المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

الجزاء الأوفى.. ومستقبل غامض: قراءة في نتائج الانتخابات الجزائرية

الثلاثاء 22/أبريل/2014 - 11:31 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات
د.أحمد موسى بدوي
لويزة بن حنون، رئيسة حزب العمال: أن الأمة الجزائرية، راعت في تصويتها لبوتفليقة، المخاطر التي تتعرض لها البلاد داخليًا وخارجيًا

دون مفاجآت، فاز عبدالعزيز بوتفليقة، بالانتخابات الرئاسية الجزائرية، ويبدو أن المواطن، قرر أن يجازي بوتفليقة الجزاء الأوفى، فمنحه الثقة 81,53% من الناخبين الذين شاركوا في هذه الانتخابات، لقد أبقت هذه النتيجة، الحال على ما هي عليه في الجزائر. فماطبيعة هذا الفوز وملابساته؟

أولا: موقف المرشحين من النتائج

تباينت مواقف المرشحين من النتائج المعلنة، حيث أعلن فوزي رباعين وموسى تواتي، وعلي بن فليس رفضهم لهذه النتائج، زاعمين أنها مرت بالتزوير، وأن السلطات ضخّمت نسبة المشاركة، التي  لم تتجاوز بحسب ادعائهم نسبة 30%، والواقع أنه سواء كانت نسبة المشاركة، كما أعلنتها وزارة الداخلية الجزائرية، أو حسب ادعاءات المنافسين الثلاثة، فإن فوز بوتفليقة في كل الأحوال، هو فوز مؤكد، خاصة وأن وكلاء المرشحين في كل لجنة فرعية، قد تسلموا نسخا من نتيجة الاقتراع بعد فرز الأصوات مباشرة، وبالتالي فإن الزعم بالتزوير، ما هو إلا محاولة لتبرير الهزيمة أمام المناصرين، ووسائل الإعلام. ويتضح ذلك من التقارير الأولية التي أصدرتها، العديد من المنظمات المراقبة للانتخابات(مثل الاتحاد الأفريقي، جامعة الدول العربية، منظمة التعاون الإسلامي، وغيرها)، والتي اتفقت على أن الانتخابات جرت في أجواء جيدة، ولم ترصد انتهاكات من شأنها التأثير على النتائج النهائية.

 ويحسب للجزائريين، أنهم عبروا باليوم الانتخابي إلى بر الأمان دون سقوط ضحايا، كما كان يتوقع البعض، ولم يمنع ذلك من وجود مناوشات، أمام بعض مراكز الاقتراع، أصيب فيها عدد لا يتجاوز السبعين غالبيتهم من قوات الأمن، ومقارنة بالانتخابات البرلمانية التركية التي سقط فيها تسعة قتلى، منذ أسبوعين فإن الجزائر نجح في إدارة الانتخابات الرئاسية بكفاءة عالية.

جدول يوضح عدد الأصوات التى حصل عليها كل مرشح

 

 اسم المرشح

الانتماء الحزبي

النسبة الحاصل عليها من جملة الحضور(%)

عدد المقاعد التي حصل عليها الحزب في تشريعية 2012

عبدالعزيز بوتفليقة

حزب جبهة التحرير

81,53

220

علي بن فليس

مرشح مستقل

12,18

--

عبدالعزيز بلعيد

حزب جبهة المستقبل

3,36

2

لويزة بن حنون

حزب العمال

1,37

20

فوزي رباعين

رئيس حزب عهد54

0,99

3

موسى تواتي

جزب الجبهة الوطنية

0,56

3

 

تأثر الشارع الجزائري، بالنتائج غير المتوقعة لثورات الربيع العربى، وخاصة الأداء السيئ وغير الديمقراطي لقوى الإسلام السياسي في كل من تونس ومصر، وتدمير الدولة في ليبيا وسوريا

وقد تقبل النتيجة، عبد العزيز بلعيد، أصغر المرشحين، رئيس حزب جبهة المستقبل، والحاصل على المركز الثالث، وأعلن رضاءه عن النتيجة، معلقًا بأن " الظروف الحالية دفعت الشعب الجزائري إلى التصويت على الاستقرار". أما لويزة بن حنون، رئيسة حزب العمال، والتي حلت في المركز الرابع، فقد أعلنت ارتياحها للنتيجة، ولم تشكك فيها، وذهبت إلى أن الأمة الجزائرية، راعت في تصويتها لبوتفليقة، المخاطر التي تتعرض لها البلاد داخليًا وخارجيًا، ويتضح من الجدول بعاليه، تفوق حزب المستقبل عبر مرشحه عبدالعزيز بلعيد، عليلويزة بن حنون، مرشحة حزب العمال، ربما بسبب البرنامج الطموح الذي قدمه، ولأنه أصغر المرشحين عمرًا، فكان الأكثر قربًا من قطاع الشباب، بالإضافة إلى المتغير الجندري، المؤثر في مجتمعاتنا العربية.

ثانيًا: موقف القوى السياسية من المشاركة

لا يمكن فهم الخريطة السياسية الجديدة في الجزائر، بمنأى عن ثورات الربيع العربي، فمن ناحية تفاعل الرئيس الجزائري مع هذه الثورات، بغرض تجنب الحراك الثوري في الجزائر، ونجح في إجراء حوار وطني، تمخض عنه عدد من الإصلاحات السياسية، لعل من أهمها، إطلاق حرية تشكيل الأحزاب السياسية، فمن المعلوم أن خريطة الأحزاب السياسية ظلت مجمدة منذ العام 1999، وفي عام 2012، وعبر الحوار المذكور، تم الترخيص لعدد 22 حزبًا سياسيًّا دفعة واحدة قبل الانتخابات التشريعية بشهرين.

ومن جهة ثانية، تأثر الشارع الجزائري، بالنتائج غير المتوقعة لهذه الثورات، وخاصة الأداء السيئ وغير الديمقراطي لقوى الإسلام السياسي في كل من تونس ومصر، وتدمير الدولة في ليبيا وسوريا، ما دفعالناخب الجزائري، للتصويت ضد القوى السياسية الإسلامية في الانتخابات التشريعية التي أجريت في 2012، ولم يستطع تحالف الإسلاميين المعروف بالجزائر الخضراء الحصول على أكثر من 48 مقعدًا.

 ومن ثم فإن المتوقع أن تكون القوى الإسلامية، من أكثر القوى حرصًا على  مقاطعة الانتخابات الرئاسية، وبالفعل اجتمع في  السادس من مارس 2014، أربع من القوى السياسية (ثلاثة أحزاب إسلامية، وحزب مدني واحد) بالإضافة إلى شخصيات جزائرية، كانت لديها نية الترشح وأحجمت، ثم دعت في هذا الاجتماع للمقاطعة ( أحمد بن بيتور، وممثل عن السيد سفيان جيلالي)، وقد انضم إلى هذه التنسيقية، فيما بعد، أو تبنى دعوتها، عدد من الحركات المدافعة عن حقوق الأمازيغ، بالإضافة الى حركة "بركات" التي نشأت على غرار حركة "كفاية المصرية"، ثم جرى التضخيم الإعلامي لتنسيقية المقاطعة، ولم يظهر لها طحين بعد هذه الجعجعة.

والواقع أن مقاطعة الإسلاميين، تثير حالة من القلق في المجتمع الجزائري، ويتضح ذلك من البيانات الصادرة عن هذه القوى. فالجبهة الإسلامية للإنقاذالمحظورة، تحاول استنفار الشارع الجزائري، خاصة خلال الأزمات المتكررة التي يمر بها المجتمع. ويجد المحلل للبيانات التي تصدرها الجبهة في الداخل أو من قطر، حيث يقيمعباس مدني، قائد الحركة، أن الجبهة لا تزال  تعتبر نظام الحُكم في الجزائر، نظاما غير شرعي وفاسدًا، ولابد من السعي لتغييره جذريا (بالطرق السلمية!). ومع ذلك يحاول المنتمون للجبهة، انتزاع اعتراف السلطات الجزائرية بحق أعضاءها في الترشح للاستحقاقات الانتخابية المختلفة، وهو ما يجد رفضا دائما من السلطات، وآخرها طلب علي بلحاج، بالترشح للانتخابات الرئاسية الحالية، وجرى توقيف بلحاج، ولا يزال رهن الاعتقال. على أية حال كانت الجبهة من أوائل القوى التي نادت بمقاطعة الانتخابات الرئاسية، وعقب إعلان النتائج، أصدر عباس مدني بيانًا، اتهم فيه السلطات بالتزوير، وهنأ الجزائريين على مقاطعتهم، وطالب القوى السياسية بنبذ الخلافات، والاحتشاد في الشوارع لرفض النتيجة.

أما أحزاب: حركة مجتمع السلم (حمس)، النهضة، العدالة والتنمية، فقد انطلقت مقاطعتهم للانتخابات من دعوى عدم وجود ضمانات للنزاهة، ودعت الشعب الجزائري للتجاوب مع المقاطعة.في حين أعلنحزب الإصلاح الوطني مشاركته في الانتخابات الرئاسية، ومساندة المرشح المستقل علي بن فليس، لأنه رؤاه تتطابق مع رؤى الحزب كما صرح يونسي جهيد أمين عام الحزب. بينما أعلن حزب الحرية والعدالة، وهو حزب إسلامي صغير، مشاركته دون تحديد اسم المرشح الذي يدعمه صراحة، وإن كانت قياداته تلمح عبر وسائل الإعلام عن قبولها بترشح بوتفليقة.

لا تزال تعتبر الجبهة الإسلامية للإنقاذالمحظورةأن نظام الحُكم في الجزائر، نظاما غير شرعي وفاسدًا، ولابد من السعي لتغييره جذريا

ثالثا: قراءة في نسبة المشاركة

الجزائر مقسمة إداريا إلى 48 ولاية، وتتكون مراكز الاقتراع من 50 ألف لجنة فرعية، معدة لاستقبال عدد (2187193) ناخبًا، بمعدل يقترب من 440 ناخبًا في اللجنة الواحدة، ويشرف على هذه الانتخابات 460 ألف موظف، وهو معدل مناسب، من حيث المقار والمشرفين، لاستيعاب الكتلة التصويتية الوطنية في الوقت المقنن لإتمام عملية التصويت (11 ساعة وتم تمديدها إلى 12 ساعة)، وبالنظر إلى نسبة المشاركة (51.7%)، فإن متوسط الذين أدلوا بأصواتهم في مركز الاقتراع الواحد خلال اليوم الانتخابي لا يتجاوز 230 ناخبًا.

بصفة عامة، الكتلة التصويتية الجزائرية، لا تتركز في ولايات بعينها، بسبب كبر مساحة الجزائر، وانخفاض الكثافة السكانية، وبسبب التنوع والثراء البيئي الملائم للزراعة والرعي والسياحة والتعدين..إلخ، الوضع الذي لا يدفع المواطن نحو التمركز حول المدن الكبرى. لذلك فإن عدد الناخبين لا يتجاوز المليون سوى في ولايتين فقط هما: الجزائر ووهران، ويقترب من المليون في ولاية سطيف، وتضم هذه الولايات الطبقة الوسطى الحضرية، بمختلف أطيافها، وقد بلغ متوسط نسبة المشاركة في الولايات الثلاث 45%، (الجزائر 38%، وهران 51%، سطيف 46%).

ويذهب بعض المحللين إلى أن البعد الثقافي- الاجتماعي، حاضر بقوة في اختلاف نسب المشاركة، فالولايات التي يقطنها الأمازيغ بكثافة عالية، كانت الأقل مشاركة في الانتخابات الرئاسية، مستشهدين بعزوف منطقة القبائل الكبرى (ولاية تيزي وزو – شمال شرق الجزائر) ومنطقة القبائل الصغرى (ولاية بجاية – شمال شرق الجزائر)، عن المشاركة، حيث بلغت على التوالي إلى (20% ، 23%). صحيح أن كل الأمازيغالجزائريين، لهم حقوق ثقافية واجتماعية، يطالبون بها بين الحين والحين، إلا أنه لا يمكن عزو انخفاض نسبة التصويت في الولايتين المذكورتين، إلى وجود تمييز ثقافي- اجتماعي، أدى إلى عزوف الأمازيغ بصفة عامة عن المشاركة، لأننا سوف نجد أن بعض الولايات التي يقطنها أمازيغ بكثافة عالية، مثل (ولاية خنشلة، ولاية غرداية) وقد ارتفعت فيها نسبة التصويت عن المتوسط العام لتبلغ على التوالي (54%، 55%)، ويمكن تفسير تدني التصويت في تيزي وزو وبجاتو ، إلى التهكم الذي صدر من عبدالمالك السلال، أحد أعمدة حملة بوتفليقة، ضد أمازيغ الأوراس، في بداية الحملة الانتخابية، على الرغم من أنه قدم اعتذاره أكثر من مرة على هذا الخطأ الذي وصفه بأنه زلة لسان.

أما الولايات الحدودية خاصة الغربية والجنوبية،فكانت من أكثر الولايات مشاركة في الانتخابات. ونظرا للبعد عن المركز، فإن حملات المرشحين بصفة عامة لا تتمكن من تغطية هذه الولايات، من حيث الدعاية وعرض البرامج والاتصال الجماهيري، وغالبا ما يصوت الناخب في هذه الولايات لصالح المرشح الذي يدعمه الجيش.

الولايات الحدودية الغربية والجنوبية

نسبة المشاركة (%)

تندوف

78.26

تمنراست

69.90

أدرار        

68.4

تلمسان

63.40

بشار

60.85

 

والخلاصة، أظهرت النتائج أن خيارات المواطن الجزائري العادي، تختلف كثيرًا عن خيارات النخبة السياسية من مختلف الأطياف، فالمواطن قرر أن يجزي بوتفليقة الجزاء الأوْفى في هذه الانتخابات، ردًا لجميل بوتفليقة الذي استطاع أن ينجو بسفينة الوطن في بداية الألفية الجديدة، وينطلق بالجزائر نحو الاستقرار والتنمية في الولايتين الأولى والثانية، وعلى الرغم من أن هذا المواطن يئن من اتساع دائرة الفساد والمحسوبية والتدهور الاقتصادي في الولاية الثالثة.

كما أن المواطن من جهة أخرى، لم يتفاعل مع دعاوى مقاطعة الانتخابات بشكل جدي، ولم يتفاعل أيضا مع الحركات التي دعت الجزائريين للنزول للشارع، ولا يمكن تفسير عدم التفاعل على أنه حالة حب في النظام، وإنما بسبب توجس الجزائريين من انفلات الوضع والدخول في أجواء ثورة، تعيد الجزائر الى أجواء العشرية السوداء، خاصة وأن المتربصين من تنظيم القاعدة والجماعات المتطرفة الأخرى، في حالة ترقب وتهيؤ للعبث بالداخل الجزائري في أي لحظة ضعف أو انفلات.

من حق الجزائريين، وقد جددوا ثقتهم في الرئيس بوتفليقة، أن يجدوا انعكاسا لهذه الثقة التي بذلوها، وأن يلمس المواطن اصلاحات عميقة في ملفات متراكمة، أهمها ملف الفساد، والتوزيع العادل للثروة، والتنمية الاقتصادية، وتمكين جيل الشباب، وتعديل الدستور، لضمان تحول ديمقراطي حقيقي. فهل لدى بوتفليقة العزم والقدرة، مع تدهور حالته الصحية، على فتح هذه الملفات؟ سؤال لن تتأخر إجابته كثيرًا في الجزائر.

 

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟