المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

مضيق هرمز ... بين مواجهة الإغلاق والأزمة الممتدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران

الأحد 14/يوليه/2019 - 07:36 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
سيدهارث كوشال- عرض:مرﭬت زكريا

يعد التخريب الذي حدث في عدد من ناقلات النفط في الخليج بما يتضمن المياه الاقتصادية للإمارات العربية المتحدة ودولة عمان نافذة مهمة في التفكير الاستراتيجي لإيران والقوى الإقليمية المماثلة لها.

               فهذه الحادثة جديرة بالملاحظة لأن الفعل التخريبي لعدد محدود من السفن لا معنى له نسبيًا عند النظر إليه من خلال عدسة الأنماط التقليدية للسلوك العدائي، فعادة ما تكون الأفعال من هذا النوع   غير ذات قيمة فيما يتعلق بالحصول على تنازلات من خصم كبير، ولكن بشكل عام قد تكون هذه الأعمال بمثابة دليل واضح على استعداد الدولة للشروع في تهديد آخر أكثر جوهرية، يتمثل في إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل.

وفي هذا السياق أشار "سيدهارث كوشال" الباحث في مجال السياسيات الدفاعية والأمنية بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة ببريطانيا أن طهران غير قادرة على تنفيذ التهديدات التي طالما تلوح بها، فضلاً عن تحمل نتائجها، وهو ما لاحظه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب".

وعليه، يشير الكاتب أنه أذا لم تستطع الجمهورية الإسلامية إغلاق مضيق هرمز، فما قيمة الأعمال العدائية والتهديدات التي تقوم بها؟ تقر بعض الحجج بأنه من الممكن أن تؤدى التهديدات الإيرانية إلى ارتفاع في أسعار النفط، لكن يري الكاتب أن ذلك لا يمكنه أن يضر بالبلدان الإقليمية، التي تصنف بين أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم، فضلاً عن أنها ليس من المحتمل أن يكون لها آثار سلبية على الوضع الاقتصادي للولايات المتحدة الأمريكية، التي باتت تعد لاعبًا كبيرًا في سوق الطاقة.

كما أن قرار الاغلاق الكامل لمضيق هرمز سيكون له تداعيات خطيرة على القوي الاقليمية وسيما تجارة النفط التي تعتمد على المضيق بنسبة 90% من صادرتها النفطية، ولكن الحقيقة أن طهران لا يمكنها تحمل تداعيات تنفيذ هذه التهديدات، ولكن التهديدات تجعل الموقف أكثر تقلبًا بطريقة قد تعرض بعض مصالح الخصم للخطر.

حيث يشير الكاتب إلي أن الدول الصغيرة يمكنها عن طريق الرعب النووي تأمين الدعم والتنازلات من خصومها عن طريق تهديد مصالحهم واشعارهم بالخطر، فعلي سبيل المثال، حافظ العديد من شركاء الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الباردة على قدرات الاختراق النووي لأن التهديد الذي يمثلونه على برنامج واشنطن لمنع الانتشار النووي ساعد في ضمان الدعم الأمريكي المستمر، وذلك لأن صانعي القرار الأمريكيون ظنوا أن التنازلات الأمنية للحلفاء ستمنعهم من اتخاذ المزيد من الخطوات الجذرية لضمان أمنهم في ظل الرعب النووي.

ومن ناحية أخري، تتبع إيران استراتيجية تحفيزية تجاه الدول الأوروبية فيما يتعلق بالرغبة المشتركة في الاحتفاظ بـ JCPOA؛ حيث تسير السياسات على جبهتين، التهديد الذي يلوح في الأفق بإمكانية العودة إلى تخصيب اليورانيوم فوق الحد المسموح، وقدرة طهران على توليد طفرات في سعر النفط التي من شأنها أن تؤثر على دول الاتحاد الأوروبي إلى حد كبير. لذا، فليس من المستغرب أن تتصاعد الاستفزازات الإيرانية مع الشركاء الأوروبيين فيما يتعلق بآليات تخفيف العقوبات مثل آلية الدفع INSTEX التي يمكن للشركات الأوروبية من خلالها إجراء معاملات تجارية مع طهران بعملة رقمية غير الدولار. 

أولاً- المخاطر المحدودة لإغلاق مضيق هرمز

يشير الكاتب إلي أنه بينما تحتفظ البحرية الإيرانية والحرس الثوري بالقدرة على تعطيل النقل العابر عبر مضيق هرمز، نظرياً، ولكن تحليل سيناريو محدد يوضح أن قدرة إيران على تحقيق هذه الغاية مبالغ فيها، فعلي سبيل المثال، ستحتاج الجمهورية الإسلامية إلى ما لا يقل عن حوالي خمسة آلاف لغم بحري لإغلاق مضيق هرمز الذي يبلغ طوله 25 كم، كما ستواجه الغواصات من طراز IRINs Kilo عوائق كبيرة للتنقل في هذه المياه.

ويقر البعض الأخر أنه بدلاً من ذلك، يمكن أن تعتمد القوات الإيرانية على أسطول الحرس الثوري الإيراني من القوارب الصغيرة أو السفن المدنية لتحقيق هذه الغاية لكنها ستواجه صعوبة في حشد العدد اللازم من السفن للقيام بذلك في فترة زمنية قصيرة.  علاوة على ذلك، بالنسبة إلى قنوات الشحن القابلة للاستخدام التي تمتد على مساحة20 % في عرض المضيق، فإن هذا سيتطلب تركيزًا متواضعًا يبلغ حوالي مائتي لغم لكل قناة، ولفتح المضيق للشحن على المدى القصير، ستحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى فتح قناة شحن أو أكثر وليس إزالة كل الألغام الإيرانية في المنطقة.

يمكن لإيران محاولة تعطيل جهود كاسحة الألغام باستخدام الصواريخ المضادة للسفن مثل C-802 الصينية التي تطلق من قاذفات الشواطئ أو أسطول الـ IRGCN من قوارب الصواريخ الموجهة. ومع ذلك، فإن إطلاق الصواريخ يتطلب استهداف بيانات من رادار ضعيف قائم على الشاطئ، الأمر الذي من شأن أن يكثف من حدة الصراع في المضيق.

               علاوة على ذلك، فإن خصائص بيئة التشغيل الخليجية لا تفضل إطلاق الصواريخ؛ حيث إن صواريخ كروز الموجهة بواسطة الباحثين عن الحرارة والأشعة تحت الحمراء والتي تعتمد على الفوارق بين انبعاثات جسم ما ودرجة حرارة الخلفية ستؤدي إلى إرباك حسابات طهران في ظل الظروف المناخية الخليجية وستواجه صعوبة في الاقتراب من أهداف بعينها مثل أوعية إزالة الألغام أو السفن المدنية. كما ستفقد الصواريخ الموجهة بالرادار فعاليتها وسط البيئة المزدحمة بالخليج، والتي تتميز بوجود ظواهر طبيعية مثل المد والجزر ومنصات النفط والتي تحتوي جميعها على مقطع عرضي كبير للرادار بما يكفي لتحويل الصواريخ.

ويجادل البعض بأن إيران لا تحتاج إلى إيقاف تدفق النفط عبر الخليج بالكامل، فأن مجرد تدمير ما يكفي من السفن للشركات التجارية لتجنب المرور بالمضيق أو اضرار شركات التأمين عن طريق رفع أقساط التأمين إلى مستويات معادية للتجارة. ومع ذلك، إذا لم تكن هناك سابقة تاريخية، فإن الاستنزاف المستمر للسفن التجارية قد لا يحقق ذلك.

 فعلي سبيل المثال، استمرت حركة المرور عبر الخليج جزئيًا خلال حرب ناقلات النفط الإيرانية –العراقية لأن شركات النقل البحري تم تعويضها عن الخسائر التي لحقت بالسفن مما فرض على العملاء أسعارًا أعلى عند التسليم نظرًا لارتفاع الأسعار على خلفية المخاطر التي تم تحملها، حيث كان هذا هو الحال في سيناريو تمكن فيه كلا الطرفين من فرض تكاليف كبيرة على الشحنات لفترة طويلة وهو أمر من غير المرجح أن يكون عليه الحال إذا حاولت إيران إغلاق مضيق هرمز اليوم.

وعليه، من الواضح أن التهديدات التي تقوم بها طهران في مضيق هرمز لا قيمة لها بالنسبة لواشنطن، لكن أفعال الإكراه المحدود عادة ما تكون منطقية عندما تعتبر فقط كإشارة على استعداد الفرد لاتخاذ خطوة تصاعدية أكثر إذا تم استفزازه بصورة كبيرة، وبالنظر إلى مدى ضعف وضع إيران لتنفيذ مثل هذا التهديد بصرف النظر عن نواياها، فمن غير الواضح أن الخطوات القسرية المحدودة تخدم هذا الدور.

ثانياً- استئناف المواقف التحفيزية

يمكن فهم السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار في المضيق المتمثل في اعتراض وتخريب ناقلات النفط في خليج عمان والقيام باستفزازات مماثلة ضد الشحن في الموانئ في دولة الإمارات العربية المتحدة والبنية التحتية النفطية في المملكة العربية السعودية على أنه أكثر منطقية إذا تم النظر إليها على أنها وسيلة لتحفيز الدعم من الدول التي لها مصلحة في تخفيف الحد الأقصى لاستراتيجية الضغط والحفاظ على خطة العمل المشتركة الشاملة(JCPOA).

ففي الأشهر الأخيرة، تحركت مجموعة E3 لطمأنه إيران بأن مصالحها الاقتصادية المشروعة ستكون محمية من العقوبات الأمريكية إذا التزمت بـالـ JCPOA، وتوجت هذه العملية بزيارة وزير الخارجية الألماني "فرانك فالتر شتاينماير" إلى طهران للتفاوض بشأن INSTEX، وهي عبارة عن آلية دفع تسمح للشركات الأوروبية بالتجارة مع إيران دون الدولار. ومع ذلك، تتمثل نقطة الضعف الحاسمة في هذا النهج في قلة الشركات التي ليها استعداد للتضحية بالتجارة مع الولايات المتحدة من أجل إيران، في الوقت الذي لا تستطيع فيه الدول الأوروبية أجبار الشركات التابعة لها على ذلك.

نتيجة لما سبق، يبدو أن القادة والمشرعين الإيرانيين يشعرون بالإحباط بسبب عدم إحراز تقدم فيما يتعلق بتخفيف الضغوط المفروضة من قبل واشنطن، مع رفض "آية الله خامنئي" المبادرة الأوروبية باعتبارها "مزحة مريرة". وعلى هذا النحو، يبدو أن إيران اتبعت استراتيجية تحفيزية ذات شقين؛ يتمثل الأول في تقديم مهلة نهائية للشركاء الأوروبيين بغرض التوصل إلى مزيد من الضمانات الجوهرية إذا كانوا يريدون أن تستمر الصفقة. أما النهج الأخر فيتمحور حول الهجمات المتقطعة في الخليج، والتي لديها القدرة على التسبب في ارتفاع أسعار النفط وعدم اليقين في الاقتصادات الأوروبية.

ثالثاً- استراتيجيات القوي الإقليمية في عصر الانقسامات عبر الأطلسية

يشير الكاتب إلي أنه على الرغم من أن التهديد المباشر تجاه القوة العظمى نفسها لا معنى له في معظم الحالات، لكن جيوش القوى الصغيرة والمتوسطة يمكنها أن تخدم غايات سياسية بعينها. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤدي الضغط غير المباشر ضد الدول الأوروبية إلى تكثيف المعارضة السياسية والاستراتيجية للقوة العظمى.

بيد أن الأحداث في مضيق هرمز هي انعكاسات لقضية أوسع -الفجوة السياسية بين الولايات المتحدة وشركائها-في سياق الخلافات السياسية الجوهرية على جانبي المحيط الأطلسي، ومن هنا تحاول إيران الضغط على هذه النقطة، على أن تتمثل القضية الأكثر أهمية من الناحية النظرية في الفرصة الاستراتيجية التي تدركها الجهات الأضعف طالما أنها تعتقد في قدرتها على تعزيز التنافس بين القوى الكبرى لتحقيق غايات خاصة.

إجمالاً، تعد الجهود المبذولة لزيادة هذه الانقسامات، والتي من المحتمل أن تصبح أكثر شيوعًا في عصر تعدد الأقطاب والتي يمكن أن تتخذ أشكالًا متعددة من خلال تطوير القدرة على الاختراق النووي أو تهديد نقاط بعينها مؤثرة بشكل كبير في حياة كثير من الدول، كما أن أعمال الإكراه المحدودة في مضيق هرمز، والتي من المحتمل أن تستهدف -وإن لم يكن بشكل مباشر-أوروبا، هي من الأعراض وليس الأسباب.

Sidharth Kaushal, Shutdown Showdown: How the Strait of Hormuz Factors into the U.S.-Iran Crisis, National Interest, 7/7/2019, available at :

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟