المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
مصطفى صلاح
مصطفى صلاح

المشكلات الداخلية: العراق وتحديات البناء بين القوى السياسية

الجمعة 23/سبتمبر/2022 - 04:55 م
المركز العربي للبحوث والدراسات

بعد مرور عشرة أشهر على الانتخابات العراقية، أدى الخلاف الشيعي الداخلي بين التيار الصدري والإطار التنسيقي إلى اندلاع الأعمال الاحتجاجية. وهو ما نتج عنه أن أعلن الزعيم الشيعي مقتدى الصدر اعتزاله العمل السياسي بصورة نهائية بعدما وصلت الأوضاع السياسية الداخلية إلى حالة من الجمود السياسي وانسداد قنوات الاتصال والحوار بين القوى السياسية العراقية بمختلف اتجاهاتها، وهو ما نتج عنه أن أعلنت السلطات العراقية في 29 أغسطس 2022، فرض حظر تجول شامل في جميع أنحاء البلاد، بعدما اقتحم العشرات من أنصار الصدر القصر الرئاسي، وهو مبنى داخل المنطقة الخضراء المحصنة ببغداد. ومن ثم، دعت قيادة العمليات المشتركة المتظاهرين إلى الانسحاب الفوري من داخل المنطقة الخضراء بهدف السيطرة على الأوضاع المتفاقمة ومنع تدفق المتظاهرين الجدد.

خلفية ممتدة

بعد إعلان الصدر انسحابه من العملية السياسة العراقية، اندلعت احتجاجات عنيفة، لكن من غير المرجح أن تكون هذه الاحتجاجات نهاية المناورة السياسية للصدر، خاصة وأن انسحاب الصدر تسبب سريعًا بصدامات دموية بين أنصاره، الصدريين، وفصائل شيعية أخرى مثل ميليشيا "عصائب أهل الحق." وإبان مقتل 33 شخصًا وجرح مئات آخرين في هذه الصدامات، أعلنت قوات الأمن حظر تجول شامل على المركبات في بغداد في محاولة لوقف دوامة العنف.

توقعت مختلف أطراف النزاع بقاءه في الساحة السياسية. صحيح أنه أعلن استقالته "بشكل نهائي" من الشأن السياسي، إلا أن الكثيرين يصرون على إمكانية عودته في أي وقت. وتكفي نظرة سريعة إلى مناوراته السابقة لتثبت ذلك. خاصة وأن هذه ليست المرة الأولى التي ينسحب فيها الصدر من الحياة السياسية. على مدى السنوات القليلة الماضية؛ حيث فاجأ الزعيم الشيعي أنصاره أكثر من مرة بإعلان انسحابه أو استقالته من النشاط السياسي ليعدل لاحقًا عن قراره. وفي عام 2007 مثلًا، أعلن الصدر استقالته من السياسة وسافر لاحقًا إلى إيران، احتجاجًا على وجود القوات الأمريكية في العراق وللتفرغ لدراساته الدينية على السواء. وفي ذلك الوقت، وعد الصدر بأنه لن يعيد النظر في قراره إلا بعد انسحاب آخر جندي أمريكي من العراق. لكن في عام 2010، وقبل انسحاب القوات الأمريكية من العراق، عاد الصدر إلى المشهد السياسي بعد فوز كتلته بـ39 مقعدًا في انتخابات أعضاء "الائتلاف الوطني العراقي".

وبعد ثلاث سنوات، وعقب الصدامات بين أنصار الصدر وغيرهم من الفصائل المسلحة، أعلن الصدر مجددًا أنه سيترك العمل السياسي، ليعود ويتراجع بعدها بفترة قصيرة. ولكنه انسحب مجددًا في عاميْ 2014 و2016، كما هدد مرارًا بالانسحاب في مناسبات متعددة خلال العقد الماضي. ويُعتبر إعلان الصدر الأخير واحدًا من مجموعة طويلة من الانسحابات والاستقالات.

محددات المشهد العراقي الجديد

يشهد المشهد السياسي في العراق كان فوضى متكررة، إلا أن احتمال إجراء انتخابات مبكرة قبل نهاية العام المقبل يُعتبر خطوة مهمة لحل الجمود السياسي. وفي حال إدخال تعديلات على الدستور والقوانين الانتخابية، وتطبيق التغييرات في اللجنة الانتخابية، قد تتشكل حكومة عراقية بنجاح. بالطبع، ما من ضمانات بأن هذه التغييرات ستساهم فعليًا في حل المشاكل الراسخة بين الكتل السياسية الكبرى، ولكنها ستؤدي على الأرجح إلى عودة الصدر إلى السياسة بحيث سيكون تواقًا إلى المشاركة من جديد في العملية الانتخابية إلى جانب مناصريه، وبخاصةٍ في حال سمحت التعديلات للكتل السياسية بتشكيل تحالفات بعد الانتخابات. وفي هذه الحالة، يتوقّع المحللون أن تصبّ التعديلات إلى حدّ كبير في صالح الصدر خلال تشكيل الحكومة المقبلة، ما يمنحه الغلبة في الميدان السياسي.

وتأتي هذه الاتجاهات في ظل تفاقم التنافس بين قوى الإطار التنسيقي والتيار الصدري منذ إجراء الانتخابات التشريعية في أكتوبر 2021 خاصة وأن كليهما يمتلك نقاط قوة مختلفة، بحيث يحاول كل طرف الاستحواذ والسيطرة على الحكومة بما يتناسب مع أجندته بعدما فشلت الدعوات لإمكانية تشكيل حكومة الجديدة، ويمكن إرجاع هذا الأمر إلى أن أصل الخلافات السياسية بينهما بسبب تسمية مرشح رئاسة الوزراء، وتشكيل الحكومة المقبلة؛ حيث ترى الكتلة الصدرية أنها صاحبة الأحقية في تشكيل حكومة أغلبية وطنية، في حين تسعى قوى الإطار بالضغط لتشكيل حكومة توافقية وأن تحصل كل الأطراف الشيعية على مناصب وزارية وفقًا إلى قاعدة المحاصصة السياسية، التي تأسست على ضوئها الحكومات العراقية منذ عام 2003. وهو ما نتج عنه انغلاق سياسي استمر طويلًا دون جدوى أو حل.

في الختام: إن عدم دعم الديمقراطية الناشئة في العراق سيؤدي في النهاية إلى انتكاسة التجربة الجديدة، وتقويض فرص إقامة نظام سياسي قادر على التعامل مع مشكلات العراق الداخلية والخارجية. وتصعيد قوى أخرى لا تعبر عن مطالب واحتياجات الشارع العراقي، وأنه في حال انسحاب الصدر بصورة كاملة من المشهد الداخلي العراقي فسيكون ذلك بمثابة فرصة ذهبية لإعادة تشكيل حكومة جديدة موالية لإيران؛ حيث حاول حلفاء إيران تأخير تشكيل الحكومة وهددوا بإسقاط الحكومة حال تشكيلها، وبالتالي لم يكن العراق مستعدًا لتشكيل حكومة تلتزم بتقليص الدور السلبي الذي تؤديه الميليشيات المدعومة من إيران.

ومن ناحية أخرى، سيؤدي ذلك إلى اندلاع حرب أهلية على خلفية الأحداث الأخيرة تتمثل في احتمالية المواجهة المباشرة بين القوى السياسية المختلفة، فالاحتجاجات والانقسامات ستعمل على إعادة إنتاج الأزمات بصورة أكثر تعقيدًا ودموية بسبب صراع شيعي- شيعي على الأرض بعد دعوة الإطار التنسيقي أنصاره إلى الخروج بمظاهرات مناوئة لتظاهرات التيار الصدري.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟