المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
عمرو خليل
عمرو خليل

اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية ... خطوة حاسمة نحو التكامل الاقتصادي

الخميس 11/يوليه/2019 - 07:37 م
المركز العربي للبحوث والدراسات

لقد خطت القارة الأفريقية هذا العام خطوة حاسمة في مسلسل التكامل القاري بعد أن قامت الدول الأفريقية بالتوقيع على اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية القارية AfCFTA وذلك خلال القمة الاستثنائية للإتحاد الأفريقي المنعقدة في نيامي في السابع من يوليو عام 2019، حيث قامت 27 دولة أفريقية بالمصادقة على الاتفاقية، كما وقعت 54 دولة أفريقية على الإتفاقية، ما عدا دولة إريتريا التي أعلنت أنها لا زالت تدرس مسألة الإنضمام.

ووفقًا لأجندة 2063 فإن المنطقة القارية للتجارة الحرة تعد حجر الزاوية نحو الهدف الأسمى المتمثل في إنشاء سوق أفريقية مشتركة تضم حوالي مليار مستهلك وإنشاء الجماعة الاقتصادية الأفريقية وإصدار عملة موحدة، وذلك طبقًا لاتفاقية أبوجا والمعاهدة التأسيسية للاتحاد الأفريقي. وتمثل هذه المنطقة القارية للتجارة الحرة أيضا قاعدة استراتيجية من أجل إدماج القارة الأفريقية بفعالية في الاقتصاد العالمي.

ومن المهم أن نشير أن توقيع اتفاقية التجارة الحرة القارية جاء بعد أربعة أعوام من توقيع اتفاقية التجارة الحرة الثلاثية (TFTA) (1) التي تم توقيعها بين جماعة تنمية الجنوب الافريقي SADC والسوق المشتركة للشرق والجنوب الافريقي Comesa، وجماعة شرق افريقيا EAC، وذلك خلال القمة التي استضافتها شرم الشيخ في العاشر من يونيو عام 2015، ويمثل اقتصاد هذه التكتلات الثلاثة نحو 1,3 تريليون دولار بنسبة 60% من إجمالى اقتصاد القارة ويضم 26 دولة افريقية أى ما يقرب من نصف عدد دول القارة. وبالتالي يمكننا القول أنه تم اتخاذ الكثير من الخطوات الهامة في السنوات الأخيرة من قبل مصر والدول الأفريقية نحو توحيد الصف الأفريقي وتحقيق المزيد من التكامل الاقتصادي.

أهمية الاتفاقية للقارة والمزايا الناجمة عنها

لا شك أن بإقامة منطقة التجارة الحرة الأفريقية فإنها سوف تسهم بتطوير البنية التحتية للقارة وكذلك تحقيق التنمية الصناعية بين دولها، كما أنها سوف تسهم في تسهيل وحرية حركة الأشخاص ونقل الخبرات الفنية والخدمات الأخرى المتصلة بالتجارة بين دول القارة وخارجها. ومن المتوقع أن تساهم الاتفاقية في تطوير خدمات الطاقة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بين دول القارة الأفريقية.

وتصل نسبة التجارة البينية الأفريقية حاليًا ما يقارب 17%، وهي نسبة ضعيفة للغاية إذا ما قورنت بـ 59% في قارة آسيا، و69% في أوروبا. وكما يتضح من الشكل (1) فإن 80% من تجارة القارة تذهب إلى خارجها، مما يعني أن بلدان العالم الأخرى خاصة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين هي المستفيد الأكبر من صادرات وواردات الدول الأفريقية. لذا تأتي اتفاقية التجارة الحرة القارية لتقديم مزيدًا من العون للدول الأفريقية نحو تحقيق مزيد من التكامل الاقتصادي؛ إذ يتوقع الخبراء الاقتصاديون (2) أن هذه الاتفاقية سوف تزيد حجم التجارة البينية الأفريقية من 150 مليار دولار في الوقت الحالي إلى 220 مليار دولار بحلول عام 2022، ومن المتوقع أن تزيد نسبة التجارة البينية في أفريقيا من 17% في الوقت الحالي إلى 25% بحلول عام 2022، وإلى 50% بحلول عام 2040.

اتفاقية التجارة الحرة

ويرجع انخفاض نسبة التجارة البينية بين الدول الأفريقية إلى العديد من التحديات والمشكلات والتي تتمثل في ارتباط معظم الدول الأفريقية اقتصاديًا بالدول المستعمرة لها سابقًا، وثانيًا عدم تواجد وسائل مواصلات حديثة تربط القارة بعضها البعض، هذا فضلًا عن ارتفاع الرسوم والحواجز الجمركية بين الدول الأفريقية بعضها البعض مقارنة بمثيلتها بين الدول الأفريقية ودول العالم الخارجي، مما يدفع المصدرون والمستوردون الأفارقة إلى التعاون مع الخارج كبديل أرخص وأوفر من التعاون مع الأشقاء الأفارقة.

ونلاحظ كذلك أن السلع المصنعة في التجارة الأفريقية البينية لا تساهم سوى بـ 42%، بينما تنخفض القيمة إلى 15% فيما يتعلق بالعالم الخارجي، الأمر الذي يعني أن القارة لا تساهم بنسبة كبيرة في سلاسل الإنتاج العالمية، ويشكل نصيب أفريقيا من الصادرات الإجمالية في تدفقات التجارة العالمية 3.4% مما يعد كذلك في غاية الانخفاض مقارنة بالأقاليم الأخرى. ويواجه المُصدر الأفريقي معدلات حماية جمركية مطبقة على المواد غير الزراعية تبلغ في المتوسط 7.8%، وهي أعلى مما يواجهه نفس المُصدر عندما يقوم بالتصدير إلى أوروبا أو الولايات المتحدة. وتقوم التجارة فيما بين الاقتصادات الرئيسية لأفريقيا التي لا تتبع لنفس المجموعة الاقتصادية الاقليمية على أساس مبدأ الدولة الأولى بالرعاية. وبالتالي يمكننا القول أن هذا الواقع التجاري بين الدول الأفريقية يتطلب ببساطة فعل الكثير من أجل التوصل إلى إطار يتيح تخفيض الجمارك وإزالة الحواجز غير الجمركية وآلية قائمة على القواعد من أجل تنفيذ العقود وفض المنازعات (3).

ولهذا حرصت الاتفاقية على ضرورة إلزام الدول الأعضاء بها على خفض الرسوم الجمركية بين الدول الأفريقية بما يقارب 90%، بحيث يؤدي ذلك إلى خفض أسعار السلع وسهولة الإجراءات الروتينية التي تؤدي إلى ضياع الكثير من الوقت بين البلدان الأفريقية. على أن تحصل الدول على خمس سنوات كفترة تهيئة لتحقيق هذه النسبة، بينما الدول الأفريقية الأقل نمو فقد حصلت على 10 سنوات كفترة تهيئة للوصول إلى تلك النسبة (4).

وفيما يتعلق بالقضاء على الفقر في القارة، فمن المتوقع أن اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية وتماشيًا مع الأهداف الاستراتيجية لمبادرة أجندة الاتحاد الأفريقي 2063، سوف تتيح أداة يمكن استخدامها من أجل وضع القارة استراتيجيًا لاستغلال مواردها التجارية الهائلة وفرصها الاستثمارية والإسهام إيجابيًا نحول التحول الهيكلي للاقتصادات الأفريقية، وكذلك القضاء على الفقر والتأثير الإيجابي في حياة المواطنين الأفارقة، لاسيما وأن القارة تخطو خطوات جدية نحو تحقيق التنمية الاقتصادية، حيث تستحوذ القارة على سبعة من الاقتصادات العشرة الأسرع نموًا في العالم، وتمتاز كذلك القارة بطبقة وسطى سريعة النمو (5)  (6)، وكما نلاحظ من الشكل (2) فإن معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي GDP في القارة الأفريقية قد بلغ (2.37%) وهو رقم مرتفع نسبيًا إذا ما قارناه بأمريكا الشمالية (2.76%) والدول العربية (2.10%)، ومن الملاحظ أن معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي للقارة يزيد عن مثيله بالنسبة للإتحاد الأوروبي في آخر عامين، الأمر الذي أن النمو الاقتصادي في الدول الأفريقية يرتفع بصورة جيدة في السنوات الأخيرة بعد التعافي من الأزمة المالية العالمية في 2008، وكذلك ثورات الربيع العربي والتي حدث بعضها في البلدان الأفريقية، وبعضها في الدول العربية والتي من المؤكد أثرت كذلك على الجيران الأفارقة، فقد بلغ الدخل القومي الإجمالي للقارة مؤخرًا ما يقارب 3.4 تريليون دولار. وبالتالي يمكننا القول أن اتفاقية التجارة الحرة سوف تدفع القارة نحو مزيد من تحقيق النمو الاقتصادي والقضاء على الفقر، وحدوث مزيد من التطورات  الإيجابية الكبيرة على نطاق هذه القارة الآخذة في النهوض.

اتفاقية التجارة الحرة

ولا ننسى أن اتفاقية التجارة الحرة سوف تسمح للقطاع الخاص بمزيد من التطوير والمشاركة في السوق الأفريقي من خلال إلغاء القيود بين دول القارة، لهذا ينبغي على الدول الأفريقية أن تفسح مزيدًا من المجال للقطاع الخاص من أجل المساهمة في تحقيق النمو والتنمية في القارة. لاسيما وأن تحقيق النجاح الطويل الأجل في تكامل السوق لا يتأتي إلا من خلال بناء الشركات والصناعات ذات القدرة التنافسية على الصعيد العالمي، ويعد تسيير خدمات الاقتصاد المتسم بالكفاءة، أحد العناصر الأساسية في مجال تطوير الاقتصادات التنافسية  (7). ولاشك أن اتفاقية التجارة الحرة سوف تسهم كذلك في تطوير قطاع الخدمات ومزيد من مشاركته في الاقتصاد الأفريقي، فكما نلاحظ من الشكل (3) فقد تطور مساهمة قطاع الخدمات في الاقتصاد داخل أفريقيا جنوب الصحراء من (50.7%) عام 2010 إلى (52.5%) عام 2018، ورغم أنها زيادة بسيطة إلا أننا لا زلنا نحتاج إلى مزيد من الجهود لتطوير مشاركة قطاع الخدمات. وإذا قارنا بين أفريقيا جنوب الصحراء وبين المناطق الأخرى في الشكل التالي فسوف نلاحظ أن جميع المناطق تسبقها من حيث مساهمة قطاع الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي ما عدا البلدان العربية، إلا أننا نلاحظ أن هناك ازدياد في منحنى أفريقيا جنوب الصحراء عبر السنوات في مقابل استقرار في منحنى المناطق الأخرى المتقدمة مثل الاتحاد الأوروبي وأمريكا الشمالية، مما يعني أن معظم البلدان الأفريقية تدرك الدور الذي يمكن أن يؤديه قطاع الخدمات في تحريك النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل، لاسيما في مجالات الاتصالات السلكية واللاسلكية والمجالات التكنولوجية المتطورة.

اتفاقية التجارة الحرة

وأخيرًا؛ فمع التصريحات الرسمية أن المنطقة التجاريّة ستكون جاهزة للعمل بدءًا من الأول من يوليو/تمّوز 2020 (8)، حتى يتاح للدول الأعضاء التكيّف مع التغييرات التي ستطرأ. فإن هناك آمالًا عالية تتهادى إلى الأذهان تجاه اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية وما ستقدمه من رخاء لأبناء القارة الأفريقية، إلا أن تحقيق تكامل السوق شكليًا فقط دون إتخاذ المزيد من الإجراءات الواقعية ليس هو المطلوب، إذ أن هذه الاتفاقية بدون تسهيل التجارة وتطوير البنية التحتية والقدرة الصناعية وإلغاء الحواجز التعريفية وغير التعريفية، وتعزيز العلاقات التجارية ذات المزايا المتبادلة من خلال خطط تحرير التجارة، لن يفيد في شئ. وبدون التجارة الحرة بين الدول الأفريقية لن تستطيع القارة النهوضة للأمام، وذلك لأن التجارة حققت وستظل تحقق إسهامًا ضخمًا في اقتصادات العديد من البلدان المتقدمة والنامية. ولعل الثابت في الأعراف الاقتصادية أن التجارة تُمكّن البلدان من التخصص في إنتاج وتصدير السلع التي يتأتي لها إنتاجها بأسعار رخيصة مقابل سلع أخرى تستطيع دول أخرى توفيرها بتكلفة أقل. كما توفر التجارة الوسائل المادية من حيث السلع الرأسمالية والمعدات والمواد الخام والسلع نصف المصنعة التي تكون ذات أهمية حيوية للنمو.

الهوامش

1.             Signed Agreement Establishing a Tripartite Free Trade Area Among COMESA, the EAC and SADC, 01 Jul 2015, Tralac, available at:
https://www.tralac.org/news/article/7646-signed-agreement-establishing-a-tripartite-free-trade-area-among-comesa-the-eac-and-sadc.html

2.             Dhruv Gandhi, Figures of the week: Increasing intra-regional trade in Africa, February 22, 2019, brookings, available at:
https://www.brookings.edu/blog/africa-in-focus/2019/02/22/figures-of-the-week-increasing-intra-regional-trade-in-africa/

3.             Vera Songwe, Intra-African trade: A path to economic diversification and inclusion, January 11, 2019, brookings, available at:
https://www.brookings.edu/research/intra-african-trade-a-path-to-economic-diversification-and-inclusion/

4.       قمة الاتحاد الأفريقي: توقيع اتفاق "تاريخي" للتجارة الحرة في القارة، 08/07/2019، فرنسا 24، متاح على:
https://www.france24.com/ar/20190708-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A-%D8%AA%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%AD%D8%B1%D8%A9

5.             This is Africa’s Hour, 18-Sep-2018, AFDB, available at:
https://www.afdb.org/en/blog/africas-hour

6.             Howard French, Seven Of The World's 10 Fastest-Growing Economies Are African, May 21, 2012, businessinsider, available at:
https://www.businessinsider.com/seven-of-the-worlds-10-fastest-growing-economies-are-african-2012-5

7.       مؤتمر الاتحاد الأفريقي، الدورة العادية الثامنة عشر، تعزيز التجارة الأفريقية البينية، الاتحاد الأفريقي، متاح على:
https://au.int/sites/default/files/documents/32456-doc-boosting_iat_assembly_au_2_xviii_arabic.pdf

8.       قادة إفريقيا يوقّعون اتفاقاً "تاريخياً" للتجارة الحرّة، 7/7/2019، شبكة وكالة فرانس برس العالمية، متاح على:
https://www.afp.com/ar/news/1279/doc-1if3ah5

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟