المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

كيف يمكن أن يعيد الحرس الثوري تشكيل إيران؟

الأحد 08/مارس/2020 - 01:06 م
المركز العربي للبحوث والدراسات
إيليان بيرمان- عرض: مرﭬت زكريا

من المحتمل في ظل تفاقم المشكلات الداخلية خلال الفترة القادمة أن تقرر النخبة الحاكمة في إيران ضرورة السير باتجاه الانتقال الداخلي أو على الأقل فرض ما يعمل على إزاحة فئة رجال الدين عن المشهد السياسي في الجمهورية الإسلامية لاسيما بعد أن فشلت سياستهم في التغلب على التحديات الخطيرة التي تواجه طهران في الوقت الحالي. الأمر الذي من شأنه أن يسمح للحرس للثوري بالحفاظ على قبضته الحالية الواسعة على مفاصل الدولة الإيرانية مع العمل في الوقت ذاته لتخفيف الضغوط الاقتصادية المفروضة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية و إعادة الاندماج في المجتمع الدولي.  

وفي هذا السياق، أكد عالم السياسة الأمريكي والنائب الأول لرئيس مجلس السياسة الخارجية في العاصمة الأمريكية واشنطن إيليان بيرمان على أن نظام الحكم في إيران مر  بمرحلة تحول جذري بعيدًا عن النظام الديني الذي أنشأه آية الله روح الله الخميني في عام 1979 وصولاً إلى نوع الحكم الذي توجد عليه حاليًا، والذي تمثلت أبرز تداعياته الرئيسية في سيطرة الحرس الثوري على الحكم في البلاد.

ويشير الكاتب في هذا الإطار إلى الأفكار التي كانت تروج لها وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في فترة حكم الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما فيما يتعلق بإيران والتي كانت ترتكز على تحول حكم ولاية الفقيه في إيران بعد فترة طويلة  من الزمن إلى الاستبدادية العسكرية، على خلفية الفكر الذي يحمله أبناء التيار الإصلاحي في إيران في مقابل فكر رجال الدين المتشددين والمحسوبين على التيار المحافظ والذي كان يرمى للانفتاح على العالم مع الاندماج داخل المؤسسات الاقتصادية العالمية ورفض التصعيد مع القوى الكبرى في مقابل المبادئ الأيديولوجية الثورية التي تهدف للتدخل في شؤون دول الجوار مع تصدير الثورة الإسلامية.

وتحولت أفكار هيلاري كلينتون بعد فترة من الوقت لجانب كبير من الواقع، فعلى الرغم من أن الحرس الثوري مازال يدين بولاء كبير للتسلسل الهرمى لرجال الدين في طهران والذي يتربع على رأسه المرشد الأعلى "على خامنئي"، إلا أنه استطاع خلال السنوات الأخيرة توسيع نفوذه على حساب عدد كبير من المؤسسات داخل الجمهورية الإسلامية لأسباب تمثل أقلها أهمية من وجهة نظر الكاتب في الخروج الأمريكي من خطة العمل المشتركة الشاملة المعروفة بالاتفاق النووي في مايو لعام 2018.

                لكن تتمثل الفكرة الأساسية التي يرغب الكاتب بالتأكيد عليها في أن الحرس الثوري الإيراني يمثل جهة استراتيجية فاعلة قوية وقابلة للتحول بشكل كبير، ومع ذلك يشير الكاتب إلى أنه في الوقت الحالي الذي تواجه فيه الجمهورية الإسلامية ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة، يحتاج قيادات الحرس الثوري إلى الادعاء بأنه يجب أن يسيطر رجال الدين في البلاد على زمام الأمور أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ولفهم الدوافع الحقيقية الكامنة وراء ذلك سيكون من الضروري المرور على الدور الفريد الذي لعبه الحرس الثوري في السياسة الإيرانية على مدار العقود الأربعة الماضية؛ حيث يعتبر الحرس بمثابة  الذراع الاستكشافية والأساسية التي استخدمها قائد الثورة الإسلامية في إيران "أية الله الخميني" لتصدير والترويج لفكرة الإسلام السياسي الراديكالي والعمل على نشرها في المنطقة. وتحقيقًا لهذه الغاية، فإن ديباجة دستور الجمهورية الإسلامية الأصلية لعام 1979 تكلف الحرس الثوري الإيراني ليس فقط بالحفاظ على النظام داخل البلاد، ولكن أيضًا بتصدير الثورة الإيرانية لجميع أنحاء العالم، وسمح هذا التفويض الشامل على مر السنين للحرس الثوري الإيراني بالحصول على مركز الصدارة في السياسة الخارجية والشؤون الداخلية.

على الصعيد العسكري، أزاح الحرس الثوري بعد قيام الثورة الإيرانية في عام 1979 الجيش الإيرانى ليصبح الأداة الاستراتيجية المفضلة للنظام، كما أنه بات يعد بمثابة حارس ترسانة الصواريخ الباليستية أحد أدوات الردع الإيرانى في مواجهة الأعداء، كذلك برنامجها النووي الناشئ (وما زال نشطًا)، فضلاً عن أنه المسؤول عن أهم الأصول الاستراتيجية للنظام والمتمثلة في شبكته الواسعة من الوكلاء الإقليميين.

 تجنبت الجمهورية الإسلامية منذ هزيمتها في الحرب المستمرة منذ ثماني سنوات مع عراق صدام حسين في ثمانينيات القرن العشرين المواجهة العسكرية المباشرة لصالح الحرب غير المباشرة أو بالأحرى (الحرب بالوكالة). وتأسيسًا على ما سبق، بذلت طهران الكثير من الجهود التى استمرت لعقود طويلة من الزمن لإقامة شبكة واسعة من الجماعات بالوكالة والمقاتلين المنتسبين لها في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجها؛ حيث لعبت هذه الجماعات، والتي يتمثل أبرزها في "حزب الله" اللبناني، الحوثيين في اليمن والميليشيات الشيعية العراقية المتنوعة دوراً أساسياً في تعزيز مصالح إيران وتعزيز أهدافها الإستراتيجية بكافة الوسائل غير المتماثلة. الأمر الذي اضطر الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب لاغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني في يناير 2020، على خلفية سيطرة هذه القوة على كل ما يتعلق بإدارة أمور الميليشيات التابعة لطهران في المنطقة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، سيطر الحرس الثوري ومازال على العديد من الشركات والكيانات الاقتصادية العاملة في كافة المجالات داخل الجمهورية الإسلامية، بداية من قطاع النقل وصولاً لمجالي الطاقة والبناء؛ حيث تغلغلت الكيانات الخاضعة لسيطرة الحرس الثوري الإيراني في كل قطاع من قطاعات الاقتصاد الإيراني الرسمي، وتمارس نفوذاً واسع النطاق على أنشطة السوق الرمادية والسوداء في البلاد بما  يتضمن التهريب، التحويلات المالية غير المشروعة، إلى الحد الذي جعل الحرس الثوري يسيطر  على ما يقدر بأكثر من ثلث الاقتصاد الكلي لإيران.

نتيجة لما سبق، جعل كل ذلك من الحرس الثوري الإيراني قوة لا غنى عنها في معادلة السياسة الإيرانية، ورمزًا رئيسيًا للمكانة الدولية للبلاد، إلى الحد الذي عبر عنه زميل المجلس الأطلسي ومستشار القيادة المركزية الأمريكية نادر أوسكوي، عندما قال إن الحرس الثوري بات يحوز قدر كبير من القوة التي من شأنها أن تجعله المفاوض الرئيسي لإيران مع القوة الكبرى والإقليمية. ولكن يشير الكاتب إلى أن اغتيال الولايات المتحدة الأمريكية لقاسم سليماني يعد بمثابة ضربة قوية لقدرات إيران الاستراتيجية، فبدون سليماني تواجه إيران ضغوطًا شديدة لتنفيذ استراتيجيتها الإقليمية بالوكالة بكفاءة، لذا، من المحتمل أن يؤدى اغتياله لفرض نوع من توازن القوى الجديد والنوعي داخل الجمهورية الإسلامية.

وفيما يتعلق بالجانب الداخلي تواجه طهران مشاكل خطيرة؛ فمنذ ديسمبر لعام 2017 تصاعدت حدة الاحتجاجات ضد النظام، والتي ساهمت في اختبار شرعية نظام ولاية الفقيه داخل إيران، كما اندلعت التظاهرات أيضًا بعد إسقاط الوحدة الصاروخية التابعة للحرس الثوري لطائرة الركاب الأوكرانية التي راح ضحيتها عدد كبير من أبناء طلبة الجامعات الإيرانية.

                ويقر الكاتب بأنه في مواجهة كل هذه التحديات لن يبقي أمام النظام الحاكم في إيران إلا التعويل على فكرة الانتقال الداخلي، الأمر الذي يتضمن إزاحة القيادات الدينية ذاتها من الساحة السياسية بعض الشيء بغرض إفساح المجال لنخبة جديدة يمكنها التغلب على هذه التحديات. ويرى الكاتب أن هذه الخطوة من الممكن أن تسمح للحرس الثوري بالحفاظ على قبضته الحالية الواسعة على السلطة الوطنية مع العمل في وقت واحد لتخفيف الضغط الاقتصادي من الولايات المتحدة وإعادة الاندماج في المجتمع الدولي.  

ويؤكد الكاتب أن هذه الفكرة ليست بعيد المنال؛  فهذا النوع من تحول الطاقة الداخلية حدث أكثر من مرة في التاريخ الحديث؛ حيث حدث ذلك في دول مثل روسيا في التسعينيات؛ عندما استغلت "الدولة العميقة" الاضطرابات التي حدثت في فترة ما بعد الاتحاد السوفيتي لتعزيز سيطرتها وإعادة تشكيل نفسها في مؤسسة اقتصادية وسياسية هائلة تستمر حتى يومنا هذا. كما حدث الأمر ذاته في جمهورية مصر العربية؛ عندما تحرك جيشها للإطاحة بحكومة محمد مرسي التي تهيمن عليها جماعة الإخوان المسلمين في عام 2013 وتمت إعادة تأسيس الوضع السياسي والاقتصادي مرة أخرى. 

ولكن يتساءل الكاتب حول موقف الولايات المتحدة الأمريكية إذا ما حدث هذا التغيير في إيران؟ فعلى الرغم من تأكيد الرئيس ترامب مرارًا وتكرارًا أن هدف استراتيجيته "أقصى قدر من الضغوط" هو إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات الدولية وإبرام اتفاق  نووي جديد أكثر شمولاً ليحل محل الاتفاق النووي لعام 2015، إلا أن سيطرة الحرس الثوري على الحكومة الإيرانية قد تجعل من مثل هذا التطور أكثر ترجيحًا، واقعية وعقلانية.

                وفي النهاية: يقر الكاتب بأن الحرس الثوري بات من أكثر المؤسسات السياسية المهيئة للقيام بهذه المهمة داخل المجتمع الإيرانى؛ حيث حاز الحرس الثوري على قدر كبير من القوة السياسية؛ ففي اعقاب  الاحتجاجات الأخيرة، باتت النخبة الدينية في إيران أكثر اعتمادًا من أي وقت مضى على قوات الحرس الثوري ولاسيما المنوط بها قمع المتظاهرين، لذا من المرجح أن يخرج الحرس الثوري الإيراني من هذه العملية أقوى بكثير ويمتلك سيطرة أكبر على المجتمع الإيرانى من أي وقت مضى.

 ويتمثل المبرر الأقوى لذلك، في أنه ليس من المرجح أن يحدث التغيير السياسي في إيران عن طريق  قيام جماعة معارضة بإسقاط نظام ولاية الفقيه وتأسيس نظام حكم جديد، ولكن الأمر الأكثر ترجيحًا هو أن يتولى أقوى فصيل سياسي زمام الأمور في البلاد، كما يجب أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة لذلك.

المصدر

-                   Ilan Berman, How The Revolutionary Guards Could Reshape Iran, The National Interest,  February 24, 2020, available at :

https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/how-revolutionary-guards-could-reshape-iran-126592?fbclid=IwAR0gqY8x932NEnaG0tskoejyFak3y7mRvKdzC6cMREjw05DWN5TuXBG32sk

 

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟