المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads

من الصعود إلى الحظر: حركة 6 أبريل ما لها وما عليها

السبت 10/مايو/2014 - 11:17 ص
المركز العربي للبحوث والدراسات
د. محمود عبد الله

حركة من الشباب المصري المستنير الذي انتمى لحركة كفاية، وتمرد عليها، صانعا خصوصيته. تكونت إثر الإضرابات العمالية –وبالتحديد مع إضراب عمال المحلة في السادس من إبريل، واستثمرت الرأسمال الرقمي استثمارا كبيرا، فأضحت حركة اجتماعية افتراضية، بمعنى اعتمادها على وسائل الاتصال الإلكتروني في كافة فعاليتها. أبناؤها يجيدون استعمال الإنترنت بأفضل صورة. فللحركة وسائل عديدة تعتمد عليها، لها مواقع تواصل اجتماعي متعددة (تويتر وفيس بوك) ولها موقع على اليوتيوب، وقناة إنترنت تنقل أنشطتها من خلالها. وللحركة أعضاء منتشرون على كل أرجاء القطر  المصري، وهو ما مكنها من إشعال فتيل الثورة.

حركة مغضوب عليها من كل القوى، من رموز نظام مبارك، التي تصفها بالعمالة وتلقي التمويل الأجنبي، بعدما كانت حاملة شعلة الثورة مع صفحة خالد سعيد، ومن رموز الإخوان وقاعدتها الشعبية، ويصفونها بـ "ستة إبليس"، بعدما حملوا على الإخوان أثناء حكمهم، ومن بعض أعضاء حركة تمرد، الذين عاودوا اتهامها بالعمالة أو حسبانها جزءا من الإخوان المسلمين، أو اعتبار بعض أفرادها إخوان مقنعون: "خلايا نائمة".

امتدت الحركة مع الزمن، وتواصلت أنشطتها، حتى نشبت الانقسامات في بنيتها بعد الثورة، وتراوحت التبريرات من بينها رفض المنشقون قيام بعض القيادات بتلقي تمويل أجنبي من الخارج دون علم الأعضاء الآخرين، ومنها أن عملية تجديد الكادر القيادي تمت بشكل غير ديمقراطي، ومنها القول بأن الانقسام وتشكيل حركات جديدة سمة مميزة للحركات الشبابية، مثلما هو حادث في حركة تمرد حاليا، ويتوقع حدوثه في أي حركة حققت نصرا ثوريا. فوقائع الانقسام، وتوالد الجديد، ربما تكون جزءا من مناخ عام، يبرره البعض بتدخل السلطة السياسة عبر ممثلين لها داخل الأحزاب والكيانات السياسية، يشعلون فتيل الانقسامات، ويؤكدونها.

لا تمتلك حركة 6 أبريل بنية أيدولوجية متماسكة، فهم ليسم يساريون خلص، أو يمينيون خلص، فهي تضم عناصر متنوعة من تيارات أيدولوجية مختلفة

أولا: قصة الصعود

    والواقع أن الحركة تتسم بالسمات التي تميز غيرها من الحركات الشبابية: المرونة التنظيمية (الحركة دون تقيد بقيادة مركزية)، والمرونة الفكرية (وإن تم الحفاظ على خطوط فكرية مشتركة).

فالحركة على المستوى التنظيمي لا تلتزم بقيادة مركزية. فهناك حرية للحركة في ضوء الأهداف المحددة سلفا، ودون التقيد بخطة واضحة، بل طبقا لتغير الأوضاع بحسب ما يمليه الواقع ومستجداته. فالحركة بنيويا شبكية، لا هرمية، بل إن الحديث عن "البنية"، هو من العبث البين. كذلك تتسم بميل أعضاؤها للحركة بحرية في التعبير عن آرائهم، والخروج والدخول بيسر.

ولعل شبكية التنظيم تنعكس في شبكية المعنى، فالحركة أيدولوجيا، لا تمتلك بنية أيدولوجية متماسكة، فهم ليسم يساريون خلص، أو يمينيون خلص، فهي تضم عناصر متنوعة من تيارات أيدولوجية مختلفة : ناصريون، وإخوان، وليبراليون، مما جعلها مرنة فكريا، وهذا يتوافق بقوة مع طبيعتها التنظيمية. ومع ذلك يصف أحمد ماهر الحركة بأنها ممثلة لـ" يسار الوسط". هذا الوصف يقوض التصور المستقر حولها، أي القول بعدم وجود تصور أيديولوجي جامع لها. ولعل العودة لجاك ديريدا يمكنها أن تساعدنا في فهم هذا الالتباس في تفسير كيف تكون الحركة بلا بنية فكرية، بحسب ما يتصور بعض المنظرين، في حين أنها تنتمي لتيار أيديولوجي بعينه. إذ يذهب ديريدا في محاضرة شهيرة له، إلى أن تفكيك البنية لا يعني بالضرورة التخلي عن فكرة وجود بنية. باختصار، يمكن الحديث عن بنية فكرية ما لكنها قادرة على استيعاب المغاير داخلها. هذه السمة مميزة لحركات شبابية عديدة، فتمرد حركة شبابية ضمت بداخلها، ناصريين، وإسلاميين، وغيرهم، ولكن الإطار الجامع هو الرفض الأيديولوجي لسياسة الإخوان.

وبحسب التعريف فإن يسار الوسط هم اليسار المعتدل، فهم على متصل السياسة يميلون لليسار فيما هم بالوسط. وهم يعرضون الهوة الواسعة بين الأغنياء والفقراء، ويدعمون إجراءات معتدلة لتقليلها، من قبيل فرض الضريبة التصاعدية على الدخول، سن قانون يحدد الحد الأدنى للأجور، وقوانين تنظم العمل، وتضع قيودا على ساعات العمل، وقوانين تؤمن حق العمال في التنظيم وتشكيل التنظيمات التي تدافع عنهم. ولعلها مطالب أساسية حملها ثوار كثر، وتم السعي من قبل حكومات عديدة لتطبيقها. هذا يدفع دفعا للحديث عن ضرورة مراجعة مفهوم الثورة كمفهوم جذري.

ثانيا: الأزمة وجذورها

وفي الآن صدر حكم يقضي بحظر الحركة وأنشطتها وغلق "مقراتها"، استجابة لدعوى أقامها أحد المحامين ضدها، اعتمادا على مستندات تدعي تورط الحركة في أعمال وأنشطة خطرة تهدد أمن البلاد، وتلقي أفراد فيها تمويلا أجنبيا، واعتدائهم على مؤسسات الدولة. حيث قضت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة بوقف وحظر أنشطة حركة، والتحفظ على مقارها بجميع محافظات الجمهورية. وقالت في حيثيات حكمها إن الحركة حصلت على مال من دون ولاء لوطن ولا إحساس بذنب تجاه ما يحدث من آثار ما يقومون به من إراقة دماء والتعدي على جهات أمنية، واستخدام المعلومات فى أغراض شخصية، واستغلال وسائل الإعلام لإحداث الفوضى، وإن أعضاء تلك الحركة يستقوون بدولة عظمى، كأمريكا لقطع المعونة الأمريكية عن مصر، بالإضافة إلى أن أحد أعضائها سبق أن ظهر بزي عسكري، ويحمل سلاحا ناريا، الأمر الذى أصبحت معه الحركة تنشر الفوضى وتهدد الأمن الوطني، واتضح ذلك عقب صدور أحكام قضائية ضدهم، بزعم دفاعهم عن الحقوق والحريات؛ مما يعد إرهابا للمواطنين ومخالفة لتعاليم الإسلام، ولكونهم يتآمرون على الوطن لصالح جهات خارجية، وأن ما تنظمة تلك الحركة من تظاهرات الغرض منها الإساءة للأمن الوطني وتهديد قطاع السياحة وحركة الاقتصاد المصري. وأضافت الحيثيات أن أوراق الدعوى اشتملت على صور ضوئية لأحد أعضاء حركة 6 إبريل وهو يحرق علم مصر، وصور لأعضائها وهم يحملون السلاح، ولافتة لجهاز أمن الدولة، وبرامج لحلقات من برنامج الصندوق الأسود. وأضافت أنه من المقرر بنص المادة 1 و11 /2 من القانون رقم 48 لسنة 2002 بشأن إصدار قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية أن يحظر إنشاء الجمعيات السرية، كما يحظر أن يكون من بين أغراض الجمعية أن تمارس نشاطا، يشمل تكوين السرايا أو التشكيلات العسكرية أو ذات الطابع العسكرى، أو تهديد الوحدة الوطنية أو مخالفة النظام العام أو الآداب أو الدعوة إلى التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين.

اعتمد الحكم على مستندات تدعي تورط الحركة في أعمال وأنشطة خطرة تهدد أمن البلاد، وتلقي أفراد فيها تمويلا أجنبيا، واعتدائهم على مؤسسات الدولة

بدأت جذور الأزمة في شهر أبريل 2011 حينما بدأت الاتهامات حول تلقى الحملة لتمويل خارجي من دول ومؤسسات أجنبية لإشعال الأوضاع في مصر وحشد الشباب لإسقاط النظام، حيث نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا بعنوان "جماعات أمريكية ساعدت في تغذية الانتفاضات العربية"، أشارت فيه إلى أن حركة شباب 6 أبريل تلقت تدريبا ودعما ماديا من بعض المنظمات الأمريكية من أجل دعم وبناء الديمقراطية بمصر. وأثار التقرير وقتها ضجة كبيرة حول حقيقة تمويل الحركات الشبابية المصرية التي ساهمت بثورة 25 يناير، وقامت الحملة بتكذيب صحيفة "نيويورك تايمز" جملة وتفصيلا وهدد أحمد ماهر مؤسس الحركة بمقاضاة الصحيفة دوليا وهو ما لم يحدث. وازدادت الشكوك حول مصدر تمويل الحركة بعدما نشر موقع "الجزيرة" وثيقة من "ويكليكس" تشير إلى أن قياديًا بالحركة طلب أمولا في شهر نوفمبر عام 2008 أثناء زيارته للولايات المتحدة الأمريكية لتمويل أنشطة الحركة. وهو ما نفته الحركة أيضا وأكدت عدم تلقيها أو طلبها لأي أموال من الولايات المتحدة الأمريكية وأصدرت بيانا تكذيبيًا لما ذكره موقع "الجزيرة". وأكد محمد عادل المتحدث باسم حركة شباب 6 أبريل إن الوثيقة تخص المدعو أحمد صلاح، الذي سبق وأعلنت الحركة إنه ليس عضوا بها، ويستغل اسمها لطلب تمويل من الإدارة والمنظمات الأمريكية. ولم تقف الاتهامات الموجهة لحركة 6 أبريل إلى مجرد تلقي تمويلات من الخارج بل وصلت إلى حد إصدار المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير حسين طنطاوي أثناء إدارته للبلاد بيان رقم "69" يتهم فيه الحملة بالوقيعة بين الجيش والشعب، مؤكدا أن للحملة أجندات خاصة ومخططات فشلت في تنفيذها وهو ما رفضته الحملة بشدة وأصدرت بيانا تستنكر فيه اتهامات المجلس العسكري. وفى أغسطس عام 2011 انشق اثنان من مؤسسى حركة 6 أبريل وهما "أحمد رفعت وطارق الخولي" وقررا تأسيس "6 أبريل الجبهة الديمقراطية"، بسبب رفض أحمد ماهر الاعتراف بالإعلان عن مصادر تمويل الحركة، واعتراضا على استمراره بمنصب المنسق العام لها. وقررت الحركة وقتها تجميد عضوية طارق الخولي وأعلنت أن الجبهة الديمقراطية لا تمت لـ6 أبريل بصلة. وفى نوفمبر 2011 قرر مجلس الوزراء أن يتولى وزير العدل تشكيل لجنة تقصى حقائق حول حجم واستخدامات المعونات الأمريكية الموجهة للمجتمع المدني المصري ومدى مشروطية هذه المعونات، على أن تتولى اللجنة إعداد بيان بملاحظاتها على هذه المعونات ومشروطياتها واستخداماتها. ولم يتهم التقرير حركة 6 أبريل صراحة بتلقى تلك الأموال، إنما ورد فيه  أسماء لأعضاء وقيادات في الحركة تلقوا أموالا بصفتهم مؤسسين لمنظمات أهلية، من بينهم أحمد علي راشد، وحسام الدين أحمد، وباسم سمير عوض، حيث تلقوا 522 ألف دولار من جهات خارجية دون موافقة السلطات.
كما حصل مركز دراسات المستقبل للاستشارات القانونية وحقوق الإنسان ومؤسسيه هم: أحمد ماهر، وأحمد صلاح الدين عطية، وخالد محمد إبراهيم طه،  على مبلغ 262 ألف دولار من جهات أمريكية منها "فريدم هاوس"، و"هيئة الوقفية الأمريكية"، دون علم السلطات المصرية.

ثالثا: ردود الفعل

وقد تسبب الحكم في وجود ردود فعل متفاوتة بين الرفض القاطع، والتأييد المصحوب بالرغبة في الانتقام. بدأت برد السيد حمدين صباحي بالتنديد بالحكم كمكرس للقمع، فيما لم يقدم السيد عبد الفتاح السيسي ردا يذكر، سواء بالكتابة أو القول، وتلا ذلك أو توازى معه ردود من مؤسسات قومية ودولية حقوقية، تندد بالحكم، فيما تجاوب آخرون أفراد باعتباره انتصارا للوطنية، وإعلانا لإنهاء الحركة والإجهاز عليها، ومشابهة لحظر جماعة الإخوان.

فيما قدمت مؤسسات دولية يعتد بها ردود فعل حادة ، حيث أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، بان كى مون، عن قلقه إزاء صدور الحكم القضائي، وقال: أشعر بخيبة الأمل إزاء تأييد محكمة الاستئناف فى السابع من أبريل سجن ثلاثة أشخاص كانوا رموزاً لانتفاضة 2011، من بينهم شخصان من مؤسسي حركة الشباب. وشدد على احترامه لاستقلال القضاء، لكنه أضاف قائلاً: لقد أعربت قبل وبعد صدور قانون تنظيم الاحتجاجات في مصر مع المفوضة العليا لحقوق الإنسان عن القلق لما يمكن أن يؤدي إليه من حدوث انتهاكات خطيرة للحق في حرية التجمع السلمي.

هذا إلى جوار ردود الفعل التي تعبر عن حالة القلق وعدم الارتياح من جانب هيومان رايتس والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، وغيرها من المؤسسات الحقوقية التي رأت في الحكم هجوما على الإرهاب، وحرصت في تعليقها على ربطه بحكم الإعدام الذي صدر ضد عدد كبير من أعضاء الإخوان.

تسبب الحكم في وجود ردود فعل متفاوتة بين الرفض القاطع، والتأييد المصحوب بالرغبة في الانتقام.

رابعا: حظر أم حسبة

ولكن قبل ذلك كله، لابد من الالتفات إلى مسألة مهمة يتسم بها الواقع السياسي المصري، طوال عهد مبارك، ولا تزال مستمرة، وهي الحفاظ على صمام أمان السياسة والثقافة، في مقابل الانفتاح في الشأن الاقتصادي. أي أن النظام الحاكم يفضل أن يكون محافظا في ميادين السياسة والثقافة والاجتماع، فيما يظل متحررا في ميدان الاقتصاد. ولذلك من الميسور له أن يستخدم أدواته الناعمة للحفاظ على المجتمع كما أراد له، عبر تأميم غير معلن للمؤسسات الكبرى : الاعلام والقضاء. الأولى عبر تدشين خطاب إعلامي تحريضي، لا يستخدم التداول الحر للأفكار وسيلة له، والثانية بالحجاج القضائي.

والحجاج القضائي هنا برأيي مؤسّس على الحسبة، أي على حق الأفراد في التقاضي في الشئون العامة، أي الدفع بالتهم على الأفراد العموم، لإدانتهم، وحماية المجتمع من شرورهم. فالحسبة نظام يهدف للجمع بين مسئولية الفرد والمجتمع معا في كفة واحدة. هذا النظام ينضوي على تقويض بنية الدولة من الداخل، وجعلها دولة شكلا، ولا دولة موضوعا. ذلك أن إدعاء حق الأفراد في التقاضي فيما هم ليسم جزءا منه، تحت دعوى الحفاظ على القيم والمشاعر العامة والأذى النفسي، أو حماية الأمن القومي، أو صيانة الاقتصاد العام، هو هدم فعلي للمؤسسية، وتوسعة مفرطة للمسئولية الفردية، ودفع ضمني لتقويض المؤسسات المخول لها أن تدفع بذلك في ساحاته، مما يوحي بعودة مقصودة للماضي وللتراث المجهض بفعل تغيرات السياسة والاقتصاد والتاريخ .

والملفت أن صدور هذا الحكم الحسبوي بامتياز، يوازيه صدور مرسوم قانون من رئيس الجمهورية ينفي حق الأفراد في التقاضي بشأن التعاقدات التي تبرمها الحكومة المصرية مع المستثمرين. والحجة أن المستثمرين الأجانب لن يقدموا على المجيء للاستثمار في مصر. فيما يبدو أن مسألة حق اللجوء للقضاء مقررة في جانب الأخلاق والسياسة، منهي عنها في الاقتصاد. وهو منطق مغلوط، ويحتاج للمراجعة النقدية.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟