المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
مرﭬت زكريا
مرﭬت زكريا

أثر الفراشة...كيف تنعكس الجغرافيا على مستقبل السياسة الخارجية التركية في ظل الحكومة الجديدة؟

الأحد 25/يونيو/2023 - 10:33 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات

حظى التشكيل الحكومي الذى اقترحه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد إعادة انتخابه لفترة رئاسية ثالثة في أواخر مايو لعام 2023، بترحيب جيد  على الصعيدين المحلي والدولي؛ حيث يتمثل أبرز أعضائها في وزير الخارجية ومسؤول الاستخبارات السابق وأحد المهندسين الرئيسيين لنشاطها الجيوسياسي هاكان فيدان والذى كان له دوراً كبيراً في بروز الجغرافيا السياسية كأحد المحددات الرئيسية للسياسة الخارجية التركية خلال الفترة الماضية.

أما فيما يتعلق بوزير المالية الجديد فهو الخبير الاقتصادي السابق في شركة خدمات التمويل العالمية "ميريل لينش"محمد سيمسك وهو من الشخصيات ذات الخبرة الاقتصادية الكبيرة ويحظى باحترام كبير وعلاقات عمل وثيقة مع نظرائه الدوليين، ويشغل المنصب الثاني من ذو الخلفية الاقتصادية  منصب نائب الرئيس وهو جودت يلماز.  

يمكن توضيح أبرز تداعيات ذلك على السياسة الخارجية التركية من جوانب عدة تتضح في:

أولاً- أولوية المحددين الاقتصادي والجيوسياسي

تكشف هذه التعيينات عن أن الملف الاقتصادي سيكون حاضراً بقوة على أجندة السياسة الخارجية خلال الولاية الثالثة لأردوغان، بينما كانت الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية والسياسية هي المحددات الرئيسية للسياسة الخارجية التركية على مدى العقد الماضي.

ويكتسب ذلك أهمية كبيرة في ظل سعى العديد من دول الشرق الأوسط لردء الفجوة بين تطلعاتها الجيوسياسية واحتياجاتها الاقتصادية، وهو الأمر الذى يشكل ضغطاً  مزدوجاً على تركيا بشكل خاص لجهة إنها تشهد تراجعاً اقتصادياً حاداً خلال هذه الفترة. ولمعالجة مشاكلها الاقتصادية، من المرجح أن تسعى أنقرة لتوظيف الجغرافيا السياسية والكفاءات الاقتصادية التى تم تعيينها في الحكومة الجديدة بهدف التغلب على مشكلاتها الاقتصادية وجذب المزيد من الاستثمارات.

ورغم ذلك ستظل تركيا تسعى نحو مزيد من الاستقلال الذاتي في سياستها الخارجية والأمنية، بالتوازي مع السعي لتعزيز مكانتها العالمية، كما أن ذلك لا يعني بالضرورة معاداة الغرب، بل على العكس  من ذلك، تكشف الكفاءات التى تم تعيينها في الحكومة الجديدة عن أنها ترغب في إداة خلافاتها مع  دول العالم بمهارة أكبر.

أولاً- سعى نحو المزيد من التوازن الجيوسياسي

تساهم تركيا – بوصفها  رأس الحربة – بنصيب قد لا يبدو هيناً في تشكيل السياسة العالمية، وبوصفها قوة إقليمية فإنها تسعى نحو لعب دورًا أكبر في الشؤون الإقليمية، وأن تحظى بالمزيد من الاستقلالية في سياستها الخارجية والأمنية. ومقارنة بالقوى الإقليمية الأخرى، مثل البرازيل وجنوب إفريقيا والمملكة العربية السعودية، تتمتع تركيا بميزتين أساسيتين  يتضح أولها في عضويتها بحلف الناتو، الأمر الذى يجعل السعى نحو الاستقلال الذاتى أمراً مثيراً للجدل في هذه الحالة، وثانيها في أنها كانت ولاتزال نتاجاً لحضارة وإمبراطورية كبيرة، الأمر الذى يجعل قيامها بدور على الصعيد العالمي قابلاً للنقاش، وهو المتغير الذى عول عليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال حملته التى سبقت الاستحقاقات الرئاسية التى فاز فيها بفترة رئاسية ثالثة.

وفي هذا السياق، تعتقد النخبة السياسية في تركيا أن التطورات الإقليمية والدولية على مدى العقد الماضي – وهو ما يدعمه العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا- تؤكد صحة فرضية السياسة الخارجية لتركيا بأن السياسة العالمية اليوم باتت لا تتمحور حول الغرب كما كان من قبل.

 وتعد التحولات الحادثة في الشرق الأوسط بمثابة إنعكاساً  للتغييرات الهيكلية في النظام العالمي، مما يسلط الضوء على الأهمية التى تحظى بها القوى الفاعلة الإقليمية وليس أدل على ذلك من تراجع الدور الأمريكي، بالتوازي مع تزايد دور روسيا في الأمن الإقليمي والأهمية متعددة الأبعاد التى باتت تحظى بها الصين في الشرق الأوسط. وتمثلت أبرز ملامح ذلك في التنسيق السياسي والأمني بين كل تركيا وروسيا فيما يتعلق بإدارة الصراع الإقليمي في سوريا وليبيا وناغورنو كاراباخ  وحتى في البحر الأسود.

وفي هذا الإطار، كانت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا بمثابة مثال واضح على قيام تركيا بعملية توازن جيوسياسي جيدة إلى حد كبير؛ حيث انخرطت أنقرة في الحرب كالعديد من الدول غير الغربية بما في ذلك بعض شركائها التقليديين، مثل الهند والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة.

واتبعت تركيا سياستين مترابطتين تمثلتا في محاولتها أن  تكون موالية لأوكرانيا دون أن تصبح مناهضة لروسيا؛ حيث قدمت معدات دفاعية لأوكرانيا في وقت مبكر، بما في ذلك طائرات بدون طيار(مسيرة)، بالتوازى مع كون تركيا فاعلاً أساسياً في منطقة البحر الأسود التى تدور فيها الحرب  إلى جانب روسيا وأوكرانيا.  ويمكن فهم ذلكك في سياق إنه إذا غيرت موسكو ميزان القوى بشكل جذري لصالحها، فسيشكل ذلك تهديداً طويل الأمد لتركيا ويقلل من مساحة المناورة لديها في هذه المنطقة. ومع ذلك، عندما تعلق الأمر بالمواجهة بين روسيا والغرب، سعت أنقرة بشكل فعال إلى تحقيق نوع من التوازن الجيوسياسي عبر رفضها الإنضمام إلى العقوبات الدولية.

وعليه، لقد خدم هذا النهج أنقرة جيداً حتى الآن وسمح لها بلعب أدوار متعددة؛ حيث تلعب تركيا دورًا دبلوماسياً من خلال محاولة التوسط في النزاع، وآخر إنسانياً من خلال تسهيل صفقات  الحبوب مع الأمم المتحدة، ودوراً جيوسياسياً من خلال التحكم في الممر من وإلى البحر الأسود عبر المضائق التركية، ومكنها ذلك من الحفاظ على  التدفق المستمر للأموال الروسية والسياح إلى تركيا، وبالتالي، نظراً لفوائدها العديدة، فمن غير المرجح أن تغير أنقرة هذه السياسة.

ثانياً- استمرار الملفات الخلافية مع الغرب

في المقابل، من غير المرجح أن تُحل القضايا الأساسية في علاقات تركيا مع الغرب، فهناك فجوة كبيرة بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بقراءة كل منهما للسياسة العالمية وتصورات التهديد المرتبطة بها، ولاسيما في ظل علاقات تركيا المتميزة مع كل من روسيا والصين؛ ولاسيما فيما يتعلق بشراء أنقرة للأسلحة الروسية – حيث كان شراء تركيا لمنظومة صواريخ S- 400  عاملاً أساسيا في استمرار الخلاف مع الغرب- و وانخرطت مع الصين في مجال التكنولوجيا فائقة التطور.

وعلاوة على ذلك، توجد بعض الملفات الخلافية الأخرى والتى يتمثل أبرزها في رفض تركيا لانضمام بعض الدول الأوروبية مثل السويد لحلف شمال الأطلسي (الناتو)؛ حيث تعترض تركيا على نهج ستوكهولم المتساهل في التعامل مع الإرهاب، وهو الأمر الذى أقدمت السويد على إثره بتشريع قانون أقوى في نوفمبر الماضي لمكافحة الإرهاب، ودخل حيز التنفيذ في 1 يونيو 2023. وبالتالي، يبقى أن نرى ما إذا كان سيتم حل هذه القضية في قمة الناتو المقبلة في يوليو في فيلنيوس أم لا؟

كما يوجد خلاف بين البلدين أيضاً حول مسألة سلاسل التوريد العالمية، التي برزت إلى الواجهة بسبب جائحة COVID-19،  والعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، فضلاً عن  التنافس بين القوى الكبرى. فبفضل قاعدتها الإنتاجية الكبيرة، وكعضو في مجموعة العشرين والاتحاد الجمركي الأوروبي تحاول تركيا الاستفادة من إعادة هيكلة سلاسل التوريد قدر الإمكان. ومع ذلك، فإن قدرتها على القيام بذلك لن تتحدد على أساس اليعد الاقتصادي فحسب، بل ترجع إلى مقدار التوافق في علاقات تركيا مع أوروبا والغرب.

وختاماً: يمكن القول إنه لطالما ساهمت الجغرافيا السياسية وتصورات التهديد المشتركة في تقريب تركيا والغرب، لكن الأزمات الجيوسياسية الأخيرة في الجوار المباشر لأوروبا فصلتهما عن بعضهما البعض. ومع فقدان بعض الصراعات الإقليمية لزخمها، تضاءلت الديناميكيات التنافسية إلى حد كبير، لكنها لا تزال بعيدة عن الحل. وبالتالي سيعتمد تأثير المحدد الجيوسياسي على علاقة تركيا بالغرب في المستقبل القريب على ما إذا كانت الحكومة الجديدة بقيادة أردوغان ستتبنى نهجاً تنافسياً أم تعاونياً في جوارها القريب والبعيد.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟