المركز العربي
للبحوث والدراسات
رئيس مجلس الادارة
عبد الرحيم علي

المدير التنفيذي 
هاني سليمان
ads
السيد يسين
السيد يسين

الأمن القومى والتنمية الثقافية للمجتمع

الخميس 09/أبريل/2015 - 11:17 ص

فى كلمته البالغة الأهمية التى ألقاها الرئيس «عبدالفتاح السيسى» عقب اجتماعه الذى استمر ست ساعات متواصلة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة وردت عبارة محورية مبناها «نحن أمة فى خطر تدافع عن نفسها وتحمى نفسها وتنهض مرة أخرى لتستعيد مكانتها» وهذه العبارة الموجزة تعكس الانتماء العروبى الأصيل لمصر التى لا ينفصل أمنها القومى عن الأمن القومى العربى ككل.

والإشارات ذات الدلالة هى أن الأمة العربية فى خطر شديد، ولابد لها أن تدافع عن نفسها، وتلم شتات دولها المبعثرة وخصوصا بعد ثورات الربيع العربى حتى تنهض من جديد، وتصبح قوة إقليمية يحسب لها من يمثلون مصادر تهديدها ألف حساب.

ولو تأملنا خريطة العالم العربى الآن لأدركنا حجم الهوة العميقة التى وقعت فيها بعض الدول العربية نتيجة عاصفة الربيع العربى التى تداخلت فيها بشكل واضح الأوضاع الداخلية المتدهورة بحكم الاستبداد السياسى والفساد الاقتصادى، مع التأثيرات الخارجية المشبوهة التى انطلقت من مخطط استعمارى تآمرى شاركت فى صياغته الولايات المتحدة الأمريكية ودول حلف الناتو وإسرائيل.

وعلى ذلك نتساءل ما هى مآلات عاصفة الربيع العربى؟

سقطت الدولة الليبية، وصعدت المليشيات العسكرية، وتنوعت الجماعات الجهادية الإسلامية المتطرفة، وارتفع صوت دعاة الانفصال وسادت الفوضى العارمة.

وفى مصر استطاعت جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية أن تهيمن على مطلق السلطة فى مصر، بعد انتخابات برلمانية ورئاسية شابها العوار السياسى والاجتماعى والثقافى، ولم تنج الدولة المصرية من السقوط إلا بمعجزة تاريخية.

أما فى العراق فقد نجم عن الغزو الأمريكى الإجرامى له تمزق نسيج المجتمع العراقى وسيطرة الشيعة على مقاليد الحكم وإقصاء السنة، مما سمح لعصابات تنظيم داعش أن تظهر وتتمدد وتجذب لها أنصارا من السنة الذين عانوا من الاضطهاد الشيعى. وفى سوريا وحرب أهلية طاحنة اختلطت فيها الأوراق بين نظام استبدادى يحاول الدفاع عن بقائه بأى ثمن، وحركات معارضة بدأت وطنية وانتهت فى الواقع إلى أيدى تنظيم القاعدة وداعش حما بالسقوط الوشيك للدولة.

وفجأة برزت مشكلة «اليمن» التى مرت باضطرابات عنيفة فى الفترة الماضية عكست عمق التنافس القبائلى وخطورة الإحتراب الأهلى، والذى انتهى بغزو الحوثيين لصنعاء والسيطرة عليها وعلى أقاليم عينية متعددة، مما خلق للسعودية ومصر مشكلة خطيرة، لأن الحوثيين بحكم علاقتهم الوثيقة بإيران التى تمددت فى العراق ولبنان وسوريا يمكن أن يكون تحالفها مع الحوثيين مصدر خطر شديدا على الأمن القومى العربى، وخصوصا المخاوف من سيطرتهم على «باب المندب» ولذلك جاء فى الكلمة الخطيرة التى ألقاها الرئيس «السيسى» وفيها رد مباشر على هؤلاء الذين يتساءلون مالنا وما اليمن قوله بالنص «نحن نتعاون من أجل البناء والتعمير وليس العدوان على أحد نتكلم عن حماية ودفاع وتأمين مضيق باب المندب وهو أمن قومى ومصرى وعربى. والأمن القومى فى الخليج لأى دولة عربية من أمن مصر القومى، ولن يستطيع أحد النفاذ بيننا وبين أشقائنا».

هكذا بلور الرئيس «السيسى» عقيدة مصر السياسية وهى أن الأمن القومى المصرى جزء لا يتجزأ من الأمن القومى العربى، ومن ناحية أخرى على الأمة أن تنهض مرة أخرى لتستعيد مكانتها.

والواقع أن خطاب «السيسى» يتضمن نظرة متكاملة فى الأمن القومى، لأنها ألفت تأليفا خلاقا بين المفهوم التقليدى للأمن القومى الذى يركز على الموقع ويعتمد على الدفاع عن الدولة باستخدام السلاح، وعلى نهوض الأمة فى نفس الوقت، والذى يقوم على أساس التعريف الجديد للأمن القومى وهو أن الأمن القومى هو التنمية.

غير أن هذا التعريف الذى صاغه «ماكنمارا» وزير الدفاع الأمريكى الشهير منذ سنوات بعيدة تجاوزه الزمن، لأنه ركز على التنمية فى بعدها الاقتصادى، والذى يتمثل فى رفع مستوى جودة الحياة فى المجتمع بشكل عام، ولكنه لم يفطن إلى أن هذا التعريف الضيق للتنمية يقصر عن النفاذ إلى عمق مفهوم التنمية فى عصر العولمة، والذى يتمثل فى المقام الأول فى التنمية الثقافية.

بعبارة أخرى لا يكفى على الإطلاق ونحن نعيش فى عالم تسوده الأفكار المتطرفة والنزعات الدينية المتشددة والتى تحولت إلى إرهاب معولم بات يهدد الدولة العربية والإسلامية بل دول العالم جميعا بلا استثناء، أن نركز فقط على التنمية بالمعنى التقليدى. ولكن لابد من مواجهة الأفكار المتشددة التى تنبع من أصحاب العقول المغلقة، وتنمية «العقل النقدى» الذى يضع كل شئ فى الحياة- بما فى ذلك بعض المعتقدات الدينية المتشددة- موضع التساؤل.

وهذه المعتقدات الدينية المتشددة تستند إلى أفكار «المركزية الإسلامية» والتى - فى صورتها المرضية- تعلى من شأن المسلمين وتحتقر بل وتعادى غير المسلمين وتجعلهم مباشرة أهدافا سهلة للقتل والاغتيال والإرهاب.

فى ضوء هذه الملاحظات المهمة لابد من إدخال تعديلات جوهرية على النموذج المعرفى التقليدى للأمن القومى والأمن القومى التنموى فى نفس الوقت. بالنسبة للأمن القومى التقليدى انتهى زمان «حروب الجيل الثالث» التى كانت تعتمد على الأسلحة الثقيلة والحشود العسكرية الضخمة، ودخلنا عالم «حروب الجيل الرابع» والتى تعكس فى الواقع عصر العولمة بما يتضمنه من ثورة اتصالية كبرى تتمثل فى الأقمار الصناعية التى يمكن أن تكشف مواقع العدو بدقة بالغة، والبث التليفزيونى الفضائى، وأخطر من ذلك كله شبكة الإنترنت التى أصبحت وسيطا لا غنى عنه للتنظيمات الإرهابية.

وقد رصدنا منذ سنوات فى كتبنا المتعددة سقوط مفهوم الأمن القومى التقليدى وصعود مفهوم جديد يقوم على نوعين من الحروب، وهى الحرب الفضائية cyber war وحرب الشبكات net war.

وقد أدى ذلك إلى إختفاء مفهوم مسرح المعركة Battle Field الذى كان محور مفهوم الأمن القومى التقليدى، وأصبحنا فى «حروب الجيل الرابع» نتحدث عن فضاء المعركة Battble space. وتبدو دقة هذا التغير حين نتأمل تمدد تنظيم داعش من سوريا إلى العراق بل واحتلال تكريت والموصل، مما يعنى أنه لم يكن هناك مسرح للحرب ولكن فضاء للمعركة.

ومن ناحية أخرى لابد فى مجال نهوض الأمم بعدم الوقوف عند عتبة التنمية الاقتصادية بمعناها القديم، بل لابد من تطبيق منهجية التحليل الثقافى لتحرير عقول الجماهير من الأغلال التى تطوقها بها الحركات الرجعية والتنظيمات الجهادية الإرهابية. ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بناء على سياسة ثقافية متكاملة تقوم على أساس القضاء على العقل الاتباعى وتشييد أسس العقل النقدى.

إرسل لصديق

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟

ما توقعك لمستقبل الاتفاق النووي الإيراني؟