المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
مصطفى صلاح
مصطفى صلاح

تداعيات الفراغ: ماذا ينتظر لبنان بعد فشل اختيار الرئيس؟

الأحد 09/يوليو/2023 - 02:33 م
المركز العربي للبحوث والدراسات

تميل المشاكل والحلول السياسية في لبنان بقوة إلى التكرار وأصبح هذا الواقع واضحًا بشكل متزايد في الفشل المستمر في انتخاب رئيس جديد وهي ساحة يقوم فيها المجتمع الدولي مرة أخرى ببعض التحركات المهمة لإنقاذ البلاد بشكل فعال، وأصبح الشلل السياسي وعدم القدرة على دعم الديمقراطية من سمات النظام اللبناني بعدما فشلت المحاولة البرلمانية الثانية عشر لاختيار رئيس جديد، وهو المنصب الشاغر منذ انتهاء فترة ميشال عون في أكتوبر الماضي، وخرج حزب الله الشيعي القوي وبعض حلفائه بمن فيهم حركة أمل من جلسة البرلمان لعرقلة مسعى الأحزاب المسيحية الرئيسية لانتخاب جهاد أزعور المسئول في صندوق النقد الدولي، مخترقين بذلك النصاب القانوني اللازم لمواصلة التصويت، وهو ما أدى ذلك إلى إغلاق رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة لعدم وجود عدد كاف من الأعضاء. وقد دفع ذلك بعض الأحزاب السياسية اللبنانية إلى المطالبة بنموذج جديد للحكم، وتحديدًا نموذج يجعل لبنان يتبنى الحياد الخارجي خاصة وأن لبنان يواجه مشاكل كثيرة بين طوائفه أنها تخضع لتأثير التطورات الإقليمية والدولية.

وبينما تستمر بيروت في الخلاف حول المرشحين وغيرها من الخلافات الطويلة الأمد، من المرجح أن تتجه النخب السياسية في البلاد إلى الاعتماد على داعميها الدوليين لحل المشاكل اللبنانية بشكل صارم، وعلى الرغم من أن هذا التوجه غير مرغوب فيه، إلا أنه من المحتمل أن يشكل العمل الدولي السبيل الوحيد لتشكيل حكومة جديدة في لبنان اليوم نظرًا للعقبات السياسية الحالية.

جهود التسوية

في محاولة فرنسية لإيجاد حل للأزمة المتفاقمة في لبنان، أعلنت باريس، تعيين وزير خارجيتها السابق جان إيف لودريان، مبعوثًا خاصًا إلى بيروت التي تواجه أزمة سياسية واقتصادية خانقة تحتاج لإصلاحات شاملة وعاجلة، وفق صندوق النقد الدولي. وتتمثل مهمة لودريان الذي يتمتع بخبرة واسعة في إدارة الأزمات وعلى دراية بالتجاذبات بين الفرقاء في إيجاد حل توافقي وفعال للأزمة المتفاقمة منذ انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020.

وهذه الخطوة تحمل دلالات ودوافع عدة، من بينها اهتمام باريس بحل الأزمة مقابل لعب دورًا كبيرًا بالساحة الداخلية اللبنانية، وإعلان فرنسي بفشل المبادرة السابقة التي قادها المبعوث الفرنسي باتريك دوريل لترشيح سليمان فرنجية لمنصب الرئيس، وضمان استمرار عمل شركة توتال الفرنسية في بيروت بعد ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل.

ويهدف المبعوث الفرنسي للقاء النخب اللبنانية وتشجيع الحوار البناء حول الملف الرئاسي. لو دريان هو ممثل سياسي رئيسي في فرنسا، ويتمتع بنفوذ ومهارة دولية كبيرة، مما يعكس جدية باريس في حل الجمود في بيروت. ووصف المبعوث رحلته إلى لبنان بأنها مهمة استشارية لضمان خروج البلاد من المأزق السياسي.

ومع ذلك، من المثير للاهتمام، أن لو دريان أعرب عن أنه لن يضغط من أجل أي مرشح في زيارته بما في ذلك خيار طرف ثالث يمكن أن يؤدي إلى توافق بين الكتل السياسية الرئيسية في لبنان. يأتي هذا بمثابة مفاجأة بالنظر إلى أن باريس قد دعمت بشكل خاص سليمان فرنجية المدعوم من حزب الله منذ أشهر بعد دعمها العلني للعناصر الإصلاحية في السنوات الأخيرة.

انعكاسات التدخل

أوضحت بعض النخب السياسية اللبنانية أن الضغط الدولي غير ضروري؛ حيث أعلن سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية المحافظ أن الحل لا يحتاج إلى تدخل فرنسي أو أميركي أو إيراني وأن المطلوب قرار داخلي سيادي. وعبر رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل عن مشاعر مماثلة في لقائه مع لودريان أيضًا وكلاهما حزبان مسيحيان رئيسيان في لبنان يعارضان بعضهما البعض حتى وقت قريب.

ولطالما شعر لبنان بأعباء صنع القرار الإقليمي والعالمي أو والانعكاسات المحتملة. فمن المتوقع أنه مع هدوء التوترات الإقليمية في أعقاب التقارب بين سوريا وجامعة الدول العربية واستئناف العلاقات الدبلوماسية بين إيران والسعودية، من الطبيعي أن يتساءل الناس عما إذا كان لهذه التطورات تأثير إيجابي على شئون لبنان في الداخل، وخاصة الملف المتعلق باختيار رئيس لبنان.

وقد جاءت هذه الخطوة الفرنسية عقب اجتماع في 16 يونيو الماضي بين ماكرون وولي العهد السعودي محمد بن سلمان في باريس. وبحسب ما ورد ناقش الزعيمان مشاكل لبنان، ودعيا إلى إحراز تقدم في الملف الرئاسي. ومن المفترض أن تلعب قطر ومصر دورًا في إنشاء ما يوصف بـالدوحة الجديدة في إشارة إلى اتفاقية الدوحة لعام 2008 التي أنهت أزمة سياسية استمرت ثمانية عشر شهرًا وانفجرت إلى أعمال عنف.

على الجانب الآخر، تدعي النخب السياسية اللبنانية والجهات الفاعلة الدولية أنها تدعم مبادرة يقودها لبنان، وإن كانت القوى العالمية والإقليمية تسحب الخيوط في الخلفية. في حين وصف محمد بن سلمان علنًا القضايا الرئاسية اللبنانية بأنها شأن داخلي ودعم الرياض تدريجيًا للخروج من شئون البلد المتوسطي، وتجب الإشارة هنا إلى أن لولي العهد مصلحة راسخة في حل النزاعات لتجنب العنف السياسي الذي نشأ في عام 2008.

ومن المحتمل أن يفهم أصحاب المصلحة الرئيسيون الآخرون هذا أيضًا بما في ذلك إيران، وبالتالي يصبح السؤال المطروح في النهاية هو جعل النخب اللبنانية في نفس الغرفة لعقد الصفقات السياسية الضرورية التي لا يمكن إلا للضمانات الدولية أن تدعمها؛ حيث تعكس التبادلات الدبلوماسية الأخيرة عبر المنطقة جهودًا متضافرة لتحقيق هذه النتيجة لا تقتصر فقط على زيارة وزير الخارجية السعودي إلى طهران ورحلة وزير الخارجية الإيراني الحالية إلى الخليج.

ومن هنا يبقى أن نرى ما إذا كانت الصفقة الإيرانية السعودية تساعد في تسهيل مثل هذا الاجتماع أم لا؟ وإن كانت عودة الدفء في العلاقات بين الخصمين الإقليميين يشير بالتأكيد إلى أن الصفقة يمكن أن تكون لها انعكاسات إيجابية في أي جهود سياسية لخفض التوترات في لبنان لاحقًا.

وبالتالي، يجب أن تتجه كل الأنظار إلى الدفع الدبلوماسي الحالي لفرنسا فيما يتعلق بالجهود الإقليمية لإقامة حوار بين الأطراف السياسية اللبنانية الرئيسية. ربما لن يؤدي ذلك إلى رئاسة فرنجية أو أزعور، لا سيما بالنظر إلى أن كلا المرشحين يبدو أنهما في وضع جيد من أجل مثل هذا الحوار حول مرشح توافقي في هذه المرحلة. إذا كان هذا هو الحال، فقد يصبح عون الرئيس المقبل للبنان، باستثناء بعض العقبات الإجرائية والدستورية وأيضًا الدعم الدولي المتفاوت لترشيحه.

وتسلط مثل هذه العملية الضوء على الطبيعة المتكررة للسياسة اللبنانية التي فشلت باستمرار في معالجة أوجه القصور المنهجية التي تعيد إنتاج نفس المشاكل بانتظام. سيكون من الحكمة أن ينتهز أصحاب المصلحة الدوليون أي فرصة للحوار لمعالجة الأسباب الجذرية للقضايا المطروحة. ولسوء الحظ، من المرجح أن تسود الطبيعة الدورية للموقف الحالي؛ حيث يتم وضع الضمادات على الجروح التي تتطلب المزيد من الاهتمام والرعاية، باعتبار أن مصدر مشاكل لبنان يكمن في جذوره، أي الطريقة التي تمارس بها السياسة وأسس البلاد التي أرست الأساس لفشلها الحالي، وأنه من الأفضل إيجاد حلًا في الجذور. لأن المشكلة في النظام تتمثل في الدستور وبالتالي الحاجة إلى التخلص منه وإعادة بنائه مرة أخرى مع رفض مبدأ التبعية.

 

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟