المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
مصطفى صلاح
مصطفى صلاح

ملفات متعددة: دوافع وسيناريوهات العلاقات التركية الفرنسية

الإثنين 14/يونيو/2021 - 03:56 م
المركز العربي للبحوث والدراسات

بدأ وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو في 6 يونيو 2021 زيارة إلى باريس، ألتقي بموجبها نظيره الفرنسي جان إيف لودريان لبحث العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية. وتمثل هذه الزيارة الأولى لمسؤول تركي رفيع إلى العاصمة الفرنسية بعد أن شهدت العلاقات بينهما سلسلة ممتدة من التوتر خلال الفترة الماضية. وتسعى أنقرة إلى تحسين علاقاتها مع الشركاء الغربيين جراء ما تعرضت له من أضرار نتيجة الخلافات حول ملفات متعددة.

وشملت هذه الملفات التحركات التركية في منطقة شرق المتوسط، وتهديد كل من قبرص واليونان، والتدخلات الإقليمية في مواجهة الأكراد الحليف الأقرب للغرب، ومشكلة الهجرة واللجوء، خاصة أن فرنسا تُعد من بين كافة دول الاتحاد الأوروبي أو أعضاء الحلف الأطلسي، الأكثر تشددًا إزاء سياسات تركيا سواء الإقليمية كما في سوريا والعراق وليبيا أم في إطار علاقاتها مع المنظمة الأوروبية والحلف.

وقد تصاعدت الخلافات الثنائية بينهما إلى أن وصلت إلى حد التجريح الشخصي عندما شكك إردوغان بحالة الصحة العقلية للرئيس الفرنسي الذي اتهمه بـتأجيج الكراهية ضد الإسلام والمسلمين على خلفية دفاع ماكرون عن حرية التعبير فيما يتعلق بالرسوم الخاصة بانتقاد الإسلام. ومن ثم جاءت هذه التحركات لتكثيف دبلوماسيتها تجاه حلفائها الغربيين والإقليميين منذ بداية العام للخروج من عزلتها المتزايدة على الصعيدين الإقليمي والدولي.

محاولات تركيا للتهدئة

منذ بداية عام 2021 وبدأت تركيا وفق ما أعلنته بأن هذا العام هو عام الدبلوماسية وشرعت في تحقيق نوع من أنواع التقارب مع الدول التي تتشابك مصالحها معهم وخاصة دول الاتحاد الأوروبي على خلفية استعداد الأوروبيين لفرض عقوبات على أنقرة بسبب أنشطتها شرق المتوسط. وهو الأمر الذي أعقبه تواصل مباشر مرتين بين الرئيسين الفرنسي والتركي ماكرون وإردوغان الأول بداية العام الجاري والثاني في الثاني من شهر مارس الماضي، الأمر الذي فتح الباب لتنشيط التواصل الدبلوماسي، وإن كان هذا الأمر لا يعني أن الملفات الخلافية لم تتطور وتتصاعد.

ويؤشر على هذه التوترات المتصاعدة أن الدولتين لم يتمكنا من تحقيق تقدم ملموس في تسوية هذه الخلافات في ظل التأكيد الفرنسي بأنها تريد أن ترى ترجمة لهذه التصريحات لممارسات عملية تعزز من تدابير بناء الثقة بينهما، ولعل أبرز دليل على أن فرنسا لم تغير مقاربتها للملفات الخلافية مع أنقرة، أن ماكرون في حديثه بمناسبة زيارة رئيس حكومة الوفاق الليبية إلى باريس؛ حيث شدد على أن استعادة السيادة الليبية الكاملة تتم برحيل القوات الأجنبية والمرتزقة مشيرًا إلى أن تركيا وروسيا قاموا بإرسال مرتزقة وميليشيات مسلحة إلى هناك.

ومن جانب آخر فإن هناك احتمالات متزايدة تتعلق بإمكانية تمكن تركيا من تجاوز هذه الخلافات بعدما اعتمدت على الآليات الدبلوماسية والعدول عن استخدام التصعيد السياسي والعسكري في معالجة هذه الملفات؛ حيث اعتبر جاويش أوغلو أن زيارته لباريس تعكس رغبة الطرفين في تعزيز علاقاتهما، وقدرتهما على إيجاد نقاط تلاقٍ ومصالح مشتركة بصدد الملفات الخلافية الإقليمية.

ملفات خلافية

هناك مجموعة من القضايا والملفات التي ساهمت في وجود توترات استمرت لفترة كبيرة فيما يتعلق بقضايا مثل النزاع بين تركيا واليونان على موارد الطاقة في شرق المتوسط، والأزمة في ليبيا، ومعاداة الإسلام في الغرب، ووفق ما أعلنته تركيا فإن الزيارة ستتناول العلاقات بين البلدين، إلى جانب علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي، وقضايا إقليمية ودولية.

وضمن هذا السياق اتجهت تركيا إلى مناقشة مختلف الملفات الخلافية بدءًا من الملف السوري حيث يتواجه الطرفان بشأن العلاقة مع الأكراد. وقال جاويش أوغلو إن الطرفين يتقاسمان الأولويات نفسها مشيرًا إلى إيصال المساعدات الإنسانية وضرورة التقدم في المسار السياسي والمحافظة على وحدة وسلامة الأراضي السورية، لكن هذا الملف يواجه صعوبات حول قيام تركيا باحتلال مساحات من هذه الأراضي في الشمال والشمال الغربي من سوريا. وهو الأمر الذي ظهر بصورة واضحة في إعلان تركيا بأن الخلافات مع فرنسا فيما يتعلق بالأكراد عميقة ومتشابكة ولا يمكن التوصل إلى تفاهم إلا من خلال ابتعاد الدول الأوروبية عن تأييد الأكراد.

على الجانب الليبي هناك خلافات بين الجانبين حول إرسال تركيا ميليشيات مسلحة وجماعات إرهابية إلى هناك بالإضافة إلى استخدام الأراضي الليبية كساحة للتصعيد في منطقة شرق المتوسط، وعلى الرغم من ذلك فقج أعلن جاويش أوغلو أن لباريس وأنقرة أولويات مشتركة تتمثل في تحقيق استقرار ووحدة ليبيا ودعم حكومة الوحدة الوطنية وإعادة توحيد المؤسسات ووقف دائم لإطلاق النار والهجرات من شواطئها باتجاه أوروبا، متخطيًا الرؤية والمطالب الفرنسية التي إن توافقت مع مزاعم تركيا في العناوين إلا أن مضامينها مختلفة بصورة كاملة.

وفيما يتعلق بالتوترات مع اليونان وقبرص، أعلنت تركيا خلال المباحثات أنها لا تمتلك أطماع توسعية في المنطقة. وبالنسبة للخلافات مع قبرص فقد أعلنت أنها تدعم إجراء مفاوضات معها، وهو الأمر الذي تنفيه كل الشواهد الميدانية حول السياسة التركية تجاه هذه الملفات؛ حيث عملت على انتهاك مناطق السيادة البحرية لهذه الدول دونما الاعتبار لقواعد القانون الدولي واتفاقيات ترسيم الحدود البحرية التي تم توقيعها بين دول هذه المنطقة.

وتأسيسًا على ما سبق وبرغم الإعلان الإيجابي عن رغبة الطرفان في تسوية الملفات إلا أن هذه الملفات تتطلب مجموعة من الإجراءات العملية التي تستلزم إعادة النظر في السياسات التركية بصورة خاصة لأنها ساهمت في تصعيد التوترات الإقليمية والدولية وتهديد الأمن الإقليمي الأوروبي.

سيناريوهات محتملة

هناك مجموعة من المسارات التي يمكن ان تفرزه هذه المباحثات على مسار العلاقات الفرنسية التركية خاصة أنها تتزايد في أهميتها مع اقتراب قمة حلف الناتو في 14 يونيو 2021، وقبل مؤتمر برلين الثاني في 23 يوليو 2021 وهو ما حاولت تركيا أن تتفادى الضغوط التي تواجهها في ظل الترتيبات الأوروبية والأمريكية لمواجهة السياسة التركية التي من شأنها أن تتسبب في تهديد مصالحهم.

ووفق هذه المؤشرات السابقة يمكن القول بأن هناك مسار إيجابي يتمثل في اتجاه تركيا نحو تفعيل تصريحاتها تجاه تسوية هذه الملفات بصورة ميدانية عبر تعزيز تدابير بناء الثقة مع الأطراف ذات الصلة بهذه الأزمات، خاصة في ظل توجهات تركيا بمحاولات التوصل إلى تفاهمات ثنائية وجماعية حول هذه الملفات.

من جانب آخر، هناك مسار آخر يتعلق باستمرار التصادم بين تركيا وفرنسا من جانب وبين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي بصورة عامة، وهو ما يمكن أن يترتب عليه اتجاه دول الاتحاد نحو تفعيل العقوبات على تركيا بصورة أكبر، ومن ثم ستتزايد الضغوط عليها في محاولة لإجبارها على الوجود ضمن إطار المصالح الأوروبية.

في الختام يمكن القول أنه في حال رغبة تركيا إلى الوصول لصيغ تفاهمات مشتركة مع الجانب الفرنسي أو الأوروبي فإن عليها أولًا أن تتخذ مجموعة من الإجراءات التي تبرهن على صحة تصريحاتها تجاه هذه الملفات.

 

المراجع:

1) بعد أشهر من التوتر: وزير الخارجية التركي يزور فرنسا لتحسين العلاقات مع باريس، على الرابط: https://cutt.us/YMJ2N

2) محادثات بين وزيري خارجية فرنسا وتركيا في باريس بعد أشهر من التوتر، على الرابط: https://cutt.us/dxi7r

3) وزير خارجية تركيا يروج في فرنسا لسياسات «جديدة» لبلاده، على الرابط: https://cutt.us/ueQzK

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟