المشتركة بينهم، هو الأمر الذي يفسر عدم معارضة الهند في سياساتها الصارمة تجاه إقليم كشمير في الآونة الأخيرة. (4)

مستقبل السياسة الخارجية في عهد "مودي"

تمكن "مودي" من الفوز في الانتخابات نتيجة سياساته التي انتهاجها خلال فترة حكمه السابقة التي استمرت خمس سنوات منذ فوزه في انتخابات مايو/ أيار 2014 على القوى السياسية التقليدية في الهند، رافعًا شعار الهند أولًا، ومرتكزًا على السياسات النيوليبرالية، علاوة على اتباعه استراتيجية خارجية مغايرة عن سابقيه، تسعى إلى أن تجعل الهند فاعلًا دوليًا في محيطها الجغرافي، ولاعبًا بارزًا في الملفات الدولية المثارة.

 فضلاً عن تعزيز قوة الهند الناعمة من خلال إقامة قنوات للحوار ما بين المغتربين الهنود ووطنهم، مع اتخاذه شعار جديد يساهم في توطيد التعاون مع الغرب أي دول الشرق الأوسط، وبالفعل فقد تمكن من ذلك من خلال الزيارات المتبادلة والاتفاقيات التعاونية مع دول الشرق الأوسط منهم دول الخليج العربي، وإسرائيل ومصر وذلك لخلق مؤطى قدم جديد للهند في ديناميات الشرق الأوسط.

لذا فمن المتوقع أن يستمر على هذا النهج مع تقوية بنية النظام السياسي الداخلي، ولا سيما في مجال الأمن والاقتصاد والدفاع، لمواجهة التحديات التنموية الداخلية والتهديدات الخارجية خاصة من دول الجوار مثل الصين التي تعمل على أن تكون القوى الآسيوية الكبرى دون منافس، هو ما يتجلى في تحكمها في مسار التفاعلات الخاصة بمنطقة بحر الصين الجنوبي، وفرضها لآليات الهيمنة الدولية عليه. (5)

كما سيسعى إلى تعزيز سبل التعاون مع دول الشرق الأوسط ولا سيما دول الخليج العربي، وذلك للاستفادة من التدفقات المالية للعمالة الهندية موجودة هناك، فضلاً عن رغبة الهند في زيادة الاستثمار مع الدول الخليجية في مجال البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا من خلال إبرام عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم لتوثيق العلاقات على كافة الأصعدة، ووصولها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

الهوامش

1.             "INDIA LIVE-"Together we prosper," Modi says; opposition concedes defeat in election", Reuters, 23-5-2019.

 https://www.reuters.com/article/india-election/india-live-together-we-prosper-modi-says-opposition-concedes-defeat-in-election-idUSL4N22Z0N3

2.             " Indian elections: Modi on track for decisive victory”, exit polls suggest", The Guardian, 19-5-2019. 

https://www.theguardian.com/world/2019/may/19/indians-vote-final-stage-gruelling-election-campaign-narendra-modi

3.       " مودي يحقق فوزا مذهلا في انتخابات الهند"، روتيرز، 23 مايو 2019.

https://ara.reuters.com/article/worldNews/idARAKCN1ST0PX

4.             Uzair Younus, "India’s Foreign Policy Evolution", The Diplomat, 26-3-2019. https://thediplomat.com/2019/03/indias-foreign-policy-evolution/

5.       آية عبد العزيز، "تحولات جديدة.. كيف تتغير السياسة الخارجية الهندية تجاه «إسرائيل»؟، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 22 يناير 2018.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟