المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
مرﭬت زكريا
مرﭬت زكريا

دوافع الصفقة...لماذا حرصت إيران على استيراد طائرات "ياك 130" الروسية؟

الإثنين 25/سبتمبر/2023 - 07:26 م
المركز العربي للبحوث والدراسات

أثار إعلان إيران في سبتمبر الجارى عن تسلمها لطائرات "ياك 130 " الروسية الكثير من ردود الفعل الداخلية والخارجية حول دوافع إيران من وراء عقد هكذا صفقات خلال الفترة الحرجة التى تمر بها على الصعيد الداخلي فيما يتعلق بالاحتجاجات التى صاحبت الذكرى الأولى لمقتل الفتاة الإيرانية من أصل كردي مهسا أميني والأوضاع الاقتصادية المتدهورة للغاية في إيران.

 ورغم سعى إيران لحلحلة أزماتها مع العديد من دول المنطقة ولاسيما دول جوارها، إلا أنها تمتلك ملفات خلافية قد لا تبدو هينة مع بعض القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية والتى يتضح أبرزها في الاتفاق النووى، والدعم العسكري الإيراني لروسيا في الحرب الأوكرانية، فضلاً عن انتهاكات إيران لحقوق الإنسان.

محفزات متعددة  

تتضح أبرز دوافع إيران في استيراد طائرات "ياك 130" الروسية في:

1-    تعزيز الضغوط؛ يبدو أن إيران ترغب من وراء هذه الصفقة في زيادة الضغوط المفروضة على الغرب من جهتها على خلفية الملفات العالقة فيما بينهما، والتى يتمثل أبرزها في الرغبة الإيرانية في العودة إلى خطة العمل المشتركة الشاملة على خلفية توقف المحادثات بين إيران ومجموعة (4+1) بشكل مباشر والولايات المتحدة الأمريكية بشكل غير مباشر منذ أغسطس لعام 2021.

 ومن ناحية أخرى، يمكن القول أن روسيا تريد تحقيق الهدف ذاته من خلال  تعزيز تعاونها الدفاعي مع إيران، وإتخاذ هذه الصفقة كبلونة اختبار لمعرفة رد الفعل الغربي تجاه هذا الأمر، وكذلك اتخاذها كورقة ضغط في مواجهة الغرب يمكن أن تعزز موقفها التفاوضي خلال المفاوضات التى من المتوقع أن تنعقد قريباً مع كل من أوكرانيا والغرب بشأن العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا.

وبالإضافة إلى ذلك، ترغب روسيا عبر هذه الصفقة في إحداث نوع من التوازن مع صفقة تبادل السجناء التى عقدتها إيران مؤخراً مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث تتضمن إفراج إيران عن خمسة سجناء أمريكيين مقابل حصولها على 6 مليارات دولار من أموالها المجمدة في كوريا الجنوبية، وإطلاق سراح 5 سجناء إيرانيين في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما تم الكشف عنه خلال الأيام القليلة الماضية، بالتوازي مع إعلان إيران عن قرب عودة السجناء الأمريكيين إلى واشنطن.

2-     توسيع نطاق الشراكة الدفاعية؛ كشفت تقديرات عدة عن أن هذه الصفقة ربما تكون مقدمة لتعزيز التعاون العسكري والدفاعي بين إيران وروسيا، ولاسيما فيما يتعلق بصفقة مقاتلات "سوخوي 35" التى كان من المفترض أن تستلمها إيران من روسيا في مارس الفائت ولكن لم يحدث ذلك.

ولكن تتضح مهمة طائرات "ياك 130" في تدريب الطيارين الإيرانيين على استخدام المقاتلات الروسية من الجيل الرابع، وهو الهدف الذى استضافت من أجله روسيا الطيارين الإيرانيين قبيل بداية عمليتها العسكرية في أوكرانيا. ونددت به تقارير غربية كثيرة خشية توسع حجم التعاون العسكري بين طهران وموسكو، وإتجاه إيران للحصول على تكنولوجيا دفاعية متقدمة يمكن أن تستغلها لمهاجمة المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، أو تصل إلى الميليشيات المسلحة التابعة لطهران في المنطقة مثل الحشد الشعبي و جماعة حزب الله في لبنان وسوريا، وبالتالي، تكثيف الضغوط الأمنية على واشنطن وحلفائها بالمنطقة ولاسيما إسرائيل.

3-     تهدئة الداخل الإيراني؛ تأتي التحركات الإيرانية المتسارعة على الصعيد الخارجي على خلفية الاضطرابات المتزايدة التى يشهدها الداخل الإيراني على كافة الأصعدة؛ فمن الناحية السياسية تتأججت الأوضاع في إيران كثيراً بحلول الذكرى الأولى لمقتل الفتاة الإيرانية من أصل كردي مهسا أميني والتى حلت في 16 سبتمبر 2023، في ظل عدم تراجع حكومة رئيسي عن قراراتها السابقة المتمثلة في حل شرطة الأخلاق، بل تمت إعادتها للشوارع مرة أخرى، الأمر الذى أثار حفيظة الكثير من النشطاء السياسيين والحقوقيين، بالتوازي مع تزايد معدلات القمع الداخلى لجهة زيادة معدل الإعدامات والاعتقالات وخاصة لأبناء الأقليات.

وكذلك، تشهد الساحة السياسية في إيران المزيد من الاستقطابات الحادة على خلفية مجموعة من الموضوعات يتمثل أهمها في مدى التعصب الذى تتسم به حكومة رئيسي لصالح التيار المتشدد على حساب نظيرة الإصلاحي وهو ما ظهرت أبرز ملامحه في حملات التطهير الواسعة التى تقوم بها الحكومة على مستوى المؤسسات الحكومية وخاصة فيما يتعلق بالجامعات والمؤسسات الثقافية الأخرى لتثبيت أقدام الموالين لها وطرد المعارضين.

أما عن الملف الآخر الذى يوجد بشأنه استقطاب كبير في إيران فهو توجهات السياسة الخارجية الإيرانية، ففي الوقت التى تتبع فيه حكومة رئيسي توجه يقوم على تعزيز "التوجه إلى الشرق"، ترى بعض التيارات السياسية الأخرى حتى من داخل الأصوليين أنفسهم عدم جدوى الاعتماد على هذا التوجه على المدى الطويل، وإنه لابد من الإتجاه إلى تبنى مبدأ التوازن في السياسة الخارجية، بالنظر إلى مقولة "لا يوجد صديق دائم أو عدو دائم"، كما أن الاستثمارات الحقيقة توجد في دول الغرب وليس الشرق.

وفيما يتعلق بالبعد الاقتصادي، فرغم الأموال التى من المفترض أن يفرج عنها من قبل ثلاث دول وهي كوريا الجنوبية والعراق وتركيا، إلا أن إتجاهات الرأي العام الإيراني تؤكد على إنه لن يكون لها تأثير كبير لجهة الحد من التداعيات السلبية للأزمة الاقتصادية الطاحنة التى تمر بها إيران في الوقت الحالي والناتجة في جزء كبير منها عن العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة على إيران، والعقبات الهيكلية التى يعاني منها الاقتصاد الإيراني مثل تفشى الفساد. وبالتالي، يأتي سعى حكومة روحاني لتحقيق إنجازات خارجية للتشويش على نقاط ضعفها وفشلها في الخارج.

4-     التعويل على إمكانية تجاوز الاتفاق النووي؛ يمكن القول أن حكومة رئيسي تحاول من خلال تعزيز شراكتها الدفاعية مع روسيا التأكيد على إمكانية تحقق السردية الخاصة بالتيار المتشدد في إيران والتى تشير إلى إنه يمكن لتعزيز التعاون مع دول الشرق مثل روسيا والصين أن يعوض تدهور العلاقات مع الغرب، وبل ويغنى عن العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة مع دول (5+1)، التى يعتقد البعض من المحسوبين على التيار الأصولى أنها غير مهمة من الأساس.

وبسبب الانتقادات المتزايدة لإيران فيما يتعلق بالارتكاز على التوجه شرقاً، اتجهت حكومة رئيسي لتعزيز علاقتها مع أكبر عدد ممكن من دول العالم، ولاسيما الدول الأفريقية ودول أمريكا اللاتينية، والتى تعتقد أنها يمكن أن تساهم في تعزيز مبدأ "الاقتصاد المقاوم" الذى يدعو المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إلى العمل به، فضلاً عن فتح أسواق جديدة يمكن أن تلبى احتياجات إيران وكذلك تصدير منتجاتها إليها. وهو ما يمكن في إطاره فهم دوافع انضمام إيران إلى بعض المنظمات الدولية التى تحظى بقدر من الأهمية مثل "شنغهاي" و"بريكس".

وفي النهاية: يمكن القول أن إيران تحاول من خلال هذه الصفقة الحصول على مزيد من أوراق الضغط التي يمكن أن تستخدمها في إطار مفاوضاتها مع الدول الغربية بشكل عام، والولايات المتحدة الأمريكية على سبيل الخصوص، حول الاتفاق النووي، وكذلك، ترغب روسيا في الاستفادة منها في سياق مفاوضاتها القادمة مع الغرب حول تدخلها العسكري في أوكرانيا.

 

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟