المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
إيمان أحمد عبد القادر
إيمان أحمد عبد القادر

الفوارق الطبقية والتمييز .. وضع الأقليات في إسرائيل

الثلاثاء 09/يوليه/2019 - 09:41 م
المركز العربي للبحوث والدراسات

رغم قيام دولة إسرائيل على احتلال الأراضي الفسلطينية، وبناء قوة عسكرية واقتصادية خاصة، إلا أن الجوانب الاجتماعية ظلت أحد أكبر المشاكل التي تواجهها اسرائيل. حيث يشهد المجتمع الاسرائيلي انقسامات داخلية نتيجة هيكله غير المُتجانس لتعدد الأقليات فيه. ففي البداية دارات المناقشات المتعلقة بالأقليات حول قبول وجود إسرائيل أم لا، إلا أنها في أعقاب الاحتلال الجديد بعد عام 1967 اكتسبًا بعدًا جديدًا. فقد باتت تتصرف وفق اقتناعها بأنها لم تعد تستقر على هذه الأراضي. وبناء على اتفاقيات أوسلو، أنشأ العرب المسلمون، والأقليات عمومًا، وحتى اليهود الذين عرفوا أنفسهم كليبراليين من أجل حماية الحقوق وحمايتها من جميع الأقليات، عددًا من المنظمات غير الحكومية، والجمعيات، ومراكز البحوث المشتركة.

      وفي خلال هذة السنوات ، بدأت قضايا الأقليات في إسرائيل تتشكل بالفعل في إطار تحديد الحقوق التي ينبغي أن تتمتع بها هذة الأقليات في إسرائيل. وفي هذا الإطار يمكن تقديم عرض تحليلي للاقليات في إسرائيل من عدة جوانب كـ: الأصول، والبنية الاجتماعية، ومدى المشاركة في الحياة الاجتماعية. بالإضافة الي توضيح الفوارق الطبقية، والتمييز القائم بين تلك الأقليات، كأحد أهم أسباب اندلاع الأزمة الأخيرة التي شهدتها اسرائيل. ليبقى في النهاية سؤال رئيسي: هل من الممكن أن تتجدد تلك الأزمة مرة أخري؟، وماهو المصير المُتوقع لتلك الأقليات ؟.

طبيعة الأقليات في إسرائيل

                 يبلغ عدد السكان غير اليهود في اسرائيل حوالي 1.8 نسمة، وهم يشكلون حوالي 24% من مجموع السكان. ومع أن التعريف الشامل "المواطنون العرب في اسرائيل" ينطبق عليهم عامة، إلا أن بينهم عدداً من أبناء الطوائف الأخرى الذين يتكلم معظمهم العربية، وتنقسم تلك الطوائف إلي: (1)

- العرب المسلمون

يسكن العرب المسلمون البالغ عددهم نحو 1.2 مليون نسمة، والذين تنتمي الغالبية العظمى منهم إلى السنّة، في القرى والبلدات، حيث يقيم ما يزيد عن نصفهم في منطقة الشمال.

- العرب البدو

ينقسم العرب البدو، وهم من المسلمين كذلك، ويقدر عددهم بربع مليون نسمة، إلى نحو 30 عشيرة، يتوزع معظمها على مساحات شاسعة من منطقة الجنوب، فيما يعيش الآخرون في الشمال. والجدير بالذكر أن اولئك البدو الذين كانوا رُحّلاً فيما مضى، يمرون بمرحلة تحول من المجتمع القبلي إلى المجتمع المُقيم.

- العرب المسيحيون

أما العرب المسيحيون، والذين يُقدر عددهم بنحو 123,000 شخص، فيسكنون أساسًا في المدن، ومنها الناصرة، وشفاعمرو، وحيفا. وينتسب معظمهم إلى طوائف الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس واللاتين، إلا أن العديد من الطوائف المسيحية الأخرى لها أيضًا حضور، وإن كان اسميًا فقط في بعض الحالات.

- الدروز

يقطن الدروز البالغ عددهم نحو 122,000 نسمة، 22 قرية في شمال إسرائيل. حيث يشكلون مجتمعًا منفصلاً ثقافيًا، واجتماعيًا، ودينيًا. ومع أن الديانة الدرزية لا تكشف أسرارها لغير الدروز، إلا أن ثمة جانب من جوانب فلسفتها أصبح معروفًا، وهو مفهوم التقية الذي يقضي بولاء أبناء الديانة الكامل لحكم البلاد التي يقيمون فيها.

- الشركس

ينفرد الشركس البالغ عددهم حوالي 4000 نسمة بقريتين في شمالي البلاد، ويُعدون من المسلمين السنة، رغم أنهم لا ينحدرون من أصول عربية، ورغم أن خلفيتهم الثقافية ليست جزءًا من ثقافة المجتمع الإسلامي. ففي الوقت الذي يحافظ فيه الشركس على هويتهم الإثنية المُتميزة، هم يشاركون في الحياة الاقتصادية، دون الاندماج في المجتمع اليهودي، ولا في المجتمع الإسلامي.

الفوارق الطبقية والتمييز

                تتعدد أشكال الصراع الداخلي في المجتمع الإسرائيلي؛ ولعل الأصل في كل هذا يكمن في عدم وجود خلفية، وهوية موحدة تضم جميع المواطنين. فهو مجتمع منقسم بين يهود غربيين، الأشكناز، ويهود شرقيين، السفارديم، يدوربينمها صراع مُمتد منذ تأسيس الدولة الإسرائيلية. كما أن هناك المتدينون، حريديم، والعلمانيون، وبينمها عداء أيديولوجي قديم أيضًا. هذا بالإضافة إلي اليهود الروس، واليهود الفلاشا القادمون من أثيوبيا. وهناك كذلك الصراع التاريخي المعروف بين اليسار، واليمين، والوسط، واليمين المُتطرف. ناهيك عن الفقراء، والأغنياء الذين تتزايد الفجوة الاجتماعية بينهم على نحو مُتسارع.

ومع قرب اختفاء اليسار الإسرائيلي، وسيطرة اليمين الإسرائيلي على الحياة السياسية، نجد استطلاعًا للرأي في13مارس عام 2011، كان قد اجراه معهد داحاف الإسرائيلي، أظهر ارتفاع نسبة العنصرية، والتطرف في أوساط الشبان الإسرائيليين، ولاسيما حيال العرب. حيث إن 23% منهم يؤمنون أن الانقسام الحاصل بين المتدينين، والعلمانيين هو التهديد الأكبر لإسرائيل. إذ أكدت نتائج الاستطلاع ارتفاع نسبة من يعتبرون أنفسهم يمينيين، من 48% في 1998 إلى 62% في 2010، وفي المقابل تراجعت نسبة اليسار في المجتمع إلى12% فقط. كذلك فإن الصراع بين الأشكناز، والسفارديم يعتبر صراع أيديولوجي طبقي بين يهود الغرب، ويهود الشرق؛ حيث إن الأشكيناز هم الطبقة العليا في إسرائيل، التي تتمتع بالغنى، والهيمنة على المؤسسات السياسية، والاجتماعية، وهم الطبقة الأكثر حصولًا على الأجور المرتفعة. وكانت غالبية حكماء الصهيونية، الذين حضروا المؤتمر الصهويني الأول، من الأشكناز، الذين يُعتقد بأنهم هم من وضعوا بروتوكولات حكماء صهيون(2).

      أمَّا اليهود السفاريم، هم اليهود الشرقيون أو يهود الشرق الأوسط، الذين جاءوا من الشرق، والدول العربية، والعالم الثالث بشكل عام. ويُعتبر السفارديم هم الطبقة الدُنيا داخل المجتمع الإسرائيلي، وهي الطبقة التي لا تملك سوى الفقر وتوابعه، كما أن أصحابها يعملون في المهن الشاقة، ويتقاضون رواتب أقل بكثير من الأشكيناز، ومن هنا يمكننا القول بأن المجتمع الإسرائيلي مجتمع عنصري تغذي على عنصرية تلك الطبقية المُتشابكة والمُركبة. وبما أن اليهود الأشكناز هم من وصلوا فلسطين أولًا، فقد وضعوا أساس الدولة على غرار المجتمعات الأوربية التي عاشوا فيها، وهذا جعلهم يشعرون بأنهم أرقى من اليهود الشرقيين، وتحول الأمر بعد ذلك لصراع بين الطبقتين، اتخذ عددًا من أشكال العنف، والفصل العنصري.

    أما يهود إثيوبيا - المعروفين باسم بيتا إسرائيل - فلهم تاريخًا طويلًا من المجاعة والاضطهاد الديني والحروب الأهلية. ولكن في القرن العشرين ، مرّ المجتمع ببعض التغييرات الرئيسية ،ففي عام 1974 ، في أعقاب الانقلاب ، أصبحت إثيوبيا تحت الحكم الديكتاتوري الماركسي وتولي العقيد منغستو هيل ماريام ومن خلالة، ارتفعت معاداة السامية ، وتدهورت الظروف المادية لبيتا إسرائيل ،  تزامناً مع المجاعة في جميع أنحاء البلاد. وفي مايو 1977 ، بدأ الرئيس الإسرائيلي مناحيم بيغن ببيع الأسلحة لحكومة ماريم ،ثم لاحقا أخرجت إسرائيل 200 يهودي من إثيوبيا على متن طائرة أفرغت شحنتها من الأسلحة .

    أما بين عامي 1977 و 1984، جاء مجموعه 8000 يهوديًا إثيوبيًا إلى إسرائيل في عدد من عمليات النقل الجوي الصغيرة ، وجميعها مأذون بها ، وإن يكن على مضض ، من قبل الحكومة الإثيوبية ، ثم بدأت عملية واسعة النطاق في عام 1984 سميت بعملية موسى ، وهي مهمة جلبت 8000 يهودي إلى إسرائيل في غضون بضعة أشهر فقط العملية ، والتي بدأت في نوفمبر 1984 ، وانتهت في يناير 1985 عندما وصلت أنباء الجسر الجوي إلى الحلفاء العرب لإثيوبيا. إضافة الي العملية الأخيرة والأكثر دراماتيكية على نطاق واسع كانت عملية سليمان حيث  تم نقل 14،325 بيتا إسرائيل جواً إلى إسرائيل في 36 ساعة يومي 24 و 25 مايو 1991 وسط اضطرابات سياسية أجبرت ماريم على الفرار من البلاد نظرا لسياساته القهرية وبحلول نهاية عام 1991 ، لم يبق في إثيوبيا سوى حفنة من بيتا إسرائيل ، على الرغم من أن آلافاً كثيرة من فلاشا مورا ، التي تم التشكيك في هويتها اليهودية ، لا تزال قائمة حتى اليوم.

ونشأت العديد من المشاكل في حين أن العمليات التي أدت إلى خروج بيتا إسرائيل كانت دراماتيكية وسريعة ، فإن الاندماج في المجتمع الإسرائيلي كان بطيئًا للغاية حتى اليوم ، لا تزال الجالية اليهودية الإثيوبية في إسرائيل تعاني من مشاكل: فهي مهمشة اجتماعيًا ودينيًا وجغرافيًا ومهنيًا.عندما وصلوا لأول مرة ، كان يتم توفير السكن في كثير من الأحيان في منازل متنقلة تقع في المناطق المحيطة بإسرائيل، كانت ظروف السكن قاتمة بشكل منتظم ، ولم يتم تسخينها بشكل كاف في فصل الشتاء أو تم تبريدها في الصيف. كان الإثيوبيون معزولين ومحرومين ، مع وجود أطفال بعيدون عن المدارس اللائقة، حيرت الحياة في مجتمع صناعي عصري العديد من كبار السن من أفراد المجتمع ، وغالباً ما كان التكيف مع أشياء بسيطة مثل الكهرباء أمرًا صعبًا(3).

     أما يهود مزراحي وعلى الرغم من غالبًا ما يتم الخلط بينه وبين اليهود السفارديم (لأنهم يتقاسمون العديد من العادات الدينية) ، إلا أن يهود مزراحي لديهم تراث منفصل فهم يأتون من أصول من الشرق الأوسط ، ويرجع تاريخ أقدم مجتمعاتهم إلى العصور القديمة المتأخرة ، وكانت أقدم وأكبر هذه المجتمعات في العراق الحديث (بابل) وإيران (بلاد فارس) واليمن. واليوم ، يعيش معظم اليهود المزراحيين إما في إسرائيل أو في الولايات المتحدة. في بيوتهم الجديدة ، يكون اليهود المزراحيون أكثر من غيرهم من اليهود في الحفاظ على روابط قوية مع الآخرين من بلدهم الأصلي . وبالتالي ، فإنه ليس من غير المألوف العثور على كنيس فارسي أو بوخاران على وجه التحديد. وبالمثل ، لا يتحد اليهود المزراحيون بلغة يهودية واحدة بل أن كل مجموعة فرعية تتحدث لغتها الخاصة.

    اخترقت ثقافة المزراحي الفريدة المجتمع السائد في إسرائيل في السنوات الأخيرة. دخلت الموسيقى اليمنية مشهد البوب ​​مع عوفرة هزاع ، الذي مزج الآلات التقليدية والإيقاعات والأغاني مع الذوق الحديث. وتم يخلق فضّاء يمنيون أشياء مقدسة يستخدمها اليهود من جميع الخلفيات(4).

الأزمة الاخيرة وطبيعتها

      اندلعت الاشتباكات بين المُحتجين وقوات الشرطة في أنحاء عدة من إسرائيل عُقب تشييع جثمان سلومون تيكا، البالغ من العمر 18 عامًا. حيث شهد الأحد الماضي قتل تيكا، الشاب الإسرائيلي من أصول إثيوبية على يد أحد أفراد الشرطة. وقد نتج عن تلك الواقعة خروج الآلاف من المتظاهرين في عدد من المدن الإسرائيلية إلى الشوارع، ونظم البعض اعتصامات، و قاموا بإغلاق الشوارع، اعرابًا عن غضبهم وثورتهم ضد تلك الحادثة. فاليهود الإثيوبين، المعروفين بيهود الفلاشا قد تم نقلهم الي اسرائيل بين عقدي  الثمانينيات، والتسعينيات من القرن العشرين، وواجهوا الكثير من التمييز المُمنهج، والعنصرية، فضلاً عن الافتقار إلى التعاطف معهم في ما يواجهونه من صعوبات الحياة .

      ولم تكن الأحداث الأخيرة هي الأولى من نوعها، فيُذكر أنه بعد وصولهم لاسرائيل بسنوات قليلة اشتعلت مواجهات قوية بينهم وبين شرطة الاحتلال، كان أبرزها في 2015، حين ضرب شرطي جندياً من يهود الفلاشا، ولم يُتخذ أي إجراء ضده. لكن الجدير بالذكر أنه في الحدث الأخير، اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الأقلية الإثيوبية في إسرائيل تواجه العديد من المشكلات، لكنه ناشد المُحتجين بالتوقف عن أعمال التخريب، وإغلاق الطرق، والاعتصامات.

      تمارس إسرائيل سياسة الضغط تجاه يهود الفلاشا منذ زمن طويل، حيث تسببت في مقتل ثلاثة شبان من أصول إثيوبية في العامين الأخيرين. ويُرجح المُحللون السياسيون والمُختصون في الشأن الإسرائيلي أن حادث مقتل الشاب الإثيوبي صاحب الـ18 عاما، لن يكون الأخير، وإنما هو نتاج عقيدة الجندي الإسرائيلي تجاه المواطن العربي حتى وإن كان يهوديًا. كما يؤكد المحللون أن سيناريو العنف، والعنف المضاد بين طائفة الفلاشا والدولة سيظل مُتكررًا لكونه نِتاج عنصرية مُجتمعية تعززها الدولة، وأنه يُعد قنبلة ستنفجر في المجتمع الإسرائيلي آجلًا أم عاجلًا(4).

        وضح الدكتور، طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، والمُختص في الشأن الإسرائيلي ، من خلال الاحتجاجات التى يشهدها المجتمع الإسرائيلي أن طائفة الفلاشا ستظل شوكة في عنق المجتمع الإسرائيلي، وأن هذا الحادث لن يكون الأخير كما تم التوضيح مُسبقًا، إنما حلقة من سيناريو مُتكرر تجاه يهود الفلاشا الذين يعانون حالة عنف وقهر مُمنهج. حيث ينظر المجتمع الإسرائيلي الي الفلاشا نظرة دونية، بل ويقوم بممارسة أنواع عديدة من التمييز على مستوى    العرق، واللون، والدين، وصولًا إلى دعوات لطردهم بحجة أنهم أصحاب المهن الوضيعة الذين يكلفون المجتمع الإسرائيلي أعباء مادية وإجتماعية. هذا بالإضافة إلي استبعادهم من أية مناصب قيادية في الدولة.

      والجدير بالذكر أنه يُنظر إلي هذه الطائفة على أنها قنبلة موقوتة داخل المجتمع الإسرائيلي، ورغم ذلك يستمر استجلاب يهود الفلاشاه لاسرائيل. لذلك يجب على اسرائيل أن تُراجع عنفها المُمنهج ضدهم، وإلا سيشهد المجتمع الإسرائيلي أحداثًا مُشابهة مع الاقليات الأخرى، ويصبح عُرضة إلى خطر التصدع، والهجرة المضادة بخروج هذه الطوائف المُهمشة، والمُضطهدة إلى خارج إسرائيل، ووضعها على حافة الهاوية.

      في ظل هذا السياق أكدت الدكتورة نعيمة أبو مصطفى، الباحثة المُختصة بالشأن الإسرائيلي، على أن ما تشهده اسرائيل الآن هو نتاج لسنوات من الضغط، والتمييز ضد يهود الفلاشا ذوي الأصول الإثيوبية الذين يواجهون واقعًا صعبًا على المستويين الحكومي، والإجتماعي. فالاحتقان الدائر في الداخل الإسرائيلي جراء العنف، والعنف المضاد بين يهود الفلاشا، والسلطات الإسرائيلية على المستوى الرسمي، ادى إلي أن تحرمهم السلطات من الاندماج في المجتمع بتخصيص مستعمرات خاصة لهم في المناطق الفقيرة، والمُهمشة، أوعلي  تلك النقاط الحدودية غير الآمنة كـ"الخضيرة" و"العفولة". فضلًا عن النظرة العنصرية السافرة إليهم داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي تتجنب منحهم مرتبة قيادية أو رتبة  سامية، مكتفيًة بتصنيفهم كجنود من الدرجة الثانية.

      وفي محاولة من الحكومة الإسرائيلية لامتصاص حالة الاحتقان الحالية استقبل مطار بن "جوريون" في تل أبيب طائرة على متنها 602 إثيوبي من أصل 1000 كان من المفترض أن يتم استقدامهم من العاصمة أديس أبابا في العام 2020، بحسب تعهدات حكومة بنيامين نتنياهو التي أعدت خطة لاستقدام آخر 8 آلاف يهودي من إثيوبيا. كما استعانت المؤسسة الإسرائيلية بحاخامات من أصول إثيوبية لكتابة مقالات تدعو يهود الفلاشا للقدوم إلى "وطنهم الأم"، وأخرى تدعو المُحتجين للحفاظ على وطن اليهود، والنسيج المُجتمعي للشعب الإسرائيلي. لكن تذهب الآراء إلي أن هذه الخطوة لن يكون من شأنها تهدئة الاحتقان الذي تشهده البلاد، أو إخفاء الوضع المُعقد للمجتمع الإثيوبي الذي يعيش حالة من العزلة، والغربة داخل دولة إسرائيل (5).

ما هو مستقبل أقليات الفلاشا ؟، وهل من الممكن أن يتجدد الصراع ؟

      بدأت أزمة يهود الفلاشا عقب اتخاذ الكنيست مجموعة من الإجراءات ضدهم، تمثلت في التمييز بتعليم الأطفال، والتعامل بعنصرية معهم في المستشفيات، حتى وصل الأمر أخيرًا إلي أن يكون هؤلاء اليهود في أماكن سكن لا يوجد بها يهود شرقيون، اوغربيون. فقضية الفلاشا  ليست وليدة اللحظة ولا قضية مُستحدثة. حيث واجه قرار جلبهم إلي اسرائيل كثير من الانتقادات والرفض؛ لكونهم أفارقة ويمتلكون بشره سوداء. ومن هنا بدأت ممارسات التمييز العنصري تتجلى، خاصة مع اقتصار عملهم كجنود في جيش الاحتلال، لا يتقلدون مناصب رفيعة في الجيش، أو مناصب عليا في الدولة. كما أن لهم ممثل واحد فقط في الكنيست، وليس له أي تأثير يُذكر على الساحة السياسية في المجتمع الإسرائيلي. وأوضحت صحيفة هاآرتس الإسرائيلية أن العنصرية مُنتشرة في المجتمع الإسرائيلي كالنار، سواء بين المهاجرين الإثيوبيين، أو غيرهم من الشرائح الاجتماعية الاخرى. لكن يؤكد الكثيرون على أن الحالة الإثيوبية تعتبر استثنائية، خاصة بسبب عامل اللون الذي يمنع الاندماج الكامل ليهود الفلاشا في المجتمع الإسرائيلي. وانطلاقًا من هذه الرؤية يمكن وضع بديلين لمستقبل يهود الفلاشا في اسرائيل:

البديل الأول: تزايد الصراع داخل اسرائيل تزامناً مع  إعادة إنتخابات نتينياهو، وتجدد ولايته في سبتمبر المُقبل:

      خاصة بعد ردود الفعل التي شهدتها الساحة السياسية عقب مبادرة رئيس حزب العمل المُنتخب حديثًا، وزير الدفاع الأسبق، عمير بيرتس، بالاتصال برؤساء أحزاب المعارضة من الوسط، واليسار، وبعض الأحزاب العربية، سعيًا إلى توحيد صفوفها، ورفع مستوى التنسيق فيما بينها، للتخلص من سلطة اليمين. فقد فشلت محاولة تجميع كل تلك الأحزب في حزب واحد مُشترك لإضعاف موقف نتينياهو، كما ادى تفتيت حزب اليسار الإسرائيلي إلي إعادة  جزء كبير من شعبية نتينياهو. ومن هنا يسعي نتينياهو إلي أن يقوم بإخماد هذه الصراعات الداخلية بين الأقليات حتي ولو كان ذلك بشكل مؤقت لتمكينه من تشكيل حكومه جديدة، والفوز في الانتخابات المُقبلة.  

البديل الثاني : سوف تتدخل أمريكا لتهدئة الموقف:

   يعتبر هذا السيناريو هو الأرجح، نسبة للمصالح المشتركة بين أمريكا، وإسرائيل، خاصة في عهد ترامب، ونظرًا لإقامة اسرائيل مُستوطنة جديدة في الجولان تحمل اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تقديرًا لاعترافه بالسيادة الإسرائيلية على الهضبة. فإذا ما نظرنا الي المصالح المُشتركة، والتي سوف تسعي أمريكا من خلالها لتهدئة الموقف في إسرائيل بعد اعترافها بأن القدس عاصمة اسرائيل، فسيبذل ترامب كافة الجهود لتهدئة الأوضاع الداخلية، والقضاء على الحروب الأهلية في اسرائيل .

   على الرغم من هذه الاتجاهات ، لا تزال الحواجز العرقية اليهودية قوية في إسرائيل ، لا يزال اليهود الأشكناز يهيمنون على الأدوار القيادية في المؤسسات العامة، واليهود السفارديم والمزراحيون ممثلين تمثيلا ناقصا في الحكومة ويهود الفلاشا يواجهون التمييز الممنهج .

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟